اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هاشم أبوزيد نقد
رحلتي إلى أسيوط (12)
كانت الغرفة بالطابق الأول، و الغرف في فندق النهر صغيرة و بالكاد تحتمل سريرين و دولابين ، و كان باب غرفتنا يفتح مباشرة على سلم الفندق مما كان يسبب لنا الكثير من الضوضاء ، فأصوات الصاعدين و الهابطين لا تكاد تتوقف ، و أكثر ما كان يؤرقنا هو حمامات الفندق التي كانت في حال لا تروق لنا، و المياه الباردة برودة الطقس في شتاء أسيوط تعبث في جلودنا ليل نهار.
شهر نوفمبر في أسيوط بارد و يشتد البرد فيه يوماً بعد يوم ، و كان استخدام السخانات في الغرف ممنوعاً ، ربما لأسباب تتعلق بالسلامة ، و لكن جميع نزلاء الفندق و معظمهم من الطلاب السودانيين القادمين إلى أسيوط أول مرة، كانوا يستخدمون السخانات في غرفهم خلسة للتدفئة و لعمل الشاي.
و شاي الصباح بالنسبة لنا نحن السودانيون أمر لا يمكن التنازل عنه ، كنا نصحو باكرين للحاق بالكلية ، و بعد أن نتناول كوباً ساخناً من الشاي في تلك (الصباحات) الباردة ، نعده خلسة على السخان ، تلك الآلة الكهربائية ذات السلك المستدير الملتف التفافاً لولبياً على طبق من فخار منحوت هو الآخر نحتاً لولبياً يحتمل ذلك السلك المستدير، كان ذلكم السخان هو صديقنا الحميم الذي ننام على دفئه و نصحو على كوب شاي منه. و كانت إدارة الفندق في أحايين كثيرة تكتشف و جود ذلك السخان فتصادره، فنبادر بشراء سخان آخر، عبثاً نحاول (دسه) عن أعين عمال النظافة بالفندق. و عندما تفرقنا إلى شقق مختلفة في أسيوط كان ذلك السخان بنداً أساسيا في أثاث كل شقة، بل كل غرفة.
في أول ليلة لي بفندق النهر ، توقفت أمام ذلك الشباك الذي يطل عل شارع محمد علي مكارم، و أنا أحدق في الشارع المكتظ بكل شيء، في سكون، عدت و بلمح البصر إلى منزلنا بالصحافة ، و كأني أرى أمي (حفظها الله) تصنع لنا طعام العشاء و كوباً من الشاي (بي لبن) و نحن نتسامر في فناء ذلك البيت الدافئ دفء أهل السودان الطيبين. الشارع الهادئ الممتد من شارع مدني إلى منزلنا و البيوت المتراصة على جانبيه، و في كل بيت لنا صديق. الأشجار المتصافة في بعض البيوت و أمام منزلنا – و التي لا تزال واقفة في شموخ – ميدان رابطة الصحافة شرق... سوق الخضار المركزي ... و أصدقاء الطفولة في قشلاق البوليس الجنوبي الذين ما برحوا يزورونا بالصحافة يوماً بعد يوم ، و بين هذا و ذاك تعيدني أصوات أبواق السيارات إلى الواقع المرير. فأعود إلى سريري أتجرع مرارة الذكريات و الحنين إلى ماض قريب. و أنا أمسح دمعات ساخنات من على جبيني مستديراً بوجهي إلى الجدار فإذا بكلمات مكتوبة على الجدار (للذكرى و التاريخ 22 أغسطس ) الخط سوداني و الاسم سوداني و لكنني لم أعد اذكره، يا للهول! منذ ثلاثة أشهر! و أنا الذي تقتلني الذكري و لم يكتمل يومي الثالث بعد.
يا ليتني كان لي ملك سليمان فآمر الجن أو الريح فتأخذني إلى هناك قبل أن أقوم من مقامي هذا، بل قبل أن يرتد إلي طرفي.
و بمشيئة الله ...
غداً أعود ببعض الرحيق.
هاشم
هاشم .. سلامات ..
ياخى ذكرتنا بالشاى أيام أسيوط وصيحة "معاااااك" تلاحقك من كل أرجاء الشقة وأنت تسير على أطراف الأصابع متخفياً فى طريقك إلى المطبخ، ظناً منك أن أحداً لن يراك أو يسمعك .. ولكن هيهات ..
أظنك والجميع يوافقنى أننا قد شربنا براميلاً بل أبحراً من الشاى ..
فما سر هذا العشق بين الأسايطة والشاى!!
لك كل الشكر على السرد الشيّق ..
واصل فكلنا متابعة ..