منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-02-2012, 06:41 PM   #[1]
هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هشام آدم
 
Exclamation أرض الميّت

[aldl]http://dc08.arabsh.com/i/00993/mq6xvkpg7yl5.jpg[/aldl]

رواية (أرض الميّت) عن دار سندباد للنشر والإعلام بجمهورية مصر العربية - القاهرة
قام بتصميم الغلاف الفنان السوداني حسن عبد الرحمن حميدتي
سنة النشر 2009



هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-02-2012, 03:56 AM   #[2]
الزوول
عضو
الصورة الرمزية الزوول
 
افتراضي

سلامات يا هشام
ما قدرت أفهم الفكرة من البوست ده
يعني تكون ناوي تنشر الرواية هنا مثلاً ؟
أكيد طبعاً انت فاهم إنها ح تكون مستباحة
وبالتالي ستفقد حقوقك المادية ومعها حقوق دار النشر وغيرهم من المشاركين
بالتأكيد ستجد نقاشاً ونقداً أكثر وشهرة أكبر
ولكن الحياة المادية هي التي لها الأهمية الأكبر
...



التوقيع:
يا متلبك في الأدران ... الحجـر الأسـود مـاهو البروة
وماها مكاوي الكعبة تجيها ... حين ينكرفس توب التقوى
ومافي خرط للجنة تودي وما في خطط ممهـورة برشوة
والمشروع الديني الخـالص ... ما محتاج لدراسة جدوى
ويات من قال "يا رب" من قلـبو ... رد الخالق دايما "أيوه"


حِمّيد
الزوول غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 05:31 PM   #[3]
هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هشام آدم
 
افتراضي

الإهداء

إلى (بابا أونتي) أمي.
أول من أرضعتني اللغة النوبية
وآخر من قد تقرأ هذا الكتاب
لأنها لا تحب الروايات



هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 05:35 PM   #[4]
معتصم الطاهر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معتصم الطاهر
 
افتراضي



مرحب بعودتك هشام ..

للمرة الكم كدا ..

و عندما يكتب هشام أقرأ الفكرة وراء الرواية قبل الأحداث

لذا هشام يأخذني بالحكم على فكرته قبل فنياته ..


فى انتظار أن تكون الرواية فى رفوف مكتبات الدوحة أو " أنتظر من يرسلها لى "



التوقيع:
أنــــا صف الحبايب فيك ..
و كـــــــــــل العاشقين خلفي
معتصم الطاهر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 05:37 PM   #[5]
هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هشام آدم
 
افتراضي

[justify]كنتُ منتبهاً لصوت الجدة مِسكة المتشائم، ومتأثراً به، وهي تحكي لنا عن وفاة أحد أعظم الأساطير التي مرّت على قريتنا والقرى النوبية على الإطلاق. وظلت سيرة هذه الشخصية الأسطورية -التي تسببت في تسمية الأراضي التي سكنتها بعض القبائل الأحمسية السمراء- تتردد على ألسنة عجائز القرية، وشيوخها جيلاً بعد جيل؛ إلى الحد الذي جعل الرواية تخضع إلى عمليات تحريف شعبية واعية واسعة النطاق، فأضاف إليها البعض من مخيّلتهم الخاصة؛ بينما اعتمد البعض الآخر على ذاكرته التي أصابها العطب والصدأ بفعل تقدّم السن. ولكنني تأثرت برواية الجدة مِسكة التي روتها لنا بتفانٍ غير مسبوق على حلقات متسلسلة، فكنا ننتظر الظلام وهو قادم يتهادى على مهل فوق سفوح جبال مَيْمَي الجنوبية؛ كغريب يدخل القرية على خجل، فنجلس في نصف دائرة: أنا وأبناء عمومتي، وبعض الفتيات لنستمع إلى ما تبقى من حكايات جلال التمتام.

ومازلتُ إلى الآن قادراً على تصوّر مشهد وفاته الذي لم يشهده أحد، وخضع لتكّهنات الرواة من هيئته التي رأوه عليها عندما عثروا عليه ميتاً على سريره ممسكاً بصورة سيّدة بيضاء. والضوء الذي يمر متسللاً من خلال النافذة المتهالكة على تجاعيد وجهه الذي كجلد تمساح أمازوني، عرّى تواريخها. ذلك الضوء الذي كنهر هادر من آلاف اليرقات الضوئية، يعبر بين ثقوب النافذة الخشبية المطليّة بطلاء أزرق، ناشراً رذاذ أشعة الساعة الثامنة صباحاً على طول المجرى الضوئي المستقيم، مجنونة كإحدى لوحات سلفادور دالي السريالية.

كل الذين رووا قصته أجمعوا على أن الحزن كان أكثر الملامح إضاءة في قسماته المُتعَبة. الهواء الصباحي البارد كان يصفع الباب الخشبي بصفائح الألمنيوم المتآكلة، كأنه جسد كركدن أفريقي معتد بنفسه. والإهمال والغبار يعمّان المكان، ويتركان أثرهما بوضوح في كل ركن. جلال التمتام الأشهب القادم من المجهول حاملاً في قسماته ملامح نادرة، وفي لغته لكنة غير مألوفة، كان له قنٌ يُربي فيه: ثلاث دجاجات، وديكاً أعرجاً لا يُلقّح ولا يُؤذن، وكلبٌ أسود بذيل مقطوع، يُذاع عنه أشياء مُريبة، ويُشكّ في أمره.

عندما أقدم الكلب على عضّ صابرين ابنة العمدة ليلة عيد أضحى، لم يجرؤ –حتى إمام القرية– على إمساكه وحقنه بالسُّم. العمدة نفسه كان يقرأ المعوذتين، وينفث عن شماله ثلاثاً كلما رآه، ويردّد بصوت عال ليسمعه الكلب: "أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق!" وظنّ أن ذلك ما يبقيه في حرز منه، وآمن أنّ تلك الكلمات سرّ نجاته من هجمات الكلب العدوانية.

لا أحد يعرف على وجه الدقة من اكتسب الشهرة من الآخر: الكلب الأسود أم ابنة العمدة؛ إذ لم تخل مجالس الرجال من ذكر تلك الحادثة، وأصبح الأمر فاكهة الليالي الخمرية التي اعتاد عليها الشباب في القرية. جاء الناس راجلين وراكبين من كل الأصقاع البعيدة والقريبة ليحمدوا للعمدة سلامة ابنته. وجاء حكيم القرية ليحقن الفتاة المسكينة بإحدى وعشرين حقنة في سرّتها أمام دعوات الجميع لها بالشفاء والسلامة من داء الكَلَب.

آمن أهالي القرية أن تبوّل كلب التمتام –والكلاب السوداء على العموم- على عتبات البيوت، يعني نذير شؤم موشك. فلم يسمحوا للكلب بالاقتراب من بيوتهم، أو حتى التفيؤ تحت ظلال جدرانها الجالوصية المتهالكة في ساعات الظهيرة الحارقة. وربما نال حياته بقدر ما نال صاحبه من الاحترام والتوقير.

بعد وفاة الشيخ العجوز، قرر بعض الفتيان -من بينهم هارون عزيزة- مطاردة الكلب الأسود العجوز وقتله، واعتبروا ذلك واجباً دينياً مقدساً، وشرفاً سوف يستحقون عليه الثناء والمجد من أهالي القرية. هارون عزيزة وجدها فرصة مناسبة لكسب احترام الأهالي الذين نبذوه بعدما وشت به مجموعة من الأطفال عندما اختلس النظر إلى فتاة بالغة وهي تتغوّط في الخلاء، فكان أكثرهم حرصاً وحماسة لمطاردة الكلب؛ بل وأكثرهم شراسة في الفتك به. اعتبر أنّ دماء الكلب الأسود خلاصه من العار الأبدي. وبموت الكلب الأسود وصاحبه التمتام، انقلبت أحوال القرية رأساً على عقب، ولم تعد تهنأ بالراحة.

هارون عزيزة لم يشأ أن يفوّت الفرصة، فلم يكتف بضرب الكلب بفأس صدئة على مؤخرة رأسه، وإنما حمله على كتفيه وسار به مزهواً في شوارع القرية الصخرية، كفارس إغريقي نبيل يحمل رأس وحش همجي أرّق مضاجع الأميرات. مرّ أمام بيوت القرية على مهل، رافعاً جثة كلب التمتام فوق رأسه مستقبلاً زغاريد النساء الواجلات في صلف لا تخطئه عين.

لم تستطع الجدة مسكة التحقق من شأن هارون عزيزة حول أسباب الاحترام الذي ناله من أهالي القرية ما إذا كان عائداً إلى همّته في قتل الكلب، أم بسبب نبوءة التمتام؛ إذ تذكر أنّ جلال التمتام، مرّ ذات أمسية -وهو في طريقه إلى بيته- برهط بينهم هارون عزيزة نفسه، فأشار إليه بعصاه المعقوفة وهو يقول: "ما أسعد القرية بك؛ إنك ستعيش مرتين، وتخون مرتين، وتسكن هذا البيت." وأشار إلى سرايا العمدة، وضحك الجميع.

أوصى الشيخ عبد الصبور إسماعيل دهب إمام الزاوية اليتيمة في القرية آنذاك بتعليق الكلب الأسود -بعد قتله- على سارية كانت فيما مضى جزءاً من ساقية أنشأها أبوه طيّبُ الذكر الشيخ إسماعيل دهب. قال: "يمكننا استخدام جيفته طُعماً للتماسيح، والوحوش الضارية التي تهدد أبناء القرية وأطفالها ومواشيها، أو فلتكن طعاماً للجوارح التي تحمل في حويصلاتها أرواح الأطفال الميّتين، ذلك أدعى للرحمة." ولذا أسموها "سارية الرحمة".

أصبح ذلك فيما بعد سُنّة جارية، فبينما يُدفن الموتى في الضفة الأخرى من النهر، تُعلّق الضباع والكلاب السوداء والبهائم النافقة، والحيوانات الأليفة المريضة بعد قتلها على السارية، وقيل أن ذلك هو السبب في تسمية القرية بأرض الميّت. وقيل إنها سميّت كذلك لسبب لا يتعلّق بجلال التمتام على الإطلاق؛ إذ حكت الجدة مسكة أن أهالي القرية تفاجئوا ذات صباح بجثة شاب غريق ملقاة عند حواف النهر الصخرية، ولم يستطع أحد التعرّف عليها، وإن الشيخ عبد الصبور دهب أوصى بدفنها في مدافن القرية بعد ثلاثة أيام، إن لم يأت أحد للبحث عنها. ثم إن ذوي الغريق جاؤوا بعد ذلك بأيام ليكتشفوا أن ميّتهم مدفون بهذه الأرض الغريبة؛ وربما أطلقوا اسم "أرض الميّت" على القرية أول مرّة، واشتهرت به بعد ذلك.

وإذ أن المنطقة التي يمر بها النهر بمحاذاة القرية اشتهرت بحوافها الصخرية المسننة، فقد كان أهالي القرى النوبية الأخرى يأتون للبحث عن غرقاهم في أرض الميّت، آملين أن يجدوا جثثهم وقد نجت بمعجزة من أنياب تماسيح النهر وأسماكه الشرهة، وتعلّقت بأنياب الصخور الملساء، ولم تخيّب القرية ظنّ أحد إلا ما ندر.

الرجال الذين جاؤوا بحثاً عن الغريق، حكوا لأهالي القرية عن ميّتهم: إنه اعتاد الجلوس على تلة رملية بيضاء قرب النهر وقت الغروب، يدخن البنقو، ويُردد الأغنيات التي لا يرغب في سماعها أحد، وأنه حكا للجميع عن الجنيّة التي خرجت إليه عارية من مياه النهر، وقبّلته، وطلبت منه أن يتزوّجها، وأنها أغرته باللحاق بها في النهر. وتمكن صيّادون ليليّون من إنقاذه. وشاع في القرية خبر الجنيّة اللعوب التي تتصيّد الشبان، وتغري بهم لتجعل نهايتهم على يدها: إما غرقاً في النيل، أو خلف جبال ميمي الجنوبية.

ومازال يُشاع حتى الآن في أرض الميّت أنّ الأطفال عندما يموتون تتخطّف الجوارح الجائعة أرواحهم في طريقها إلى السماء، فتسكن حويصلاتها لأنهم لا حساب لهم أمام الله، أو يغدون ملائكة صغيرة؛ لا يُوكَل إليهم تلك الأعمال الشاقة التي تُوكل إلى الملائكة، فقط يحوّمون في الأرجاء يهبون السلام والرحمة لذويهم ولمن هم في الأرض.

يؤمن أهالي القرية أن أرواح هؤلاء الأطفال المحمولة داخل حويصلات الطيور سبب في خصوبة الأرض، ونجاح مواسمهم الزراعية، لذا فإن الأهالي لم يمنعوا الطيور من أن تحط على أشجار مزارعهم. وبينما تقتات الطيور على ديدان الأرض، ويرقات المحاصيل الضارة وجرذان الحقول، يوعز المزارعون نجاح مواسمهم الزراعية إلى رضا الأرواح، ودعمها الذي لا ينقطع إلا عندما يغضبون، فتزحف الغربان السوداء على المزارع، وتأتي على الأخضر واليابس وتقضي عليه، فتقيم النساء المناحات حزناً على تعاسة أرواح أطفالهن الراحلين.

قيل إنّ الشيطان يتشكّل في أجساد الكلاب السوداء، فيدخل البيوت ويبث فيها الشرور والأحقاد، وأوعز البعض حوادث غرق المراكب النهرية إلى أنّ بعضها تتسلّل إلى النهر، وتستحم وتشرب منه؛ فأطلق شبان القرية وشيبانها حملة للقضاء عليها كانت الأشرس في تاريخ القرية كلها. ثم عمّت الحملة كل الحيوانات السوداء: قطط، عقارب، أفاعي، غِربان. وأُصيبت القرية كلها بلوثة اللون الأسود. حدث هذا بعد خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ عبد الصبور دهب (إمام القرية) وحذر فيها أهالي القرية من الكلاب السوداء التي تسكنها الشياطين؛ ولذا فإنهم رأوا في قتل كلب التمتام الأسود واجباً دينياً مقدساً. كل ذلك ساعد على إقناع الأهالي بأن قريتهم تعج بالملائكة والشياطين، وأغلب الظن أن هذا هو فهرس الحياة السرّي.

قالت الجدة مِسكة فيما يُشبه العتاب المؤدّب: "إنّ العجوز التمتام دُفن دون مناحة تليق بسنوات عمره الثمانين، أو بمآثره التي لا تعترف بها إلا النساء فقط. ولم يترك ورائه ما يجعل الآخرين يتذكرونه به غير كلبه المعلّق على السارية، وثلاث عشرة حفرة متفرقة في جسد القرية الحجرية، وبعض الخردوات التي يحتفظ بها في حقيبته القماشية". ولم يدع أحد الرواة معرفته باسم جلال التمتام بالكامل، ولكنهم ذكروا أن (التمتام) لقب أُطلق عليه لكثرة تأتأته.

جاء إلى القرية قبل سنتين من وفاته، ولم يحمل معه –وقتها- غير حقيبة قماشية يجعلها على ظهره، وتميمة معدنية يضعها في يده اليسرى، وكلبٍ أسود يتبعه لاهثاً بلسان متورّد ورطب. سكن أطراف القرية، وأقام خيمته المصنوعة من مادة غير مألوفة على تلة يستخدمها كَلَس كمئذنة يرفع منها آذان المغرب في المواسم الرمضانية، ورغم أنّ جلال التمتام جاء في غير مواعيد رمضان؛ إلاّ أن أهالي القرية اعتبروا ذلك مساساً بمقدساتهم، وقرروا طرده وحرق خيمته، وكادوا أن يفعلوا لولا تدخل العمدة.

وبفتوى من الشيخ عبد الصبور دهب تم منع النساء من النياحة عليه بعد موته؛ رغم أنهن الوحيدات اللواتي أحزنهن رحيله فعلاً، فلم يبكين عليه إلا سراً. وعادت للتلة قداستها؛ حيث تتنزّل الملائكة بعد غروب شمس كل يوم دون أن يتمكن أحد من رؤيتها. وأكدّ البعض أنهم رأوا خيالات ضوئية خضراء وبيضاء تلّف التلّة بعد وفاة التمتام بيومين، وفسّر الشيخ عبد الصبور تلك الأضواء بأنها الملائكة، وأكّد بأنه ليس بإمكان أيّ بشر رؤية الملائكة عياناً؛ إلاّ أولياء الله الصالحون الذين يخصّهم بكراماته ويكشف عنهم حجاب الرؤية.

وظلّت سيرة الضوء الذي لم يشهده إلا أموات القرية حجّة على قداسة التلّة التي أصبحت في مقام جبل عرفة من الحجاز؛ لذا فإن عمدة القرية أمر –بإيعاز من شيخها- أن تُسوّر التلّة بسياج له باب. وتولّت عائلة كَلَس حراسة التلّة، واحتفظوا بمفتاح بابها الزنكي المتين، ومُنع الناس من التبوّل أو قضاء الحاجة عندها.

وحسب رواية الجدة مِسكة فإن رجال القرية وأطفالها تجمهروا على باب خيمة الغريب التي كثمرة إجاص عملاقة حاملين العصي والحجارة، في انتظار أن يخرج إليهم الغريب، ولكنه خرج راسماً ابتسامة سلمية حذرة على وجهه، وهو يستقبل العمدة وضيوفه: "يمكنني أن أجيب عن أيّ سؤال تشاءون؛ إلاّ فيما يتعلّق بجهة قدومي. أنا بينكم الآن لأن العالم انتهى بي هنا، وهذه التلّة طيّة العالم الكبيرة. أحببتُ أن أموت في هذا المكان الجميل. ماذا يضيركم إن بقي بينكم رجل عجوز مثلي؟!" أخرج التمتام بعض الأدوات المعدنية من جُراب جلدي قديم معلّق على عارضة الخيمةِ، ونثرها أمام الجميع: "هذا كلّ ما أحمله." نظر الناس بدهشة إلى الخردوات التي يحملها، وكتموا ضحكاتهم، بينما قال العجوز الغريب:

"هذه آخر أسرار الفيزياء الحديثة. الإنسان ينوي أن يطوي العالم في كفّه، وهو في طريقه إلى خلق معجزاته الخاصة، البعض يتحدث عن عصور قادمة لن يحتاج فيها الإنسان إلى الحركة؛ حيث سيكون كل شيء بضغطة زر واحدة، وسيكون للأسلاك المهملة شأن عظيم في تواصل البعيدين وتقريبهم من بعضهم، وستعود الخيول والجمال والحمير إلى البريّة؛ إذ لن يكون الإنسان بحاجة إليها في تنقلاته، ربما تصبح أداة لتسلية إنسان ذلك العصر! سوف يعرف الناس الضوء الذي يوقد بلا زيت، يوقد بالأسلاك والأزرار، وعندها لن تعودوا بحاجة إلى فوانيسكم التي ستوُدع المتاحف. هل تعرفون المتحف؟ وسوف يتوقفون عن كتابة الخطابات والزيارات، سوف يكون كل ذلك تراثاً لا يتبعه إلا الفقراء والجهلاء فقط. سوف يتمكن الإنسان من رؤية الشياطين والجن بعينيه، ويختفي هو عن الأنظار! سوف يُصبح هو أسطورة يخشاها مردة الجن، ويُجنبون أبنائهم منهم. سوف يُصبح الإنسان قادراً على رؤية ما وراء الأشياء الصلبة، والدخول من خلالها. هذه ليست محض أمنيات أو خيالات. سوف تنهار الأسرة ويتبادل الجميع الأدوار، فمن كان له ابنة أو ابن فليسعد برؤيته الآن وليتمتع بحسّه الأبوي؛ فربما لن يعود هنالك أبناء. سيكف الإنسان عن مغازلة القمر في أغانيه وأشعاره، ويصعد إليه في زيارة سياحية كل عام! الراكضون وراء الإبل والأغنام سيجدون ذلك مضحكاً، ولكن تلك هي الحقيقة."

كلماته المتعجرفة تلك جاءت موافقةً لبريق ماكر لمع في عينيه. رفع حاجبه الأيمن الكث حتى ظنّ الناس أنه سيقع، استغربوا كيف أنّ شعر حاجب أكثر كثافةً من الآخر. ملامحه تلك أشعرتهم بالخوف منه، إضافةً إلى طريقة كلامه المليء بالطلاسم المخيفة، والعبارات المبهمة.

مدّ التمتام يده داخل جُرابه، وأخرج قطعةً معدنيةً غريبةَ الشكل، وضعها بشكل عمودي على الأرض، وراح يضغط على طرفها العلوي بسبابته؛ فأخذت تتراقص بمرونة، ثم أفلتها فجأةً؛ فقفزت كجراد مذعور في حقل يحترق. تعجّب الأهالي للمعدن الطيّار، وكانت تلك هي المرّة الأولى التي يتعرفون فيها إلى النوابض المعدنية.

ثم مدّ يده -مرة أخرى- وأخرج أداة أخرى، وأبدى –هذه المرة- اهتماماً بالغاً بما يفعله. تجمهر الناس حوله، وهو لا يفعل شيئاً غير الإمساك بتلك الأداة غريبة الشكل. بدت لهم كقرص زجاجي تافه لا جدوى منه، وانتفضوا مذعورين عندما بدأ اللهب يشتعل في الأوراق اليابسة تحتها. سبحلَ البعض بصوتٍ عالٍ: "سبحان الله .. سبحان الله"، ونظروا إلى بعضهم البعض وهم يضحكون. قال أحدهم: "لقد عاد عصر المعجزات!" الوحيد الذي لم يعجبه الأمر هو الشيخ عبد الصبور دهب؛ فقد نهض مفزوعاً من مكانه كالملدوغ وهو يقول: "هذا سحرً، هذا فعل شيطاني، لا يجوز. حرام!" وغادر المكان وهو يكرر: "استغفر الله العظيم .. استغفر الله العظيم!"

عمدة القرية لم يكترث كثيراً لفزع الشيخ عبد الصبور، وشغله اندهاشه عن ذلك. تقدّم التمتام منه، وهو يمسك أداة أخرى غريبة الشكل، قال: "أمّا هذه فتسمى (عين الشيطان). خذ، أمسكها يا عمدة وانظر من خلالها". لبعض الوقت؛ تردد العمدة؛ وخاف أن يؤدي ذلك إلى فقدانه بصره، خاف أن يخرج منها مارد شيطاني، ويتمكن من الدخول إلى جسده عبر عينيه فتحرقهما: "ماذا تريدني أن أرى بهذا الشيء؟ أنا لا أؤمن بالسحر." ضحك التمتام، وأخذ ينظر من خلالها ناحية القرية: "سترى القرية -كلّ القرية- بين يديك، لا يحق لغيركَ أن يراها كذلك."

عندها قفز العمدة مدفوعاً بشغف السلطة والفضول. نظر إلى القرية فرأى البيوت وكأنها أمام عينيه تماماً. رأى الشيخ عبد الصبور راكباً حماره وقد تعلّقت ثمرة نبتة شوكية بعباءته، بدا قريباً لدرجة أنّه مدّ يديه لينتزع الثمرة الشوكية عن عباءة الشيخ عبد الصبور، ولكنه لم يتمكن من ذلك، أزاح الآلة عن عينيه؛ فرآه بعيداً جداً عنه فصرخ مجدداً: "سبحان الله!" وتهافت البقية على العمدة يريدون أن ينظروا من خلال الآلة العجيبة فزجرهم: "لا أحد يحق له النظر من هذه العين الشيطانية إلاّي؛ وإلا ستحتقرون." ابتسم التمتام في سخرية وقال: "حضرة العمدة، هذه الآلة تسمى (المنظار)، وهي إحدى منجزات الفيزياء الحديثة". مسح العمدة أنفه وسأل: "وما الفيزياء؟"[/justify]



هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 05:42 PM   #[6]
هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هشام آدم
 
افتراضي

[justify]أحاطت هالة من الغموض بهذا الغريب الأسطوري؛ فخشيه البعض واعتبروه ساحراً، وآمنوا أن كلبه الأسود ما هو إلا مارد من الجن يُساعده في أفاعيله الشيطانية، بينما اعتبره آخرون من أولياء الله الصالحين، ومن أصحاب الكرامات. وبأمر من العمدة اجتهد شباب القرية -بهمة غير متوقعة- في بناء منزل من الطين ليقيم فيه التمتام؛ عِوضاً عن الخيمة التي سكنها عند قدومه. وعندما انتهوا من بناء بيته وقرروا مساعدته على الرحيل، شاهدوا ما لم يروه في حياتهم؛ إذ تحكي الجدة مِسكة إن الخيمة التي من مادة غريبة بدأت -بحركة من إصبع التمتام- تتقلّص بشكل تلقائي حتى أصبحت كغريرة من الخيش؛ فطواها ووضعها في جرابه أمام دهشة الجميع؛ ثم مضى معهم، وكأنه لم يفعل شيئاً قط!

كان يُمسك بآلة غريبة، يُمررها على الأرض، وهو يتابع طرفها المضيء باهتمام بالغ. يحفر حفرة بطول قامته، ثم يخرج منها، ويُمرر آلته على الأرض من جديد، ويحفر في مكان آخر. لم يجرؤ أحد على أن يسأله عمّا يفعل. كانوا يتوقعون منه أشياء غريبة، وينتظرون أن تبزغ الحكمة من بين أصابعه في كل حركة يؤديها. قالت الجدة مسكة: "رغم غرابته؛ إلاّ أن أحداً لم يُشكك في سلامة عقله. آمن الجميع بأن ما يفعله هو شأن لا قبل لهم به. كل ما فعلناه هو انتظار أن نرى ما سيحدث، ولكنه مات قبل أن نعرف عمّا يبحث بالتحديد!"

دخلت صابرين (ابنة العمدة) تاريخ القرية من أبوابه المشرعة عندما تمكنت من بتر ذيل كلب التمتام الأسود بفأس أبيها. هي الوحيدة التي حكت ما جرى، وصدقها الجميع، عندما رأوا الفأس في يدها اليمنى، والذيل الأسود المبتور في اليسرى. خافت زوجة العمدة على ابنتها من أذية الجن، فحبستها شهراً في البيت، ولم تنقطع الأبخرة والآيات القرآنية عن سرايا العمدة طيلة الشهر، حتى ظنّ الجميع أنها سلمت بفضل دعوات الشيخ عبد الصبور وأحجبته الغليظة.

اعتاد التمتام على الجلوس عند شاطئ النيل في الأوقات التي لم يكن يجرؤ فيها أهالي القرية على الخروج من منازلهم، ولم يستبعدوا منه ذلك وسط غرائبه الكثيرة. ولا تتذكر الجدة مسكة أول مرة شاع فيها خبر علاقة التمتام بجنيات الماء، اللواتي كرّسن حياتهن لاصطياد الشباب، وإغواؤهم بأجسادهن الملساء العارية، وسحبهم إلى النيل وإغراقهم هناك، وجعلنه شغلنه الشاغل.

لم تبد الجدة مسكة متأكدة -وهي تحكي لنا إحدى حكايات أرض الميّت مع جنيات الماء- ما إذا كانت هؤلاء الجنيات يُغرقن الشباب فعلاً، أم يأخذنهم إلى عوالمهن السفلية تحت الماء. قالت: "يحكي البعض إنّ هؤلاء يذهبون باختيارهم طائعين، ويختارون أن يعيشوا معهن في عوالمهن، حيث يتزاوجون هناك، وينجبون، ومن يختار الزواج من جنيّة، فإنه لابد أن يوافق على ألا يعود إلى دنيانا ثانية."

كنت أعرف أن الجدة مسكة –كعادة النساء في أرض الميّت- تحاول إخافتنا بتلك القصص عن جنيات الماء لمنعنا من السباحة في مياه النهر ليلاً أو دون صحبة راشد، ولكن ورغم ذلك اليقين الجارف؛ فإنني لم أستطع أن أمنع نفسي من سماع المزيد، وأخاف في كل مرّة. كانت تلك إحدى الطرق التي يتبعها الكبار لضمان انصياع الصغار للأوامر، فيما كانت طريقة للحض على النوم كذلك. علّمتني جدتي عدّ النجوم، قالت إنها تساعد على النوم كثيراً؛ ولكنها لم تكن تجدي نفعاً معي على أية حال.

بدأت النساء في زيارة جلال التمتام سراً، وحكين له قصصهن السريّة، والأحاديث التي تجري وراء الجدران الجالوصية، حتى أنّ إحدى زائراته السرّيات كانت زوجة العمدة نفسها. ومما أذكره من كلام الجدة مسكة، إن جُراب التمتام احتوى قصص نساء القرية وحكاياتهن التي لا يعلمها إلاّ هو؛ ولذا فإن معظم نساء أرض الميّت دنّ له بالولاء والمحبة المحفوفة بالسريّة.

النساء أكثر إيماناً بالخرافة، لأنهن الأقل حظاً من التعليم في أرض الميّت التي تنتشر فيها نباتات العُشَر كالوباء، حتى خطب الجمعة التي يلقيها الشيخ عبد الصبور على أهالي القرية لم تخل من ذكر النساء ومكائدهن، ومازالت إحدى المخطوطات القديمة التي احتفظت بها عائلة كَلَس تحوي خطبه التي ألقاها في صلاة الجمعة والعيدين، وجاء في بعضها:

"النساء إحدى الآفات التي خلقها الله لامتحان قلوب الرجال، هنّ الامتحان والابتلاء الحقيقي والأشد في حياة المؤمن. النساء كالشياطين لولا أننا نراهن عياناً، إنهن كالفيضانات والطواعين وكافة الابتلاءات التي تواجه أحدنا في طريقه إلى الجنّة. من أرخى لهن أذنيه فكأنما أسلم إلى الشيطان زمامه. ألم يكنّ آخر ما حذر منه الرسول وهو على فراش الموت (ما تركت فتنةً أضرّ على الرجال من النساء)؟ أولم يحذرنا ربنا منهن (إنّ كيدهن عظيم)؟ فكيف بنا نراهن على متاع الدنيا وهي زائلة لا محالة؟ فاتقوا الله في أنفسكم وفي دينكم، ولتتق النساء الله في أنفسهن وفينا، فلا يخرجننا من الجنّة مرتين."

ويبدو أن خُطب الجمعة –وقتها- لم تخل من ذكر النساء والشياطين ونباتات العُشَر التي يُشاع أنها ثمار الجن والعفاريت، وحتى اليوم يتناقل الناس مقولته المشهورة عن العُشر:

"ما كثرت في مكان؛ إلا كانت إشارة إلى وجود الجن والشياطين، فهي لا تُزرع، ولا تُقطع ولا يُستفاد من ثمرها، وإن أصابت عصارتها عين الإنسان فإنها تُصيبه بالعمى."

ويتفق جميع الرواة على أن الشيخ عبد الصبور هو الشخص الوحيد الذي لم يُحب جلال التمتام؛ رغم افتتان الناس بما يحمله في جُرابه من خردوات سحرية، وحكمته التي يشهد له بها الجميع، ولكنه لم يستطع فعل شيء حياله، لأنه حظي باهتمام واحترام شديدين لدى عمدة القرية؛ لذا صبّ جام غضبه على كلبه الأسود بعد موته. هكذا فسّر البعض ثورته على الكلب المسكين.

أشاع جلال التمتام لأول مرة روح الفلسفة والتأمل في القرية، وتنقل الجدة مسكة عنه قوله: "الله ليس في السماوات، وليس في الأرض. الله ليس في المكان لأنه في كل مكان. ليس شيئاً؛ لأنه كل شيء. الله هو الإنسان وموهبته الكبرى، وهو الكون وإبداعه وتناسقه، وهو حيث لا نتوقع أن نراه ونسمعه. كونوا قريبين من الطبيعة تكونون أقرب منه حيث هو." ولكن أحداً لم يكن ليفهم، رغم إعجابهم بما يقول.

تقول الجدة مسكة إنه جعلهم يُعيدون النظر في كل شيء، حتى تلك المسلّمات التي أظهرها لهم بائسة وعديمة الجدوى. ومن المقولات التي نقلت عنه: "لم يخلقنا الله لنعبده، وإنما لنعرفه؛ تلك هي العبادة الحقّة!" تكرر جدتي ذلك دائماً وهي ترسم ابتسامة لم أستطع فهمها على وجه الدقة. أحاول الآن تذكرها، فلا أستطيع، ولكنها ابتسامة ساحرة تشتعل بالحكمة، والإيمان على أية حال. أذكر أنني عندما سألتها عن شكله وأوصافه، فكّرت قليلاً ثمّ قالت:

"يُشبه الموتى! رجل أبيض نحيل، ذو قامة طويلة لا يُعكّرها إلاّ تقوّس في ظهره يبدو إنه تقوّس مرضي أكثر منه أمارة على الشيخوخة، ورأس أصلع إلاّ في مؤخرته؛ إذ تنساب شعرات طويلة وناعمة متفرّقة بشكل عشوائي تُغطّي قفاه جزئياً. له شفاه سفلية غليظة غير متناسبة مع حجم شفته العليا على الإطلاق، وأصابع يده النحيلة كأعواد خيزران مكسوّة باللبّاد المرن، ولا تختلف عن أصابع قدميه كثيراً، وعيناه جاحظتان في هدوء كأنه يرى بهما في جميع الاتجاهات في وقتٍ واحد، وبعض الثآليل القاسية على أحد جوانب رقبته الطويلة".

أكثر ما يُميّزه –كما حكت جدتي- تفاحته البارزة التي تتوسّط حنجرته والتي لا تكف عن الحركة كلّما تكلّم أو ابتلع ريقه، قالت عنها: "إنها تفاحة نادرة ومخيفة، تكاد تنزلق خارج حنجرته لولا حفظ الله ورعايته."

ضحكت فجأة وهي تحكي لنا عن فلسفته ودينه الخاص، وتذكرت ما قاله أحدهم، عندما وقف كمن اكتشف سرّ زرقة مياه النيل: "ربما يحفر التمتام الأرض بحثاً عن الله!" ولكن الجميع أخرسوه واتهموه بالجهل. أذكر أنني ضحكت كثيراً كذلك، ولكن ضحكة الجدة مسكة تميّزت عن ضحكاتنا بالوقار والهيبة.

قيل أن التمتام مات دون أن يعرف بموته أحد، ضلّت روحه تحوّم في الأرجاء دون أن تهتدي إلى طريقها أخيراً. البكاء والصلوات ومراسيم العزاء هي التي تهدي الأرواح –بطريقة ما– إلى طريق البرزخ دون أن تحتاج إلى التفكير. الأرواح لا تفكّر؛ لأنها بلا أدمغة، ولكنها عندما تحاول ذلك؛ تصدر ضجيجاً يُخِل بفيزياء الطبيعة. عندها يتولّد الوهم؛ فنتوهّم الأشياء ونعدّها هذيانات حمى التايفويد المزعجة.

عندما فاحت رائحة العفن –وليس عندما افتقدوه وهو يجر حبل القارب ليعبر الجدول المائي إلى الضفة الأخرى، أو حين يحفر في القرية بشكل عشوائي دون أن يعرف أحد عما يبحث– عرف الجميع بموته. قلّة منهم فقط قاموا بدفنه مُحتملين تلك الرائحة النتنة، هذا عملهم!

الجيّد في الأمر أنّ أحدهم استطاع نزع الصورة من كفّه المتيبسّة. صورة من ورق كلاريك رديء جداً ليس معروفاً في ذلك الوقت؛ رداءة الورق هي ما فسّرت تكسره بسهولة في يد عجوز لا يقدر على أن يتحكم في حركات أطرافه، ولم يستطع أحد أن يتعرّف على السيّدة البيضاء في الصورة، أو يستدل على العلاقة بينها وبينه. قال البعض عندما علموا خبر وفاته: "كان يجب أن يموت منذ عشرة أعوام أو أكثر، فهو عجوز كفاية." بينما استشعرت في كلمات الجدّة مِسكة نبرات حاسدة وهي تقول: "يا له من رجل محظوظ؛ إذ مات منتصف الليل؛ أنهى يومه كما يُنهي عامل البنطون يومه المهني: عرف كلّ ما دار في يومه ذلك، وشهد الأوقات كلها: خروج النساء إلى النهر وعودتهن، وخروج الرجال إلى الغيطان وعودتهم، ولعب مع الأطفال، وضحك، وتناول عشائه، وشرب كأس مائه البارد؛ ومات". ولكن موته لم يكن سبباً في حزن أحد، غير النساء!

النساء العجائز يُخلصن في عملهن في المناحات التي تقيمها القرية عند موت أحدهم. يذكرنَّ شجرة العائلة والمآثر والخصال التي يتمتع بها، ويفعلن ذلك بلحن مُوحّد. ولكن في حالة هذا العجوز أخذت النياحة شكلاً آخراً. جاءت كل النساء للمأتم السرّي الذي أقمنه في دار زوجة العمدة حيث لا تطالهن يد شيخ القرية وعيونه، وبكينهُ بحرقة بالغة، ورغم أنّ النائحات لم يعرفن له شجرة عائلة لتذكرنه بها في نياحتهن؛ إلا أنهنَّ نُحْنَه بأكثر مما نُحْنَ شخصاً آخر؛ ظللنَّ يُكررنَّ: "أيها العجوز المرتحل المسكين، يا من أضأت ظلمات الصدور التعيسة بالحكمة الآسرة، يرحل عنّا جسدك الآن، لتبقى روحك في الأرجاء من أجل النساء العازبات والراغبات في الإنجاب، وليبارك الله روحك إلى الأبد." استغفرت إحداهنَّ سبعين مرّة بعد انتهاء المناحة؛ علّ الله أن يغفر لها كذبتها تلك.

مات جلال التمتام أخيراً كما تمنى البعض، وترك وراءه كلباً أسود علّقوه –بعد قتله- على عارضة خشبية، وثلاث دجاجات وديك لا يُلقح ولا يؤذن، وبعض الخردوات التي استولى عليها عمدة القرية في غفلة من الناس، حين أمرهم بحمل جثته إلى منزل الشيخ عبد الصبور ليغسّله استعداداً للصلاة عليه، وبعد مغادرتهم جميعاً، بحث عن خردوات التمتام حتى وجدها ودسّ بعضاً منها داخل ثيابه، ودسّ بعضها الآخر تحت عباءته، وغادر دون أن ينتبه إليه أحد.

أعاد الشيخ عبد الصبور جثة جلال التمتام في نفس العربة إلى العمدة مرّة أخرى، ورفض تغسيل الجنازة أو حتى الصلاة عليها لأنه لا تجوز الصلاة على الساحر، وأن الأولى بجثته الحرق، وليس الغُسل، ولم يشأ العمدة أن يتحمّل ذنباً كهذا، فأمر بدفن الجثة سراً دون تغسيل أو صلاة. وظلت أسطورة جلال التمتام أكثر الأساطير الشعبية تداولاً في أرض الميت، برغم ما في رواياتها من تناقض واختلاف، ورغم نهايته المؤسفة والغامضة التي أضفت على حياته الأسطورية رونقها الخاص الذي تتمتع به الآن.

لم يؤمن أهالي أرض الميت -حتى وقت قريب من وفاة جلال التمتام- بوجود مدن وبلدان أخرى خارج خارطة منطقتهم المنحصرة بين نهر لا يكفّ عن الجريان، وجبل لم يُحدّث نفسه بالحركة والتغيّر! غير أنّ التمتام أخبرهم عن عوالم أخرى أكثر صخباً وضجيجاً من ضجيج سواقي النيل ونهيق حمير القرية ونباح كلابها. أخبرهم عن مدن من الحديد تقبع في أناقة وراء جبل ميمي وعن بيوت زجاجية يسكنها البشر، تفتح أبوابها تلقائياً بمجرّد المرور من أمامها، وسمع الناس منه لأول مرّة عن البيوت ذات الطوابق المتعددة، وأخذ الشيخ عبد الصبور دهب يُكذّب كلّ ذلك ويقول: "إنّ التمتام يستغل جهل أهالي القرية ويُروّج للخرافة والأوهام".

اعتقدوا أن العالم ينتهي عند جبال ميمي، وأن ورائها تماماً أرض المحشر العظيم. عزّز هذا الاعتقاد ما رواه البعض عن أسفار غامضة قام بها شبان مغامرون في حقب متتالية لعبور الجبل إلى الناحية الأخرى، وأنّ أحداً منهم لم يعد مرّة أخرى. قيل إن جبل ميمي يحرسه العفاريت، كما أن مياه النيل تحرسها التماسيح!

وفي بعض الكهوف البدائية التي على إحدى سفوح جبل ميمي، وعلى صخوره الجرانيتية السوداء العملاقة التي كصخور نيزكية محترقة منذ ملايين السنين، ثمة رسوم تبدو كرسوم الأطفال تصف ما يعتقدونه: تماسيح بأسنان حادة ذات لجام، تمتطيها مخلوقات غريبة ناهضة شبيهة بالإنسان ولها قرون، وآثار معركة ضروس. ولولا الشياطين البيضاء لما تمكن أحدنا من معرفة ما بداخل هذه الكهوف حتى اليوم!

في أرض الميّت تتقاسم التماسيح مياه النهر مع بني البشر، فتسبح التماسيح في النهر ليلاً، وتستخدمه النسوة صباحاً لغسيل الثياب، والأواني. والرجال لغسيل القوارب والحمير. والشباب للسباحة، والصيد. كل ذلك باتفاق غير مكتوب بين أبناء القرية وتماسيحها. والتماسيح غير مسؤولة عمن يخرق هذا الاتفاق؛ فتلتهم الأطفال الذين يخرجون خلسة من البيوت ليدشّنوا قواربهم الورقية، أو تلك المصنوعة من الأحذية القديمة البالية، ولا عزاء لأحد.

في أرض الميّت تتقاسم العقارب والأفاعي الأرض مع بني البشر، فتهيم العقارب والأفاعي في الأرض مساءً تحت الصخور، وأوراق الأشجار المنكفئة على وجهها، وخلف كل شيء ساكن. بينما تنتشر فيها النسوة صباحاً لتهذيب الحشائش في المزارع القريبة، وتقسيم أحواض الزراعة، وعيادات المرضى، والولادات المستعجلة. والرجال لسقيا المزارع والعزاءات وحفر القبور، وإعداد الخمر التقليدية. والشباب لجلب الدقيق على ظهور الحمير، ومغازلة الفتيات، والسوق. والأطفال للعلب السَكَج بَكَج، وشليل، وتصنيع سيارات من علب الصفيح القديمة. والعقارب والأفاعي غير مسئولة عمن يخرق هذا الاتفاق؛ فتلدغ الذين يخرجون ليلاً لجنس طارئ، أو بحثاً عن مفقود، أو قضاء حاجة.

ورغم أن أرض الميّت قرية صغيرة (ولطالما رأيتها كذلك)؛ إلاّ أنها تعج بالقصص الخرافية والأساطير عن الجن والعفاريت والضباع، ولا تزال الأجيال تتناقل بفخر غير مسبوق أسطورة أسلافهم الذين روّضوا الضباع، وامتطوها عوضاً عن الحمير. الرجال في أرض الميّت يصنعون الخمر، ويزرعون الخشخاش، ويرقصون الأُولّيّ والهُمْبيق ويتفاخرون بالحمير، بينما تقوم النساء بالأشياء الأكثر أهمية؛ فهن يجلبن البرسيم، وينظفنّ المزارع والبيوت، ويصنعن التركين والأبري، بينما تهتم التماسيح والعقارب بتربية الأبناء.

ثمّة علاقة غريبة بين النوبيين وبين النهر، ولم يحدث أن تساءل أحدنا قط "لماذا نُسمّيه بحراً وليس نهراً؟" ربما لأنه واسع وهادر كالبحر، وربما لأننا لم نعرف البحر أصلاً، وربما نُسميه كذلك احتراماً له. الأكيد أن ثمّة حبل غليظ يربط النوبيين بالنيل ويجعلهم مأسورين له؛ إذ يُعتقد أنه ينبع من بين أصابع قدمي الإله، ويُحلّ البركة على كل الأراضي التي يمر بها، وحتى مجيء جلال التمتام الذي كسر هيبة النهر وتبوّل فيه علناً.

تلك الحادثة كانت كفيلة بطرد التمتام من القرية أو أن تنهي حياته داخل أحشاء النيل وتُغيّبه فيها إلى الأبد. أحد الكارهين الخفيين له أسرع بإخبار العمدة فأسرع في طلب الشيخ عبد الصبور الذي أذن في الناس أن الصلاة جامعة، وتجمّع رجال القرية حاملين فؤوسهم وعصيّهم وحبالهم إلى بيته، حيث غلّوا يديه وراء ظهره، وأوثقوا قدميه وساروا به إلى النهر ليكون شهيداً عليهم.

رمت أضواء الفوانيس الزيتية، ولهب المشاعل ظلالاً عملاقة ومخيفة أمامهم، وكأنها ظلال شياطين منفلتة من مرابطها. كانت جمهرة الناس تُصدر أصواتاً خافتة كحمحمة الخيول وعزيف العفاريت. وقف الجميع أمام النهر في إجلال، وتقدّم الشيخ عبد الصبور دهب، وأدار وجهه للناس وقال:

"إنه في كتاب الله من أراد إفساداً في الأرض أن يُقتل إظهاراً للحق ونيلاً لأمان الناس، وصدق الله العليم بعباده وحوائجهم. وإنه لمن الإفساد في الأرض أن يتبوّل الرجل في ماء يشرب منه الناس والبهائم والزرع تعالياً وغروراً وجهلاً من عند نفسه. وإذ لم يُفسد هذا الرجل بقتل الأرواح بطريقة مباشرة، فإننا نستمد حكمنا من كتاب الله وشرعه، وأن نوكل أمر الرجل إلى النهر (صاحب الحق الأول) بأن نُلقيه فيه معصوب اليدين ومقيّد الأرجل؛ فإن نجا فتلك مغفرة من الله، وإن غرق فتلك مشيئته النافذة."

ثمّ إنهم همّوا به فأمسكوه وهو هادئ لا يُحاول الإفلات منهم، وقد رسم على وجهه ابتسامته الهادئة التي تُغيظ الشيخ عبد الصبور كثيراً. تقول الجدة مِسكة إنهم أرادوا حمله على قارب والمضي به إلى منتصف النهر وإلقائه هناك، ولكنه أفلت منهم برفق، وأخرج ذكره أمام الناس وتبوّل في النهر ثانية، ثمّ انحنى وشرب من مياه النهر، وقال:

"إنكم لن تقتلوني ولن يقتلني النهر، لأنني خارج هذا الزمان ومتوّحد فيه، أنا أحد عجائب هذا الزمان. إن تبوّلتُ في إناء أحدكم أو زيره فلن أُمانع في أن يقتلني بيديه، ولكن النهر يجري لمستقر له. عليكم أن تقتلوا أنفسكم أولاً لأنكم تغتسلون في هذا النهر كل يوم، وتلقون فيه أوساخ ثيابكم القذرة، وتغسلون فيه بهائكم ثم تشربون منه في غبطة. هذا النهر ليس هو النهر الذي يمرّ من هنا كل يوم!"

نظر الشيخ عبد الصبور إلى العمدة الذي أطلق وجهه بابتسامة عفوية، وملامح قناعة يقينية، وتوقف الرجال فجأة عن الحمحمة؛ ثم انصرفوا تتبعهم أضواء المشاعل والفوانيس الزيتية، وعادت العتمة المشوبة بضوء بدر غير مكتمل النمو تضرب وجوه النسوة اللواتي أطلقن زغاريدهن في ابتهاج، وتقدّمت بعضهن وحللن قيده.

بعد موت التمتام وكلبه، كان ما يزال الكثيرون يؤمنون به كرجل صالح وصاحب كرامات، وقليل من الناس فقط اعتقد بأنه صاحب حظوة لدى الملائكة الذين يسرّبون إليه بعض أخبار السماء المستقبلية والغيبيات، ويتذكّر له البعض صدق نبوءاته التي جرت في حياته كما حكا بالتفصيل. ورغم استحالة معظم نبوءاته؛ إلاّ أن أهالي القرية –حتى المتشككين منهم- لم يجزموا بأنها قد لا تحدث على الإطلاق، ولكنهم فقط استغربوا حدثوها، أو توقعوا ألا تحدث في حياتهم.

إحدى أكثر نبوءات التمتام غرابة كانت بشأن الحمير؛ إذ نقل الناس عنه قوله: "عندما تكثر الحمير، يقل البشر!" ورغم عصيان تلك الكلمات على التحقق بالنسبة إلى أهالي القرية؛ إلا أنهم آمنوا بها بكل جوارحهم، واستبشروا بها خيراً.

إحدى المؤمنات بنبوءات جلال التمتام كانت السيّدة عواضة زوجة العمدة التي ذهبت إليه خلسة كما بقية النساء، وطلبت منه الكشف عما تخبئه لها الأقدار؛ إذ خشيت أن يتزوّج عليها العمدة طلباً لإنجاب مولود ذكر.[/justify]



هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 05:45 PM   #[7]
هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هشام آدم
 
افتراضي

[justify]عواضة بصيلي -ذات الثمانية وأربعين عاماً، والمتزوجة من عمدة القرية منذ أكثر من ستة وعشرين عاماً- لم تنجب له طوال سنوات زواجها سوى إناث فقط، وخشيت أن تذهب ثروات زوجها الزراعية لأبناء أخته (فانا سالي) التي يبدو أنها لم تحبها قط. ورغم ما يبدو على القرية من تداخل ومصاهرة؛ إلاّ أنّ الولاء للأرومة الأسرية كان هو المحرّك والمحرّض الأساسي في خلافات وتحالفات أهالي القرية.

بعد أن أحرق التمتام بعض البخور المجلوب من أدغال الصومال، وقرأ تعاويذه الطلسمية، ردد بطريقة شعرية ساجعة، ولكنة نوبية ركيكة:
"ما تخافي الفوات.
العمدة مربوط بثبات.
والولد من صلبه آت.
يمكن يكون موجود ومات.
ويمكن حيجي من البنات."


في جلسات تحضير الإتّر والتركين في القسم النسائي المخصص من سرايا العمدة تجلس عواضة ذات الأسنان الأمامية البارزة وكأنها أنثى قندس نهري مع نسوة القرية الفضوليات تنشد ما سمعته من التمتام، وهي تُمني نفسها بمولودها المرتجى، وتقول: "سوف يأتي الولد ببركة نبوءة الشيخ التمتام!" وتسخر منها النسوة لأنها تناست –في غمرة فرحها- أنها لم تعد قادرة على الإنجاب. ولكن وبعد مرور الوقت، وموت التمتام دون تحقق النبوءة، كفرت عواضة بصيلي بجلال التمتام كرجل صالح ذو كرامات تماماً كما كفرت به الكثير من نساء القرية. وعلى عكس النساء النوبيات تعتبر عواضة بصيلي زوجة مهادنة ولا تجد كينونتها إلاّ في طاعة زوجها طاعة عمياء؛ فلا تحسن أمامه إلاّ حِرفة الخنوع؛ الأمر الذي منحه شعوراً طاغياً بالسلطوية والسيادة.

في ذلك الوقت الغابر من تاريخ أرض الميّت، لم تكن القرى النوبية المنحدرة من نواة مجتمعات أمومية بائدة ممهدة لثورات اجتماعية من ذلك النوع حتى يتقبّل الأهالي فكرة التعددية، ولكن عواضة بحس أنثوي مستنير لم تستطع أن تركن إلى هذا المنحى الاجتماعي المتغيّر؛ لاسيما وعلى بعد فراسخ منها تأتيها الأخبار من قرى يقطنها الهوسا والبشارية عن رجال يتزوّجون ما طاب لهم من النساء، طلباً للذريّة أو بدواعٍ جنسية جشعة. ولم تتمكن من معرفة ذلك إلاّ بعد أن تمكّن زوجها العمدة من حلّ لغز الجهاز الذي بحجم ثمرة البطيخ ضمن ما وجده من مسروقاته في جراب جلال التمتام بعد شروحات مستفيضة من أحد الحجيج القادمين من الحجاز، فأصبح العمدة أوّل من امتلك مذياعاً في أرض الميّت

يتسلل البعض خفية حتى يصل أسفل إحدى نوافذ سرايا العمدة التي يضع عليها المذياع الذي أطلق عليه اسم (كُومّابنّي) أو الحكّاي، ليستمعوا إلى ما يُذاع من أغنيات وأخبار فيعرفوا ما يحدث خارج حدود قريتهم المنعزلة عن العالم. وأُعتبر اكتشاف المذياع في القرية نقلة نوعية من ذلك النوع من الاكتشافات الكبرى التي تُحدث تغيّراً جذرياً. سمع أهالي القرية بعوالم ودول أخرى غير التي ألفوها على الإطلاق، فسمعوا عن روسيا وثلوجها، وبريطانيا وضبابها، وبيروت وجبالها الخضراء، وباريس وأضوائها، وأمريكا وقوتها، وكأنهم يستمعون إلى حكايات خيالية لا وجود لها على الإطلاق.

ثم غزا المذياع بيوت أهالي القرية بعدها بفضل الحجيج القادمين من الحجاز الذين لم يحرصوا من قبل إلاّ على جلب قِرب مليئة بمياه زمزم، والمسابح المصنوعة من الخرز أو العاج، ولم يهتموا لأمر هذا الاختراع إلا بعد أن امتلكه العمدة، وأصبح واحداً من أمارات الوجاهة.

عندها بدأ الشيخ عبد الصبور دهب بإصدار فتاواه التي حرّمت المذياع، لأنه ينطق بالغناء المنكر؛ كما أنه ألهى الناس –فعلياً- عن أداء الشعائر الدينية. ولم يدخل التحريم حيّز التنفيذ العدائي إلاّ بعد أن توالت مجادلات الناس للشيخ عبد الصبور حول فتاواه القديمة التي سمعوا بفتاوى مخالفة لها من المذياع.

العمدة حسن سالي (أو حسن فنتي كما أُشتهر عنه)، والذي اختلفت الروايات حول حقيقة لقبه؛ أحد القلائل في القرية الذين امتلكوا حماراً، في الوقت الذي لم تكن فيه الحمير بذات الاحتقار الذي تبدو عليها الآن، حيث أنها وسيلة المواصلات الوحيدة ذلك الوقت؛ بل وإحدى أمارات الثراء والغنى الفاحش.

وفي حين أعزا البعض لقب (فنتي) إلى اشتهار أسرته بتجارة البلح (منذ حقبة السلطنة الزرقاء وانتقال الملك النوبي إلى العرب المسلمين الذين تزوّجوا من أخوات الملوك مستفيدين من أحد أغرب تقاليد النوبة التي تقضي بتوريث المُلك للذكور من نسل أخواتهم إن لم يكن لهم أبناء ذكور يرثون عنهم)؛ يرجّح آخرون أنّ يكون (فنتي) لقباً لأمه التي يقال إنها كانت من أجمل جميلات النوبة، وتغنى الشعراء والفنانون بجمالها وأناقة شلوخها الست. ومازالت الذاكرة الشعبية لأهالي القرية تحتفظ ببعض هذه الأشعار التي يُرددها الشباب لفتياتهن في طقوس البورنوغرافيا ومواسم عاشوراء.

"فنتي" الذي يعني بالنوبية البلح، هو المحصول الأكثر شهرة في المناطق الشمالية، ويُستعمل كثمرة للتحلية، بل إنّ بعض الأسر النوبية توزّعه في المناسبات السعيدة والأعياد كبديل للحلوى التي لا تتوفر في كل بيت. وحيث أنّ أراضي النوبيين الزراعية لا تخرج ثمرة أو فاكهة حلوة سوى البلح، فإنهم يطلقون لقب "فنتي" على الفتاة الجميلة تغزلاّ بها.

حين انتهى أمر العمودية إلى حسن فنتي الثري المنحدر من أصول امتهنت تجارة البلح الشمالي المشهود له بالجودة في سائر القطر كان يحتكم على ثلاثة هكتارات من النخيل والبرسيم والأراضي الزراعية. كل من عاصروه وُلدوا ليجدوه عمدة عليهم، وأغلب الظنّ أن ذلك منصب شرفي فقط فرضه ثرائه والسطوة التي يملكها؛ فقد قيل إنه لا يعبر بمنطقة إلا وتمتد الأرض بساطاً أخضر أمامه، كناية عن الخير الذي يجلبه معه.

والروايات المتواترة عن ثرائه لم تنقل إلينا مدى فقر أهالي القرية بالمقابل؛ فعادة ما يقيس الناس ثراءه بمدى ما يُقدّمه. فقيل أنه أنشأ أول كُتّاب في المنطقة، وأول طابونة مجلوبة من مصر، وأول وابور مياه، وأوّل من سنّ النوادي الاجتماعية مستفيداً من علاقاته الواسعة ونفوذه الأخطبوطي.

لسببٍ لا أعلمه فإنني لم أُحسن غير أن أتصوّر العمدة رجلاً أمرداً بديناً، بعصا أبنوسية يتوكأ عليها دون دواعي العرج، وصوت جهوري كصوت سفوح جبال ميمن توّو في مواسم الانهيارات الصخرية؛ رغم أن الجدّة مِسكة أكدت -غير مرّة- أنه كان هزيل الجسم، ذو لحية كثة، وصوت متآكل يُشبه فحيح الأفاعي، وعينين جاحظتين وماكرتين كعيني حرباء ملعونة، واسع الخطوات حين يمشي، وكأنه يتدرب على الطيران. لم أنجح أبداً في مطابقة هذه المواصفات الأكيدة بالشخصية التي سكنت في مخيلتي منذ سمعت عنها من الجدة التي حرصت على سرد تفاصيل كل ما تحكيه لنا؛ وخمّنتُ أنها أخطأت، وتغلّب عليها الخرف، ووجدتُ نفسي مطمئناً إلى هذا التخمين.[/justify]


نهاية الفصل الأول



هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 10:43 PM   #[8]
سماح محمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سماح محمد
 
افتراضي

أ.هشام

تحايا وإحترام

استمتعت جدا بمتابعة الفصل الأول..كتابة غنية بالكثير

اقتباس:
هذا النهر ليس هو النهر الذي يمرّ من هنا كل يوم!"
في إنتظار تجدد هذه النافذة ..ببقية النص..

شكرا لك



التوقيع: دنيـــا لا يملكها من يملكها..
أغنى أهليها سادتها الفقراء..
الخاسر من لم يأخذ منها ما تعطيه على إستحياء..
والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء...
الفيتوري
سماح محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2012, 11:31 PM   #[9]
اشرف السر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اشرف السر
 
افتراضي

هشام آدم

سرد أنيق ومبشر بفضاءات واسعة ومتعددة...


متابعة...



التوقيع:

اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-02-2012, 07:57 AM   #[10]
طارق صديق كانديك
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية طارق صديق كانديك
 
افتراضي

يعود سحر الأساطير ليفعل فعله فينا من جديد .. والرويّ المُحكم يزيده توغلاً في النفس فيجذبنا اليه جذباً عظيماً .. !!

ظللت أقرأ هذا الفصل وكأنني يحيط بي الظلام في قريةٍ ربما اختار لها ( اللاوعي عندي) أن تشابه -أرض الميّت- حتى خلت نفسي أجلس على ذات نصف الدائرة أستمع لحكاوى الجدة (مسكة) .. !

ولعل مما لاحظته أنهم :

اقتباس:
فبينما يُدفن الموتى في الضفة الأخرى من النهر

اذ الشائع -في ظني- أن انحصرت حيوات الناس في امتداد النيل العظيم مابين مقابرهم ومجراه العظيم . غير أنه ربما جهلي كان هو بعض حكمة الراوي .

ولعلني لاحظت أيضاً أن (حسن فنتي):

اقتباس:
كان يحتكم على ثلاثة هكتارات من النخيل والبرسيم والأراضي الزراعية
فوددت لو أنها كانت بالأفدنة أو بمقاييس أهلنا هناك وهو أمر ربما له مدلوله عند الرواي غير أني وجدته يستحق التعليق .

آن لنا أن نفرح أن جعلت الأسافير رفقة الروائي هشام آدم ممكنة .

عظيم تقديري وننتظر بقية الفصول باهتمام مستحق



التعديل الأخير تم بواسطة طارق صديق كانديك ; 23-02-2012 الساعة 07:05 PM.
التوقيع: الشمس زهرتنا التي انسكبت على جسد الجنوب
وأنت زهرتنا التي انسكبت على أرواحنا
فادفع شراعك صوبنا
كي لا تضيع .. !
وافرد جناحك في قوافلنا
اذا اشتد الصقيع
واحذر بكاء الراكعين الساجدين لديك
إن الله في فرح الجموع



الفيتوري .. !!
طارق صديق كانديك غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-02-2012, 08:20 AM   #[11]
ناصر يوسف
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية ناصر يوسف
 
افتراضي

وأخيييييييييييراً أتيت بالمفيد

كدي كلام أخوك الزوول ده ما وقع لي
يا ترجع ليه ويا كمان يرجع لينا هو
يعني يا دكتور ... نشر الرواية هنا بيمنعنا من شراءها ؟؟؟
ما ظنيتو كدي
أو يمكن برضو

شكراً هشام أخوي
شكراً بالجد



التوقيع:
ما بال أمتنا العبوس
قد ضل راعيها الجَلَوس .. الجُلوس
زي الأم ما ظلت تعوس
يدها تفتش عن ملاليم الفلوس
والمال يمشيها الهويني
بين جلباب المجوس من التيوس النجوس
ناصر يوسف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-02-2012, 08:31 AM   #[12]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هشام آدم




الإهداء


إلى (بابا أونتي) أمي.
أول من أرضعتني اللغة النوبية
وآخر من قد تقرأ هذا الكتاب
لأنها لا تحب الروايات
نِعم التي اهديتها ونعم الحليب و...نعم (القمر) اذ يهل!
قرأتك ومن بين السطور يغني الراحل:
تاففينا أونتي اوني
أسّري نرجا داق الدو
بروين تيرا داق الدو تاففينا أونتي اوني!
...
أعدك بحول الله بعودة ياهشام وقد جمّلت سويعاتي بعبق فيافي جزيرة صاي من خلال شخوصك وسياقاتك الحميمة
مودتي



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-02-2012, 10:38 AM   #[13]
عبدالمنعم الطيب حسن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبدالمنعم الطيب حسن
 
افتراضي

يا سلام
هشام ادم
اتمنى ان يكون بهذه الرواية من الفصول
ون هندرت كما يقول ابني احمد
فصل اول ممتع جدا
في انتظار ال99 فصل الباقية



التوقيع: الثورة مستمرة
و
سننتصر
عبدالمنعم الطيب حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-02-2012, 04:47 PM   #[14]
هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هشام آدم
 
افتراضي

أشكر الجميع على القراءة
وسعيد أن ما نشر من الرواية حتى الآن
قد نال قسطاً من إعجابكم

أعدكم بالعودة للرد على تعليقاتكم فرداً فرداً
فقط أحتاج بعض الوقت



هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-02-2012, 04:49 PM   #[15]
هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هشام آدم
 
افتراضي

[justify]على موائد العشاء المثالية النادرة التي يقيمها العمدة في داره يوم عاشوراء من كل عام، يجتمع الرجال والنساء والأطفال، ويتغيّب العاشقون ليحجزوا لأنفسهم أماكن في البيوت الخالية، لتضج ليلة عاشوراء بروائح الذبائح والجنس؛ فعندما يتوجه الجميع إلى سرايا العمدة، تفتح بيوت القرية أبوابها السرّية للعشاق الليليين ليحتفلوا بهذه المناسبة على طريقتهم الخاصة. أبواب بيوت أرض الميّت لا تعرف الأقفال، ولا تعانقها إلاّ في التاسعة ليلاً عندما ينام الجميع. ولم يشعر أحد بالحاجة إلى وضع أقفال على باب منزله؛ فالأمانة هي الخصلة الوحيدة الأكثر توفراً لدى النوبيين.

يأخذ العشاق قوارير الخمر التقليدية، ويقضون ليلهم في معاقرة الخمر وممارسة الجنس. تلك الحقبة من تاريخ القرية كان عصر البورنوغرافيا الذهبي لأرض الميّت؛ إذ بلغت فيه أعلى مستوياتها على الإطلاق، ولا يزال البعض يبكون على ضياع تلك الأيام، واشتغال الناس بالملذات الأقل أهمية وأكثر خسّة!

فتيات أرض الميّت الأكثر شبقاً من بقية فتيات المنطقة الشمالية، والأكثر إمتاعاً، ولا يتحدثن ليلاً إلاّ عن الشباب، ومغامراتهن الجنسية معهم على ضوء الفوانيس الزيتية، ويتبادلن الخبرات في ذلك؛ ولذا فقد كنّ أكثر الفتيات دراية بما يُثير الرجال.

الجنس في ثقافة النوبيين ليس مجرّد متعة رخيصة، بل هو أكثر احتراماً وقداسة من أيّ فعل غريزي آخر؛ هو تعبير راق ومتقدم عن ارتباط الرجل بالمرأة، وليس ذلك فحسب؛ وإنما سياحة للروح في غابة الجسد؛ سياحة قائمة على محاولات الحصول على أسرار النفس البشرية واكتشاف العنصر الإلهي المُودع في مكان ما داخل الإنسان. تلك هي المعرفة المقدّسة التي يحتفي بها النوبيون عبر ممارستهم للجنس.

الجنس طقس احتفالي أكثر منه نزوة، حوجة إلى الحياة أكثر منها شهوة. وارتبط الجنس لديهم بالآلهة ومحبتها وشكرها، ولذا كان الجنس في كثير من الأحيان طقساً دينياً؛ وفيما ظلّت تلك الثيمة المقدّسة مزدهرة لحقب طويلة، بدأ هذا المفهوم المرتبط بالعقائد الوثنية القديمة في الاضمحلال مع دخول ثقافات أخرى أقل احتراماً للجنس والمرأة، وبدأ الجنس مرتبطاً بالشيطان.

صباح يوم عاشوراء يخرج أهالي أرض الميّت إلى النهر. تحمل كل أسرة بعض الطعام المُعدّ خصيصاً لهذا اليوم، وتضع كل أسرة طعامها دون أن تأكل منه، ففي يوم عاشوراء تأكل كل أسرة من طعام غيرها، ويرشون بعض الحليب البارد والدقيق على أطراف النيل، وتهتم بعض النسوة برش مياه النيل بعد خلطها بقليل من الملح على أعتاب البيوت وفناءات المنازل.

وفي اليوم التالي تخرج بعض النسوة حاملاتٍ الجرار الصفيحية فوق رؤوسهن، بينما تحمل أخرياتٌ أوان نحاسية يضعن فيها ملابس أفراد الأسرة المتسخة للغسيل. تتوجه النساء إلى النهر لجلب الماء، وعلى ضفّة النهر الشرقية يتبادلن الأحاديث الماجنة، والأخبار العامة، ويتفقن على برنامج المساء. يجلسن على حواف النهر الصخرية الملساء، وتتوغل أخريات إلى داخل النهر ليحصلن على الماء غير المصاب برغوة الصابون، فيما تتوجّه النساء المتزوجات إلى حقول البرسيم والخضروات الموسمية.

أحاديث النسوة على ضفة النهر لها نكهة خاصة؛ لاسيما إذا تمّت مراقبة ذلك سراً من وراء الآجام والنخيل الذي يفصل ضفة النهر الرملية البيضاء عن القرية ذات الأرض الحجرية الصلبة. أو في جلسات التغوّط الجماعية التي تقوم بها النساء في الأمكنة البعيدة؛ إذ تخرج ثلة منهن متوجهات صوب جبال ميمي، وتجلس كل واحدة منهن غير بعيد عن الأخريات، ويبدأن تبادل الأحاديث الضاحكة، والنميمة كعادة كل النساء.

يُمكن لأي عابر طارئ أن يشهد جلسات التغوّط غير السرّية رغم خصوصيتها، ولا يجرؤ أحد على هتك خصوصية تلك الجلسات. هارون عزيزة هو أول من فعلها، وكفّر عن فعلته تلك بمشاركته الفاعلة في قتل كلب التمتام الأسود العجوز. وآمن الناس بأن تلك هي خيانته الأولى، وظلّوا –بمن فيهم الجدّة مسكة- في انتظار خيانته الثانية.

هارون عزيزة الذي استعاد ثقة الناس بعد مشاركته الجادة في قتل كلب التمتام الأسود، لم يجد لوماً من أحد عندما اكتشفوا وجوده في منزل خاو برفقة إحدى الفتيات ليلة عاشوراء. قالوا: إنه شابٌ طائش، ولا بدّ أنّ الله سيهبه الرُشد والصلاح إذا تزوّج؛ فزوّجوه. وبينما تتداول النساء أحاديث الجنس والشعوذة، ينشغل الرجال إمّا بمعاقرة الخمور أو بمضاجعة البهائم.

اشتهر أهالي قرية أرض الميّت بزراعة النخيل؛ لذا فإنّ رجالها عرفوا كيمياء الكحول، وأتقنوا حِرفة صناعة الخمر، ولم يعتبروها من الموبقات أو المحرّمات، بل اعتبروها إحدى أساسيات الحياة الضرورية، التي لا يستغنون عنها؛ لاسيما في المناسبات السعيدة والأعياد؛ بينما تهتم النساء بالأشياء الأكثر أهمية. وربما أفتى الشيخ عبد الصبور دهب بكراهة الخمر، ولكنه لم يُحرّمها على الإطلاق. قال:

"إنّ الخمر تجعل الشخص في حكم المجنون والنائم؛ فيُرفع عنه القلم. ولا حرمانية فيمن يرفع عنه القلم؛ فكما أن الجنون ليس بحرام، والنوم كذلك؛ فالخمر تأخذ حكمهما؛ ولو إنّ تركها أفضل وأكمل للدين"

ذلك العام الذي صادف الذكرى السنوية الثالثة لوفاة التمتام، خرج حسن فنتي إلى مياه النيل محاطاً بأهالي القرية الذين تعودوا أن يخرجوا معه ليُجددوا له البيعة في شكل طقوس احتفالية لا تُعد عملاً سياسياً بقدر ما هي طقوس نيلية توارثتها القبائل النبوية التي ارتبطت حياتهم بمياه النيل في كل الملمّات والمناسبات السعيدة.

حملت تلك الطقوس سمات يعود تاريخها إلى حقب منسية في التاريخ الشفهي للقرية؛ ولكنها موجودة الآن في كتب الأنثربيولوجيا الحديثة. ولابد أنه في ذلك اليوم تم ختان عشرات الأطفال الذكور؛ إذ يؤخر ختان الأطفال لمثل هذا اليوم من العام للحصول على البركة النيلية، أما الأطفال الأقل حظاً فيكتفي ذويهم بغسلهم فرادى في مياه النيل مع ذكر بعض الابتهالات النوبية القديمة، بينما يتم ختان الإناث في احتفالات أكثر خصوصية.

تقول الأسطورة النوبية: "إنّ كل إنسان يولد (ذكراً كان أو أنثى) يتعلّق قرينه الشيطاني بطرف عضوه التناسلي، وإنّ ضرورة الختان متأتية من التخلّص من هذا الشيطان الطفيلي الآثم أو الحدّ من شروره، وإنه كلما كبر الطفل كلما تضاءلت إمكانية التخلّص منه"، وفيما يكون هذا الشيطان سبباً في جنون الشبان وإنباتهم منبت الطالحين، فإنه يتسبب في انحراف الفتيات وإنباتهن منبت الداعرات؛ لذا فإنهم يُعجّلون بختان الإناث أولاً.

كل تلك الطقوس تقام على ضفاف النيل، وحتى في الزيجات النوبية يخرج العروسان إلى النيل في زفّة صباحية، وسط جمهرة من الأهالي وهم يضربون على الدفوف ويرددون الأغاني والأهازيج التقليدية الطروب. ثم يقف العروسان على حافة النهر، وتبدأ الطقوس النيلية، فيقوم الزوج بغمس يده في مياه النهر، ويسكب ما تبقى منه على شعر عروسه، وتقوم العروس بخلع حذائها وغمس قدميها كاملتين في طين النهر، دون أن تبدي أيّ انزعاج من حركات النسوة من حولها، وهن يعبقنها بالبخور والروائح الشعبية ويُغدقنها بالقبلات، بينما يغسل الزوج وجهه بمياه النيل سبع مرات متتاليات. وعندما تضع كل أنثى حملها، فإنه لابد أولاً أن يُغسّل المولود بماء النهر وسط زغاريد النسوة والابتهالات المأثورة لتحل عليه البركات، وإلاّ فإن ذلك نذير شؤم ولاشك.

وهكذا فإن أهالي أرض الميّت يتعايشون في توافق تام مع الخرافات والأساطير التي شكّلت وعيهم واتجاهاتهم الذهنية على مدار قرون، حتى ارتبطت حياتهم بها بشكل لا يُمكن التكهن بمدى تجذره، أو بمدى السلطة التي تتمتع بها تلك الخرافات والأساطير، وتؤثر على قناعاتهم ومعتقداتهم. ساعد في ذلك تأييد مراكز القوى الدينية لهذه الخرافات، ومحاولاتهم إدراجها ضمن أصول الدين وربطها بها، وبات من الصعوبة بمكان التفريق بين الأعمال ذات الأصول الأسطورية، وتلك التي ترتبط بالتعاليم الدينية المجلوبة مع جيوش الغزو الإسلامي.

ومازال أهالي أرض الميّت يتناقلون سيرة الشيخ إسماعيل دهب المُشتهر بكراماته التي أضافت إليها العقلية الأسطورية الكثير من القداسة، ويحكون عن قدرته على تسخير الوحوش والضباع، واستخدامها في تنقلاته بين القرى النوبية في أزمنة أعتبر فيها امتطاء البغال فعلاً باذخاً ومُتكلّفاً. ويحكون عن أحد أجداد كَلَس الذي تكلّم في مهده، والآخر الذي قطع نهر النيل إلى الضفة الأخرى ممتطياً ظهور التماسيح؛ بينما تُخفي كهوف جبال ميمي العديد من القصص التي تتناول سيرة الجن، واختطافهم لبعض الفتيات وزواجهم منهن، ونتاج هذه الزيجات التي أفرخت مخلوقات لا جنيّة ولا إنسية أسموها (السحّارين) الذين يمشون على الأرض كبشر نهاراً، ويتحوّلون إلى مخلوقات مخيفة ليلاً. ويُصر الكثيرون على أن بعض القرى النوبية تحتوي بيوتها على أفراد من هذه المخلوقات المفترسة، والتي يُقال أنها لا تؤذي أهل بيتها؛ بينما تقتات معظمها على الخراف والماعز.

اعتقدتُ أنّ أهالي القرية لم يتناقلون هذه الأحاديث إلاّ لإخافتنا –نحن الأطفال- ولكن كان الأمر غير ذلك؛ فطبيعة بلاد النوبة الجبلية القاحلة تعتبر بيئة خصبة لإنتاج الخرافة، وتلقى تلك القصص حظوتها من التصديق كإرث شعبي عميق، ساعد على ذلك عزلة المناطق النوبية وانقطاعها عن العالم الخارجي. بدأت قضبان العزلة تلك بالذوبان منذ بدأت القرى النوبية بتنظيم رحلات الحج بمساعدة من المصريين، وعندما كان يعود زمرة من الغائبين -عن جيوب القرية الأنفية، وذاكراتها القريبة- من رحلة الحج في أراضي الحجاز، تُذبح لهم الذبائح، ليمرغوا أياديهم في دمائها، ويلطخوا بها أبواب بيوتهم ليُعرفوا بها لاحقاً، اعتاد الناس على أن يفعلوا ذلك، وسبعة بيوت فقط في أرض الميّت ملطخة بصورة الكفوف الدامية.
[/justify]



هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 10:06 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.