سبت أخضر إلا ربعاً رمادي السيرة
الكاتب : معتصم الطاهر
كلافتة مرور تسمّرتُ في منتصفِ الطريق المسفلت ورأسي يسجل درجة غليان تفوق حرارة الأسفلت، وعقلي "يتاوره" ضُرس المشاكل و تشوكه ضرّيسة الشك و "تطاعنه" الظنون، صُمَّت أذناىَ عن أبواق السيارات التي تتعالى حولي وتتقصدني. أخرج أحدهم رأسه من نافذه السيارة و صاح فيني:
- " يا بتي الله يعرّس ليك - وقفتي الحركة- " فهمت خباثته لكن بعض الذكاء يزيح ثقالة بعض المضايقات.
- "شوفى ليك صينية أقيفي فيها" .. قالها آخر يجلس على ظهر عربة مفتوحة و إحدى رجليه خارج صندوق السيارة..
أنهيت تحديقي الى المجهول ثم "حدرت" للأخير فصمتَ الشارع كأنه يصغى لكل " الجوطة" التى تدور فى عقلي، و أتخذت قراري .
" للخلف دور" .. أدار جسدى رجليّ أو رجلى جسدى، لا أدرى أيهما كان صاحب القرار، لكنها حركة نصف دائرية عنيفة لم أفعلها منذ معسكرات التدريب الإلزامي.
- "ملعون ابوك حكومة لا تساوي بيننا والرجال إلا في معسكرات التدريب."
قفلتُ عائدةً إلي مدخل العمارة حيث أعمل ثم صعدت الدرج كما كل يوم لثلاثة اشهر فائتة و لكني أرتقي الدرجات هذه المَرّة بحنقٍ و أنا أضربُ على بلاطِها الجديد بنَعلِي و أتخيله ينهال على رأس مدير مكتبنا بشيباته المسبسبة الناعمة.إختل توازني وأنا اصعد الدرج، فأنا من اللائي يطلق عليهن وصف "شتراء" حتى أن البعض يقول إنّه ليس فى إستطاعتي صعود درجات السُلَّم و أنا أمضغ علكة، أو ألوك سيرة أحدهم. كدت أنكفئ على وجهي لولا أن استندت على درابزين الدرج . أعدتُ توازن الجسد ولكن العقل أبى و استنكر، ليتني أرشُد قبل أن يمضى عقلي و أتحول لإنسانة بدائية.مثل أغلب الخلائق المكناة رجل و بعض نساء. ولكني مضيت فى عزمي. لن أتركه يتهنأ بباقى نهاية الأسبوع بعد أن فعل بي ما فعل.
عند إرتقائي آخر درجة من الدرج ألقيت طرحتي من فوق رأسي على كتفي، و ذاك أمر تستنكره أمي " يا بت إنتي بتكشفي راسك سِرِّية و لا شريرة" و تخشاه كل نديداتي فما يليه هو إنفلات العنف اللفظي. وهي علامة أني رميت حذر العواتك و نزعت قيود الوقار .حينها أحسست أنّ ما يجري فى عروقي حمم تلتهب وتحرقني و تلهب بديلاً عن دماى.
فى ممر الطابق الأول المؤدي الى المكتب أظن أني مررت بزميلتنا سلمى تجلس فى ردهة الانتظار – لابد أنها تضع سماعة الأذن و تعبث بهاتفها و هي تنتظر زوجها - لم أرها، لكني شممت رائحة عطر المتزوجات الأنثوي – أسميه الفعل الشَّرطي المنعكس أو فياجرا الأنف السودانية - تذكرت نقاشها مع زميلنا عدنان ،
- "يا جماعة كمان جابت ليها " دِلكة ودخان" ما قلنا العطرالنافذ لا يجوز فى المكتب."
فردت عليه :
- " والعطر النافذ من الخشوم و القدوم !! وهل شراب العرقي من الصباح صاح .. يا صاح؟ "
فقال لها :-
- :" بايتة معاى و اللهِ .. " -_و اللاّى_ قالها هكذا بقافية ..
فردت بذكاء تمتاز به وبقافية مغناة بلحن بنُّوتي:
- " أنا بايتة معاى برضو .. ، لو تابُو ، لو ترضو ". ثم أردفت "الصّفْقة باردة" مُلمّحةً لعدم مشاركتنا فى تلك المنافسة.
ضحكنا و أحسسنا بأنها المنافسة على منصب رئاسة القسم ،وقد بدأت فعلياً.
هذ البت أو " السيدة الصغيرة" علها تستمع الآن لعفاف السليمية أو عوضية الدروشاب أو ساورا أو ميشيل خليفة وهكذا ذوقها رفيع و مشاتر. سلمي امرأة تفِّر ثنايا الفم تلميحاتها و تتحكّر فى ثنايا القلب ملامحها.
ابتسمت فى دواخلى لذكرى تلك " المناقرة" و راجعنى عقلى قليلا - فقط قليلا - بسؤال:-
- “ما دليل أن ما فعله كان تحرشا ؟"
فماءت النّمِرة داخلي مضرضرة :
- " ألم تعرفي تلكم النظرات منذ شب ذاك التل كحمم بركان الجسد؟ ألم تأكل النظرات طفولتك و تكسر نظرتك و قضت على أيام مراهقتك ؟"
خطوتُ خطوةً واسعة و الثانية أوسع بما تسِع تورتي مسرعة نحو المكتب و أنا احدث نفسي و أملؤها غيظاً و تحريضاً..
- " كم خدش كبرياءك احتكاك الكوع و الملاصقة فى الحافلات؟ كم صفيق صفعتِهِ حتى صارت لك صديقات فقط ليحتمين بك؟ ويأتي هذا المخلوق و بعد أن نضج كل شيئ فيك !! ... "
و الممر صامت .. لا يكسر صمته إلا وقع حذائي ..
شعرت بنظرات سلمي على " قفاى" و تنزل لتقتفى أثر غضبي على البلاط.
هل يبدو هذا الغضب بيّناً على الخطوات؟ سمعت وشوشة ملابسها و هي تقف من على كرسيها فى ركن الممّر.
إلتفت نحوها .. و بعيني كل الغضب ، فجلسَت منكسرةً من فضولها و نظرتي المُنذِرة المُحَذِّرة.
خطوتين .. ووقـْعُ فرقعة الحذاء على بلاط الممر يُنْبئ عن إمرأة مُرعدة ليست رعديدة، و طرقعة إرتداد الحذاء على كعب رجلى الناشف يعلن عن عِينة المطر، وبر ق عيوني "عبّادي". لابد أن أسفل الحذاء الأيمن قد سُحق أكثر من اليسار، فصوته مختلف كأنما "الخرسان" تداخل مع "النترة". أو هو فعل أشتر كما صاحِبَته. – "علىّ أن أشترى حذاءا جديدا من مرتب الشهر القادم، هذا إذا لم أفصل من هذا العمل اليوم . أو أتقدم باستقالتي."
- "هل سأُفصَل؟ ..
- "نعم .. إذا لم تتراجعي عن مشوارك هذا!"
- فليكن .. إلا إهانة المرأة فينيّ .. لماذا أنا (فقط أنثى لا غير). رقم فى شيك دنيا الرجال و الأعمال.هكذا تحدثني نفسي الأمّارة بالمشاجرة .
هكذا تصارعت الأسئلة داخلي .. ولا احدها يصرع الآخر.
لم أحسب أن هذا المكتب بهذا السوء من قبل، وأقر أنها مؤسسة نادرة التي قبِلت موظفيها وفق مؤهلاتهم العلمية والخبرة. نعم، لست بذاك الجمال ولكني والآخرين ندرك تماماً أن بروزاً ما فوق ضلوعي بدأ مثيراً للإنتباهِ ومُمـَغنـِطاً للنظرات. فقبل أن تضع نديداتي الطرحة على رؤوسهن وضع ذلك النهد بكلكلِه علىّ. و مع تلك الخرقة وُضِعت علىّ رأسي مسئولياتٌ و قيودٌ لم تُلزَم بها رفيقات الدراسة و الحي. كُنّ يحسدنني عليها و كنت أنحني حتى لا يظهر ما لا يمكن إخفاؤه. حتى أن المغني حينما يردد " شُفناه شفناه" كنت أظنه يقصدني فوجهت كرهي أغاني الحقيبة التى تعري جسدي و رضيت كل من يتغني بي كإنسان.
لا أنكر أن مدير المكتب عرض على الوظيفة ومخصصاتها خلال سيرتي الذاتية التي أرسلتها بالبريد الإلكتروني حسب الإعلان في صفحة داخل صحيفة، فقط مؤهلاتي وخبرتي المناسبة ثم إستعدادي لترك الوظيفة التي كنت أشغلها، صورتي المرفقة معها لا يستبين بها "كلكل همي" ذاك .فبعد معاينة قصيرة بوجود قريبته "صفصاف" السكرتيرة ذات الصلاحيات المتعددة بدأت عملي، ووعد باختيار أفضلنا لرئاسة القسم .
"عدنان الراجل" هو منافسي الأول لرئاسة القسم وكُنِّي بذلك لأنه درس الجامعة من الناضجين بعد أن عمِل فترة قبل إلتحاقه بالجامعة وقِيل أنه طلّق قريبته قبل أن يبدأ الدراسة، أما سلوى فجُل همها " عدُّولي" زوجها الذي بتنا نعرف كل شيء عنه و التي ولو تنبّهت قليلا لكانت أحقنا بالمنصب لمعرفتها و ذكائها. "عدنان الراجل" كان منافسي منذ أيام الدراسة الجامعية وهو يسبقني بالتخرج فى الجامعة و العمر والتجربة.
مشحونة بكل تلك الأفكار، وأغلِي كتنّور متحرك دلفت الى المكتب وصدري يسبقني كموج عاصفة و وجهي تقطّب و تجمّع فى منتصف جبيني .. رأتني صفصاف السكرتيرة على هذا الحال فسألتني أن أجلس .
أشِرت الى الباب الموارب أمامي قائلة كلمة واحدة " المدير ." وفى عينيّ غضب و حنق و حزن و ربما بعض ضعف .
وقفتُ أنتظر إذنها بالدخول وأنا أنقر الأرض بمقدمة حذائي اليمين بعصبية بالغة .. وقفت ضفصاف و انحنت فوق مكتبها لتنظر الي رجلي تهتزُ بعصبية زائدة .. يا لهذه الصبية الغياظة ، ألا ترى القيظ ينفر من عيني وهي تمارس " حركاتها" و رسائلها الهادئة و المهدئة!
لما رأت إصراري على الدخول قالت بخبرة السكرتيرات
- " ليس الآن و أنتِ بهذه الحالة!.. ثم أنه يوقّع الآن أوراقا سريّة و مهمة !! " وعيونها تقول أنها تعرفها.
و أنا أرد بلغة العيون فى هذا الحوار الأنثوي
- " تعرفينها جيدا..أولست من قام بطباعتها..!"
ثم نظرت إليها بنظرة لوم و لؤم ثم تحولت الي إتهام وغضب .. ثم إنتابتي فكّرة خبيثة بل فلنقُل إتهام ..
" هل تعمل هذه البنت فى مهام خاصة غير عملها معه كسكرتيرة؟"
لما رأت حديث عيوني و قد أنتحى عن مسار العام سألتني ..
- " هل هي المعاينة؟" ثم أضافت مبتسمة بخبث ...." أم المعاينة.. !!"
متجاهلة نظرتي و التى فهِمَتها تماماً . هكذا نحن النساء بيننا تواصل نعرفه جيدا.
كان المدير قد استدعاني و أيضا ( زميلنا عدلان و زميلتنا سلوى). لمعاينة رئاسة القسم والتي تضمّنت أسئلة شخصية - لحد معقول- فى ظاهرها لكنها تظل شخصية . أسئلة لم يسألني لها عند بداية تعييني فى هذا المكتب .
سألني أنْ لو وجدت فرصة لرئاسة القسم عن خطتي لتطوير الأداء و لإدارة المكتب و ملاحظاتي عن زملائي و أدائهم. و من أحقهم برئاسة القسم لو تم اختيار غيري؟ ومن لا يستحق أن يعمل فيه ؟ ثم سألني عن عائلتي و سكني و حالتى الاجتماعية و لماذا لست مرتبطة .. هذا السؤال أجبته بإجابتي " المسيخة " المعروفة .. "ما لقيت خاتم قدري" ثم رمى بسؤاله:-
- "... هل أستطيع حضور إجتماعات متأخرة أحيانا فى نهاية كل مشروع؟"
ما أغاظني أيضاً فى هذه "المعاينة" هي نظراته إلي صدرى ، مما جعلني أعدل وضع غطاء رأسي ثلاث مرات .. مرة لأغطي ما هو ظاهر رغم وسع القميص الفضفاض و قطرات العرق التى أحسست بها تجمعت فى ذاك الوادي – تسميه صديقةٌ مقربةٌ الأخدود، -هي الوحيدة التى تتجرأ بالتعليق دون أن أغضب،-
في المرة الثانية بعد نظرته الرابعة سحبت طرف الطرحة لأستر الحجم أما فى الثالثة فقد كتّفت يدي عليهما.
عند نهاية أسئلته سألته بدوري ..
- "ممكن سؤال يا أستاذ ؟" وقبل أن يأذن لي واصلت حديثي " هل الأمر عن رئاسة القسم فقط؟"
سكت .. فواصلت حديثي .. .
" لماذا تسألني كل هذه الأسئلة الشخصية ؟ و ما دخل سكني! أو لست أحضر فى الوقت المحدد و كذا أنصرف؟ و هل حضرت يوما بزي غير محترم ؟ لماذا تسألني عن أسرتي .. ؟ "
ثم صمتُ عن بقية الأسئلة عندما وضعت السكرتيرة التي تجلس بجانبي يدها على كتفي.. لم أنظر لأحدهم بعدها و اندفعت الى الشارع قبل " خلف دور".
تباً له.. يبدأ أسئلته بمِهنيّة و يختمها أسئلة شخصية. لولا وجود السكرتيرة لكان تحرشا واضحا غبر مسسترا.
رغما عن السكرتيرة دلفت المكتب و كان حينها يوقع أوراقا أمامه . و وقفت أمامه بهيئتي تلك.
" ممكن أسألك يا أستاذ؟"
رفع نظره ناحية وجهي. و ردّ " تؤجل الأسئلة ليوم السبت، إذا مدّ الله فى الآجال."
رجل جبان ، ها قد سقط عنه ثوب الجلال والوقار، ها هو يهرب من مواجهتي و قد بدا عارياً إلا من رجولة شرقية جوفاء . بد لى جلده الناعم أحرشا كسمكة ناشفة.
وضع الخطاب بعد وقعه داخل ملف " الجاري " و خرج به و تركني قائمة ..
خرجت خلفه مغتاظة .. ولكني أهدأ قليلا .. إستلم حقيبته من يد السكرتيرة بعد أن سلّمها الملف .
حينها أحسست بان الجو مشبع بالتوتر و الترقب و الغموض ..
وقفت انتظر منه رداً أو أن يلتفت ، و لكنه أنصرف ببرود ملقيا السلام و ابتسامة المنتصر أو الشامت. رجال بلا حياء أو بلا إحساس.
وضعت السكرتيرة ورقة من الملف فى مظروف و أخرجت مظروفا آخر من مكتبها و سلمتني المظروفين.
يستبين من شكل المظروف الثاني أن به أوراقا نقدية. لمحت اسمي و رقم على المظروف . كان الرقم يساوي مرتب شهر من راتبى. إذن لم أستحق الترقية / بل كتبت نهاية خدمتي بنفسي.
وقعت على إيصال الاستلام . و طالبتني السكرتيرة بمراجعة المبلغ فلم افعل. وضعت المظروفين داخل حقيبتي و لم أخرجهما إلا بعد مغادرتي الحافلة قرب بيتنا و التي ترجّل منها أخي، مخاطباً صمتي و شرودي
- " مالك يا عفصة؟" و دائما ما يحرّف اسمي عندما يرى تغيُـّر وجهي و عبوسي.
حكيت ما حدث باختصار و بمحاولة يائسة لإقناعه بخطأ المدير، - وهل كنت مقنعة لنفسي!- ومددت له المظروفين و نحن ندلف البيت.
رأيت فى وجهه الحنين شحوب وجهي و عبرات عيني . فقال مواسيا :
-" تسلمي يا حنينة. و ألف وظيفة تنتظرك " .. قالها و هو منذ عامين يخرج مرتين فى الاسبوع يبحث عن عمل.
جرت دموعي كما لو أن لها إرادة منفصلة عني. وأنفلتت من صدري آهة رغم حرصى على التحكم فى كل أحزاني .
أخفيت وجهي بيدي و أسرعت تجاه منزلنا. وجدت الباب مورابا دفعته و دلفت.
تمددت على الفراش بملابس العمل و رجلي اليسرى تتدلى بإهمال و قلق . ألأرجحها حينا و حينا أضرب بها رجل السرير.
على هذا السرير سكون الروح وراحة الجسد .. كأنه راحة أبِي تحط بحنان على جبيني أو يربت على كتفي قائلاً " أنت الآن راجل البيت و أميرته" .فأردت بعناد " يابا .. ست البيت"
لماذا ليس كل الرجال مثلك يا أبي؟ لماذا ترحل قبل ان أتعلم كل شيء.؟
و بدأت أحدث نفسي " كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر إلا الحزن يبدأ كبيرا ثم يصغر"
كنت على هذه الحالة و البحث عن وظيفة هَمٌ لا أحب أن يزيد همومي .. حينها دخل أخي مبتسما قائلا:
- " تعيشى و تاخدى غيرها !" ..
و مدّ لى الورقة التي مع مظروف المال كان مكتوبا فيها بخط السكرتيرة ولون قلمها البنفسج ( احتفلي جيدا و اشترى لنفسك هدية ، الكرت المرفق لمحلات ملابس تعطي تخفيضا لشركتنا .. مبروك رئاسة القسم)..
بوهن وألم وخجل رفعت هاتفي لأتصل بأحدهما، ماذا أقول ؟
و ارتخت يدي ، فقد تذكرت أني لا أحفظ و لا أعرف رقم أي منهما.
" يا بت السبت اخضر"