إن ذكرى (ألم فراق الأحبة و ألم لقاء البراغيت) تلك ، أعادت إلىَ شجوناً قديمة أدمعت عيناي و أدمت جراحاً ما فتئت تعيش في دواخلي منذ أن فارقت قدماي أرض أسيوط الطيبة . و لعمري فإن براغيت ذلكم الزمان أحب إلي نفسي من أسرة فارهةً نفترشها هذا الزمان. و لو لا أن نصفي الآخر هو أيضاًُ أسيوطي الهوى و الهوية لما تمكنت أن أكون أنا كما أنا الآن.
إن ألم فراق الأحبة و ألم لقاء البراغيت الذي عشناه في ذلكم الزمان هو الذي جعل كل من (بكسر الميم) من (بفتحها) تخرج من أسيوط ( شاخص) يشار إليه بالبنان ... و خريجو أسيوط الذين إنتشروا في كل بقاع الكرة الأرضية صاروا أعلاماً في رؤوسها نار ... و لهيب ... و حمم و دخان ... صاروا براكين من إبداع ... صاروا الهوى و الهواء ...و لو أن الزمان عاد بنا إلى حيث كنا في أسيوط لما أخترنا إلا ما كنا عليه.
و الجراح الساخنات ... التي (عشعشت) في دواخلنا منذ أن فارقنا أخوة لنا عرفناهم في أسيوط ... ما برحت تنزف دموعاً من رجاء ... و آمال ... و إشتياق.
و لقاء (البراغيت) ذياك لا يشبه لقاء (العفاريت) الذي نعيشه كل يوم في طرقات غربة أخرى نعيشها الآن ليس بينها و بين غربة أسيوط وجه للشبه.
إختلست نظرات واهنة إلى وجه أخي محمود و هو يدسه و دمعات ساخنات حيارى بين كفيه ...... و لمحمود القائم وجه لا تفارقه إبتسامة ممزوجة بالحزن و الحياء و الحيرة ... و كفين ممدودتان لا تملان الجود و العطاء ... و تقادم بنا الزمان في أرض الكنانة و ما برحت تلك الإبتسامة الحزينة الحيية الحيرى لا تفارق محياه ، و ما فتىء ذلكم الجواد المعطاء ... وابل لا ينقطع ... إلا أنه و على خطى البعض غادر أسيوط على إستحياء و أكمل دراسته بالأسكندرية. و قابلته بعد ذلك كثيراً في مدينة الإسكندرية ، لكنه كان لا يزال يحمل سحنة أسيوطية بديعة.
تسللت أشعة الشمس واهنة خجولة بين مباني ميدان المحطة (التحرير) ... في صباح غطته ريح باردة . بادرنا إنبلاج الفجر بخروج سريع من ذلكم الفندق المتهالك ... البارد ... القديم قدم التاريخ إلى حيث فندق النهر، الذي لبثنا بعضاً من زمان فيه. كانت الغرفة التي أقمنا فيها أنا و محمود تطل على شارع محمد على مكارم في مواجهة مبنىً مدرسي خصص للمهجرين من السويس إثر حرب الأيام الخمسة ... أو الستة ... حرب النكسة التي فقدت فيها مصر كل سيناء و فقد فيها الفلسطينيون الضفة الغربية و قطاع غزة. و فقد فيها العرب عزتهم و كرامتهم إلى حين.
الشارع يعج بالمحلات التجارية و المطاعم و مركز لتوزيع أسطوانات الغاز و محل لبيع الذهب و محل للخياطة و عدد من (المكوجيه) ... كل المتناقضات في ذلك الشارع الشهير الذي يبدأ عند تفرعه من شارع 26يوليو جنوباً و ينتهي عند مباني المدينة الجامعية شمالاً. و لكل محل من تلك المحلات إرتباط ما بالطلبة السودانيين بأسيوط ... فلدى محلات الذهب أسعار خاصة (لفك) الدولارات التي كنا نأتي ببعض منها (المائة أو المئتان) كل عام من السودان ...
و المكوجية هم سماسرة الشقق ...
و كان لنا مع محلات الفول و الطعمية عهد و ميثاق لا ينفكان أبداً. و اللقاء الذي يذكرك صباحاً و مساء بفراق الأحبة هو ذلك اللقاء القسري اليومي بسندوتشات الفول والطعمية مع قليل من الطرشي و الكثير من هم الكراريس ... الكشاكيل ...الحبر ...
المصاريف ... المظاريف ... الجوابات ...الخبر ....
المراكب ... المقاديف .... الشراعات ... البحر ...
اللواري ... البراري ...الكباري ... التريعات ... النهر ...
النجيمات ... السحابات ...التخايات ... المطر ...
المحطات ...القطارات ...المطارات ... السفر...
و بمشيئة الله ...
غداً أعود ببعض الرحيق.
هاشم