أحبتي:
نواصل ما انقطع من حديث عن رحلتي إلى أسيوط.
على يمين الرصيف و يساره شمخت لافتات بيضاء مكتوب عليها بخط أسود ( أسيوط) ... إذاَ هذه هي أسيوط ... الطريق إليها لم يكن قصيراً و لكنه لم يكن شاقاً، خمس و سبعون وثلاثمائة من الكيلومترات شقها القطار ...و أنا أترقب ... و أنظر إلى ما خلف نوافذه ... محطات كثيرة تلك التي مر بها القطار : الجيزة ... الحوامدية ... البدرشين ... العياط ... الواسطى ... بني سويف ... ببا ... الفشن ... مغاغة .... بني مزار ... مطاي ... سمالوط ... المنيا ... أبو قرقاص ... الروضة ... ملوي... دير مواس ... ديروط ... القوصية ... منفلوط ... منقباد ... ثم بعد أن شق القطار كبري ترعة الإبراهيمية هذه هي أسيوط ، غرب الجبل و شرق النيل ، و بلغة أخرى الجبل شرقها و النيل غربها. و بين الجبل و النيل كما بين المشرقين و المغربين ...و كما بين ( الحراز و المطر). في الجبل مطاريد ... و مغارات ... و الغول و العنقاء ...و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع. و في ضفاف النيل ... ماء ... و خضرة ... و وجه حسن ... و جمال ... و همس ... و عشق ... و لقاء.
و من النيل تنساب ترعة الإبراهيمية في دعة و جمال ... ترتمي في أحضانها و بين ضفتيها مباني رائعة الجمال ... حيث جامعة أسيوط بشقيها القديم و الجديد.
تخرج ترعة الإبراهيمية بعيد (بضم الباء و فتع العين) خزان أسيوط الشهير الذي يقودك إلى الضفة الأخرى من أسيوط حيث نادي الجيش و نادي الشرطة و بعض من حدائق خضر تنام على خد النيل الغربي. و للنيل في أسيوط - كما في طول مجراه – خدود خضراء، هي أجمل ما تكون ، كخدي عروس زينت في ليل عرس.
تخرج ترعة الإبراهيمية منسابة تتراقص مياهها النيلية و تمنح نادي البلدية شمالها رونقاَ جميلاَ و جمالاَ وضًاء. حيث يقودك شارع الجمهورية من و إلى جنوب الترعة ماراَ بميدان أم البطل، الذي يقودك جنوباَ إلى مسجد ناصر و جامعة الأزهر بأسيوط بالقرب من النفق الكبير و التي انتقلت إلى شمال ترعة الإبراهيمية لتزيد جمال الطبيعة جمالاَ من نوع آخر.
و على بعد أمتار قليلة من نادي البلدية تتنامى إلى الناظر مباني جامعة أسيوط (القديمة) الرائعة الجمال يحتضنها النيل غرباَ و ترعة الإبراهيمية جنوباََ. و على امتداد شاطئ ترعة الإبراهيمية جنوباَ تتمدد جامعة أسيوط (الجديدة) بكل جمال و دعة.
يشق القطار كبري ترعة الإبراهيمية ، ثم النفق الصغير ، ثم النفق الكبير ... و يتهادى في مسيرته و يتوقف عند محطة أسيوط.
خمس ساعات مضت منذ أن تحرك القطار من محطة القاهرة (باب الحديد) ، توقف خلالها القطار دقائق قليلة في بضع محطات ، المسافرون يصعدون إلى القطار و يهبطون منه بسرعة ... لا مجال هنا للانتظار ، بعض من المودعين و المستقبلين يتجمعون هنا و هناك.
في بلدي الناس يلتقون بالأحضان و التربيت على الأكتاف و الناس هنا يتقابلون بالقبلات ، لم يكن هذا المنظر مألوفاً لديَ و نحن أمة يسكن في دواخلها الحياء حتى من قبلات على الخدين.
الساعة قاربت منتصف النهار، و لكن الجو كان بارداً، و أنا ككل القادمين من بلاد النيلين كنت لا أزال أضع على كتفي قميصاً لا يقي البرد الذي قتل أبا ذر.
توقفت قليلاً ، أنظر يمنة و يسرةَ ، الناس كلها تتدفق في اتجاه واحد إلى خارج المحطة. كنت أحس بأنني الغريب الوحيد في هذه الجمهرة المتحركة من البشر. و بينا أنا أنظر بحذر هنا و هناك، لمحت وجهاً اسمر يتلفت يمنة و يسرة . أن تكون أسمر البشرة في مصر و في صعيدها لا يعنى بالطبع أنك سوداني الهوية. و لكن للشعب السوداني مسحة خاصة ، فكأني بكل سوداني مكتوب على جبينه (أنا سوداني أنا). هذا الفتى الأسمر النحيل الذي (ينظر حوله) لا يحتاج إلى جواز سفر لتعرف أنه سوداني الهوى و الهوية. اقتربنا (بل اندفعنا) كل منا إلى الآخر. تعارفنا و تعانقنا عناقاً سودانياً عفوياً و ابتسم كل منا إلى الآخر. فالرفيق و إن كان في آخر محطة خير من الوحدة في المجهول. كان كل منا يسحب حقيبته بيده و في الأخرى حقيبة يدوية.
و غداً إن شاء الله أعود ببعض الرحيق
هاشم