_إنها المرة الأولى منذ شهر أو يزيد
_قرأت الكثير من مذكراتك يا صفاء
كانت صفاء تجالس فوزية في راكوبة البيت الصغيرة .. بعد أن تناولت معها
طعام الفطور واحتست كوب من الشاي الأحمر كانت تشعر أنها مختلفة .. وجهها
كان يحكي عن ذاك الاختلاف .. فقد بدت أكثر إشراقا .. اقرب للحياة ..
_اشعر بالحرج من الكثير من ما جاء فيها
_لا ينبغي لك .. لقد ازداد يقيني انك إنسانة عظيمة يا صفاء ..
تضحك صفاء هازئة فتؤكد فوزية
_أنا لا امزح .. إن ما فعلته وما تفعلينه مع عائلتك أمر في منتهى النبل .. ويحتاج
إلى قوة هائلة وصبر جميل .. ضحيت بسعادتك حتى يعيشون حياة كريمة
ثم كافأك المجتمع بالأحتقار وأوسمة الألقاب الجارحة
تتنهد صفاء في حرارة وتقول
_بالرغم من أنني بدأت اعي أن ما كنت أعانيه كان من صنع يدي قبل كل شيء
لكن صدقيني ليس سهلا تصلي إلى مثل عمري هذا دون أن يطرق باب بيتك احد
.. دون أن يرغب بك احد .. أن تكوني عانس يعني أن يستصغرك الناس .. يعطف عليك البعض ..ويضحك آخرون ..
_يا عزيزتي أنا افهم تماما ما تتحدثين عنه
_لا أظن .. لن تفهمني إلا من هي في مثل حالي
_وأنا مثلك .. الفرق هو أنني لا اهتم بما يقول الناس بقدر اهتمامي بما أراه وأريده
فالمجتمع يحتاج إلى الوقت والكثير من العمل لتقويم فكره وسلوكه العام بهذا الصدد..
لكن الواحدة منا تستطيع تقييم ذاتها .. وبالتالي إجبار الآخر على معاملتها وفق ذلك
التقييم
_بلى فأنا لم أتزوج قط .. وأكبرك ببضعة أعوام
_....... تلجم الدهشة لسان صفاء .. تتساءل _كيف.؟ وابنتيك؟
_هما ابنتي لكنني لم أنجبهما .. لقد قمت بكفل عائشة مع والدي رحمة الله قبل
وفاته وكفلت فاطمة في ذكرى رحيله عن الدنيا ..غريب الم تلحظي اختلاف ملامحهن عن بعضهن وعني.؟
تحدق بها صفاء وذهنها يسترجع صورة الفتاتين .. ربما كانت محقة إنهن مختلفات حقا لكنها
_لم لم تتزوجي ؟ أنت جميلة .. ولا ينقصك المال ولا العلم ..هل تعلمين
أنا في غاية الدهشة .. لقد أخطأت تقدير عمرك بعشرة سنوات أقل
تضحك فوزية مجددا وتشاركها صفاء بابتسامه ..
ثم تصمت للحظات قبل تقول بصوت تشوبه مسحة حزن
_لقد اخترت أن لا أتزوج أبدا بعد قصه حب فاشلة
_حدث ذلك منذ زمن طويل وخطيبي السابق هو الآن أب لمهندس وطبيبه
_كنا يافعين .. تعرفنا في الجامعة حيث كنت ادرس القانون هنا .. أحببنا بعضنا
وعرفته حالا بوالدي .. ثم تمت خطبتنا ..
تصمت للحظة وكأنها تسترجع أحداث أبعدتها في ركن قصي من ذاكرتها
_أحببته حقا يا صفاء وظننت انه يحبني بصدق .. كان يسبقني بثلاثة أعوام فقررنا
الزواج حالما يتخرج هو على أن أتم أنا دراستي بعد الزواج .. لم يكن لدينا مشكله
من الناحية المادية لان والدي كان ميسور الحال و أراد التكفل بكل شيء
_لا لا .. ليت الأمر كان كذالك .. لكان اختلاف رأي توصلنا من بعده لاتفاق أو
افترقنا عن قناعة
_تم تشخيص والدتي رحمها الله في مرحلة متأخرة من سرطان الثدي .. لم تعش
بعدها طويلا أربعة اشهر بعد التشخيص ..
_تغير هو بعد مرض والدتي كثيرا .. لم يقف معي في محنتي كما كان متوقع أو
مفترض ..ثم فاجأني بعد شهرين من وفاه أمي انه يريد فسخ الخطبة لأنه قرر السفر
إلى الخارج للتحضيرولا يرغب في إبطاء مشوار دراسته العليا بمشروع الارتباط .
. والكثير من الأعذار الأخرى الواهية ..ولم افهم إلا بعد استنفاذ الحلول التي كنت
اقترحها لكل مشكله وبعد استنفاذ كل الأسباب التي قد تدفعه لفعل أمر مماثل ..
لم افهم انه أراد التخلي عني لأنه يعلم أن مرض أمي قد يكون وراثيا وقد يصيبني
أو ربما بناتي اذا ما انجبت بعد الزواج وخاصة عندما اكتشف تاريخ عائلتها
الحافل بمثل تلك الإصابات الخبيثة
_معقول ..؟؟هل هناك إنسان يفكر بهذا الشكل ..؟؟وماذا فعلت ؟
_لا شيء .. كان الأمر صعبا جدا علي .. فقرر والدي أن يرسلني لأدرس خارج
البلاد علني أنسى تجربتي المرة .. وفقدي الأليم .. وفعلا كان ما كان فسافرت إلى
إحدى الدول الأوروبية ودرست علم المجتمع.. فضلته على القانون لاني وبعد ما
مررت به فكرت أن الإصلاح قبل وقوع الخطأ خير من انتظار وقعه لعمل شيء ما ..
كان لوجود والدي إلى جانبي اثر عظيم في تخطي لمحنتي.. أخبرته انني لم أعد
أرغب في الأرتباط أبدا .. كان متفهما .. ومنفتحا .. لم يعترض .. ولم يجبرني
على مالا اريد .. كان ابا وصديقا ومعلما ومرشدا .. ولأجل ثقتة الكبيرة بي
عاهدت نفسي أن اعتني بذاتي وأطورها وانميها .. لأكون في محل تلك الثقة الغالية.
كانت صفاء تستمع إلى فوزية ودموعها تتساقط دون توقف لم تعرف هل كانت
تبكي تأثرا لها أم تبكي أيامها التي أهدرتها في رثاء الذات والضياع في حلقات مفرغة
أم تبكي والدها هي و الذي تركها مبكرا فلم يكن لها مرشد أو دليل لتسلك الطريق القويم
_أنا اسفه يا عزيزتي لم أشأ إزعاجك ..
_لا أنا سعيدة لأنك هنا .. لن تتصوري كم أنا ممتنة لأنني التقيتك .. كنت احتاج إليك
كثيرا ..لقد أرسلك الله لي .. لأنه يعلم بحالي ورحمته واسعة .. فالحمد لله على وجودك
هنا
_أتعلمين أمرا ... أنا أيضا احمده كل يوم لوجودي هنا يا صفاء .. فلقد كان خطيبي
السابق محقا في توقعاته .. وأصبت فعلا بسرطان الثدي لكن تم تشخيصي مبكرا
والحمد لله لأنني كنت اخضع للفحص الدوري ..
تتجهم ملامح صفاء وتشهق في جزع
_لا تخافي يا صديقتي لقد شفيت وتغلبت على ذلك الداء بفضل الله منذ عشرين عاما
أنا الآن بخير وطبيعيه تماما ..
_الحمد لله .و...هل علم ..بأمر مرضك وشفاءك ؟أعني خطيبك
_نعم .. و ..أتعرفين ما المفارقة الغريبة؟ كان قد فقد زوجته في حادث مروري
بعد بضع سنوات من زواجهما .. و جاء الى يطلب العفو ..ويسألني أن اقبل
بالزواج منه زاعما بأنه لن يجد من هي أفضل مني لاعتناء به وبولديه ..!!