أضاعوه وأي فتىً أضاعوا : سليمان البخيت البعيو.. الرجل الذي مات سَمْبَـله..!
أضاعوه وأي فتىً أضاعوا
سليمان البخيت البعيو.. الرجل الذي مات سَمْبَـله..!
نعاه : أمير الشعراني وجدي الكردي
و.. سمبلة هذه تحريف للكلمة الإنجليزية Simple ، وكأنَّ الأصل جملة إنجليزية They simply died بمعنى (ماتوا هَمَلَهْ) كما نقول في العامية أو بلا سبب ولا دافع، وكأنَّ القاتل قتلهم بلا (غبينة). ماتوا سمبلة كما يموت النمل يقتله الولد الصغير بإصبعه. أو كما يُقْتل الذباب، ماتوا سمبلة..!
في نص لصلاح أحمد إبراهيم عن الذين (ماتوا سَمْبَـله) حسبها الراحل عبد الله الطيب مقالة كقصة أو قصة كمقالة، فيه حزن شديد عميق، كأنَّ الناعي نفسه يرثي القتلى (سمبلة) بلوعةٍ ويعلم أنه هو وقومه ضَيَّعوا حياة هؤلاء القتلى بلا سبب. كانوا يظنونهم صقوراً جارحة فإذا هم ذباب يعصرونه ويهصرونه ويَفْطَس.
(1)
ذهب سليمان البعيو مع سيدة (رجلة أعمال) الى دولة خليجية ليسهم في تسويق تجارتها بعروض تمثيلية بجسده الواهن فلم يقو على التشخيص فسقط، لتسقط سيدة الاعمال في الإمتحان المؤهل لنيل درجة الإنسانية لتترك الرجل يصارع الموت وحده ويموت سَمْبَـله..!
كلنا عصرناه وهصرناه حتى فطس، ولم نتكرم عليه بنعي ولو في صحيفة بائرة بصك مردود..لم يسكب عنه كتبة السلطان ومتلقي الحجج حبر قليل وهم المهرولون دوماً لتمجيد المعتصم بالله والي الولاية الإفلاطونية على طريقة:
كلب والينا المعظم
عضني اليوم ومات
فدعاني حارس الأمن لأعدم
عندما اثبت تقرير الوفاة
أن كلب السيد الوالي تسمم..!
(2)
لم يقم مشخصاتية السودان في حقه ليلة تأبين في المسرح القومي ولا مسرح البقعة ولا مسرح الرجل الأوحد ولا مسرح الرجل المكسورة والخاطر المجروح، رغم ان ثمن (دورين أو تلاتة) من تراب القلابات التي نحرت على أعتاب مسرح كرري الجديد كان يكفي كلفة الحفل المزعوم و(حق) التغطية الاعلامية..!
(3)
سليمان البخيت البعيو، من منطقة الترعة الخضراء بمدينة الدويم, إمتهن التمثيل بثنائية مع تور الجر لأكثر من نصف قرن, جاب مدن السودان (حتة ـ حتة) يتراقص في مسارحها بقامته القصيرة وقيمته العالية، ينشر الضحك في الحبال الصوتية للمشاهدين ويمسح عنهم غبار الحزن.
(4)
في ناصية محطة باشدار بضاحية الديم حيث كان يسكن، ذهبنانبحث عن بيت (التومات)، لم نكن حريصين لمعرفة من هي ام الحسن ومن هي ام الحسين، ربما للتطابق المتناهي بينهن وإتفاقهن في ما يتعلق من حديث حول سيرة سليمان البعيو.
(5)
قالت التومات، ان البعيو كان يأتي منذ الستينات لصديقه محمد مختار زوج شقيقتهن ضحية، فنسج بخيط التواصل ثوباً من الوداد مع الاسرة وصار معلماً وجزءاً منها لا يتجزأ، والمارة يصفون بيت الشفيع والد التومات، ببيت البعيو حتى كاد إسمه يطغى على باشدار المحطة.
(6)
ـ يا حليلك يا بعيو.. آخر مرة سافر مع (..) وقع هناك بالضغط وما فتح عينو الاّ هنا.
ـ تتصور الزولة دي لغاية هسع ما أدّتو قروشو؟!
ينداح سيل من الاسى ومر الذكريات من التومات.. صوت واحد وصورة واحدة وشاشة ضخمة من فضاء الحوش الممتد يملأها سليمان البعيو وهن يسترجعن ضحكاته ومواقفه وكرمه و(رجالته) على مدى أربعين عاماً تقاسم معهن الملح والملاح والملاذ.
(7)
ـ البعيو قال إنو إتزوج مصرية في الخمسينات وعندو ولد، وإختلف مع نسيبو يوم فكّر يرجع السودان.
* ليه؟
قال البعيو بسخريته اللاذعة:
ـ نسيبي مسك البت عليهو عشان ما تمشي السودان مع (ربع راجل).!
(8)
رحمك الله يا بعيو، يا طويل القيمة وكثير العطاء وقصير العمر ورحم معك الزبير محمد صالح الذي إنتزع لك حقك في السكن، قطعة أرض في حي جبرة لم تهنأ بالسكن فيه (نمتنع عن ذكر الاسباب)، ولم ينساك الزبير ثانية وهو يصدق لك مشتلاً بشارع واحد وستين، كل زهرة ونحلة فيه يذكرك حين نسيك الصحبة.
(9)
تزوج البعيو من السيدة سكينة ولم يرزق بأطفال, كان أولاده الآلاف من جيل الستينات والسبعينات من الذين كانوا يتسمرون أمام تور الجر ينتظرون وصلة البعيو، قبل أن تدهمنا غاشية الفضائيات وغائلة الاسبيس تون وحرب (توم) الامريكي مع (جيري) الزرقاوي..!
(10)
هيثم إسماعيل, مرافق البعيو في أيامه الأخيرة، قال إنه كان طريح الفراش في المستشفى لأمد طويل، لم يزره خلالها باعة الكلام من حارقي البخور ومدبجي نعي أهل الدثور من سلالة (دمث الاخلاق وطيب المعشر)، ناسين ان الحجاج وهو يمارس فضيلة الموت كان يتقلب من الحمى ويردد:
ـ اللهم أغفر لي ..اللهم أغفر لي.
تلفت الحجاج الى معاوديه من المنافقين القدامى ولمح في أعينهم شماتة يشكمها بقايا سطوته فقال:
ـ اللهم أغفر لي رغم ان عبادك لايظنون ذلك..!
(11)
لم يكن البعيو حجاجاً في القسوة ..رغم ذلك إفتقد حتى المنافقين في جلال الموت فآثر الانسحاب من الدنيا تكتيكياً, بدأ خطته بدخول صومعته في المشتل ليتوارى من ناكري فضله، ثم غادر محمولاً ورائحة الموت تنبعث منه الى بلدته في الدويم لينسحب بعدها من الدنيا ليوارى قامته المديدة الثرى في هدوء بعد أن تخلص من صحبة الحجاج.
(12)
آخر قولي سيدي البعيو:
هل أضعناك يا رجل..؟!
|