اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مشرف منتدى نوافذ
تقييم طارق كانديك
يا له من مدخلٍ فسيح ابتدر به الكاتب هذا النص:
وضع القارئ مباشرةً أمام سيلٍ من الأحداث، فلقد احتوى على فكرة غياب العبيد وأن عودته كانت حدثاً يستحق القص عنه وفيه، ثم إن النص تحدث عن الحنين ولهفته والغياب ولوعته فعبّر عن ذلك كله بحرفٍ رصين وعبارةٍ جزلة، تحدث عن أشواق الناس للمطر، في رمزيةٍ يستحيل معها المطر الى ثورة، تعيد وضع الأمور في نصابها الصحيح في السودان، ولعل أن تكرار السنين العجاف بالرقم ثلاثة وعشرون عاماً ليس عفو الخاطر، لا سيما حين سمى الشخصية المحورية في النص ب(عازة) لما لهذا الإسم من دلالة وطنية عظيمة في السودان، تقود صاحبها بلا جهدٍ يذكر الى خلق علاقة قوية بين النص وبين أحلام وأشواق الناس في زوال النظام الذي أجدب الأرض، وأمات الأحلام، وأذاق الناس في بلدي الأمرين.
موضوع النص بشكل عام، تمكّن الكاتب من الإمساك به والتعبير عنه بقدرةٍ عالية تجعلني استحسنه وإن كنتُ أجد بعض الهنات هنا وهناك كما في قوله:
|
ـ
كتب عبيد الطيب ( ود المقدّم ) في تعرضه لمقطع من ابيات ( دوبيت ) استهل به الطيب صالح كتابه جاء فيه :
الدرب انشحط واللوس جباله اتناطن
والبندر فوانيسو البيوقدن ماتن
بنوت هضاليم الخلا البنجاطن
أجدع قودع امسيت والمواعيد فاتن
قال أنه رأى أن المقطع مشاتر من ذوق البادية ..
وفي تقصيه للتحقق توصل إلى أن المقطع ـ والذي قال عنه الطيب صالح أنه لشاعر مجهول ـ
لابد أن يكون لشاعر من بوادي الشرق بدليل كلمة
قودع التي وردت في البيت الذي بعده
وأن
اللوس هي جبال بالقرب من كسلا ..
قال أن ود القور الشاعر قالها هكذا ( يا طير هضاليم الخلا البنجاطن ) ..
وأن ود عبد الله ( رجل معمر صاحب الشريف يوسف الهندي ) قال أن شاعرها هو ود شبيش
وأنه قالها هكذا ( يا ود بنوت هضاليم الخلا البنجاطن ) ..
ووجدها كذلك ود المقدم نابية ومشاترة ..
وسمعها لاحقاً من أحمد ود كجامة رواها هكذا ( يا ود رُبّاد هضاليم الخلا البنجاطن ) .. والربد هو النعام
وقرر ود المقدم بأنه يظن أن هذا هو الصحيح ، مستنداً على أنه من غير المعروف لدى شعراء البطانة
وصف النساء بأضاليم النِّعام أو هضاليمها وهي ذكورها لقُبحها وسوادها
فشعراء الدوبيت يصفون بها جمالِهم التي يمتطوها لسرعتها وقوتها في تحمل المسافات مثلا :-
( طلقت من درت ترعي ؤتِكس فوق طشَّك
ومنّك وليكَ دومتك تمَّلِي ؤتتبشَّك
(
إضليم العريفات المدرِّج وشَّك
وهجام دكة البي سرُّو ما بتهشَّك )
وأنه وجد بعض شعراء بوادي الغرب يصفون شعر المحبوبة بسواد الإضليم :
( شعر تومتي ام قريناً نز
إضليماً كشكشولو ؤفز )
اوكما يقول الشاعر الرائع حنفي حاج الطيب:-
لونك ونكهتك شلتيها من الموزا
وعليهن زدتي بسمات من بياض اللوزا
شعرك من جناح إضليم نعاماً زوزا
ؤبخت العندو في قلبك غُرف محجوزة
ــ
وفي موضع آخر شرح ود المقدام المقطع الذي يقول فيه الشاعر ( واللوس جباله اتناطن ) بقوله :
يقول ( اللُّوس جبالو إتناطن ) وكلنا يعرف ان المسافر علي الدواب اوَّل ما يلوح لطرفه او ناظره
الأماكن والمعالم العالية إن كانت تلال او جبال
وهنا لاحت للشاعر ذروة أعالي الجبل فمن بُعدها وحركة بعيره كأنها تتناطا !!
قال أن المقطعين ( اللُّوس جبالو إتناطن ، والبندر فوانيسو البيوقدن ماتِن )
دليلان علي السير من مسافات بعيده
ويدلان علي قوة بعيره وتحمله للسفر
ربط المعنى بحركة البعير ..
فعارضه عادل عثمان ـ سودانيز أونلاين ـ بقوله :
جبالو "
اتناطن" يعني
بعدت .
وكلمة
اتناطن جذرها كلمة عربية فصيحة كما ورد شرحها في لسان العرب كما يلي :
نطا :
نطا: نَطَوْتُ الحَبْلَ: مَدَدْتُه. ويقال: نَطَتِ المرأَة غَزْلَها،
أَي سَدَّتْه، تَنْطُوه نَطْواً، وهي ناطِيةٌ والغَزْلُ مَنْطُوٌّ ونَطِيٌّ
أَي مُسَدًّى. والنَّاطِي: المُسَدِّي؛ قال الراجز:
ذَكّرْتُ سَلْمَى عَهْدَه فَشَوَّقا،
وهُنَّ يَذْرَعْنَ الرَّقاقَ السَّمْلَقا
ذَرْعَ النَّواطِي السُّحُلَ المُدَقَّقا
خُوصاً، إِذا ما اللَّيْلُ أَلقَى الأَرْوُقا
خَرَجْنَ مِن تحتِ دُجاه مُرَّقا
يَقْلِبْنَ للنَّأْي البَعِيدِ الحَدَقا
تَقْلِيبَ وِلْدانِ العِراقِ البُنْدُقا
والنَّطْوُ: البُعْدُ. ومكانٌ نَطِيٌّ: بَعيدٌ، وأَرضٌ نطِيّةٌ؛
وقال العجاج:
وبلْدةٍ نِياطُها نَطِيُّ،
قِيٌّ تُناصِيها بِلادٌ قِيُّ
نِياطُها نَطِيٌّ أَي طريقها بعيد. والنَّطْوة: السَّفْرة البَعيدة. وفي
حديث طَهْفةَ: في أَرضٍ غائلةِ النِّطاء؛ النِّطاءُ: البُعدُ. وبَلَدٌ
نَطِيٌّ: بَعِيدٌ، ورُوي المَنْطَى وهو مَفْعَلٌ منه.
ـ
إنهدّ ليست دارجة يا كانديك .. والنقد مشرع الابواب
لكن في الواقع لا يسعني هنا إلا أن أُمجدّ بكثير من الحفاوة المجهود المقدّر المبذول من الاخوة في اللجنة الفنية ،
وأن أمدح وأشكر صبرهم الجميل على قراءة النصوص وإعادة قراءتها وتمحيصها بهذا الشكل المرضي ـ للحق ـ
النص الذي أدرجته هنا ـ وأنا هاوً مغرق في الهواية حد الاعتماد على السليقة ـ لم أكن اطمح في احوال كثيرة أن يجد من يقرأه
لكن سرّتني أيما سرور هذه القراءة الممحصة والمتأنية والفاحصة ..
فالنص وليد لحظة انفعال لم أخطط لها . ولم احجم قلمي عند جريانه به اللهم إلا اللمم
أذهلني للغاية توقف طارق كانديك عند مدخل النص ..
إذ أن مجمل النص كان مبعثه فكرة أن ثورة يمكن أن تغير الامور في البلاد في غيابنا المرير في المنافي ..
وأننا لن نسعد مع المحتفلين حينها ..
وأن اجمل الاحداث التي ستقع حينها ستصل إلينا سماعاً ..
للحق وبرغم أشواقنا العظيمة للثورة والتغيير إلا أن ثمة شعور غير مرضي يطل
حين نفكر بأننا لن نكون شهود ولا فاعلين أبان نشوب الثورة ..
جعلني توقف كانديك هنا أشعر بغبطة كبيرة إذ حسبت أن ذلك الشعور المبطن ـ دون قصد في فاتحة النص قد يخفى ..
سيما وقد كتبت الّي الجميلة ( مي هاشم ) ما يلي :
اقتباس:
قريت قصّتك اليوم..
جميلة جداً جداً..
طبعاً يا ماجد لساني طويل شوية
في كلمات او جمل بتتكرّر وكان ممكن تستبدلها بمفردات تانية ..
واتمنيت البيحكي زول تاني ما انت النايم ..
يعني زي صوت خارجي تتداخل معاه الأصوات في الخلفية وأصوات المتحاورين.. فاهمني؟؟
أكتر حتّة حسيت بيها في النص فيها زخم جمالي ووصفي وحياة من دخول عبيد القرية ..
وما ببالغ اذا قلت ليك ما قبلها يستحق معالجة تتلاءم مع المقطع الأخير...
عموماً دي تعليقات ساي ما بتنقص من استمتاعي بالنص ولااااااااا حاجة..
وعلى فكرة قريتو أكتر من مرة
|
تعليق كانديك على فاتحة النص أعاد إلي بعض توازن ..
وحين عاد وانتقد أجمل ما أراه في هذا النص
وأنا كاتبه ما زلت حتى اللحظة تنفعل مشاعري حين أعود لقراءة الجزء الذي يصف دخول العبيد للقرية قادماً من لجة المطر وعصفه
مناداته الأولى للامين ود السارة ..
الدارجة هنا رأيت ( وأنا لم أتعمد استخدام كلمة عاد بدلاً عن كلمة جا الدارجية كما اقترح كانديك )
أنها أكثر قدرة على نقل الاحساس بالفرح العارم الذي تفجر داخل الامين
حين سماعه صوت الغايب الذي يشتاق إليه كل أهل القرية ..
لذلك رجعت إلى تعليق مي مرة أخرى حتى أتأكد من أن الزخم في هذا المقطع مرئي للآخرين ..
ما يهم أن نقد كانديك للنص ـ بالله الحق ـ قد خلف في النفس أجمل أثر ..
وزاد في زهو ذلك الشق من النفس الذي يحن إلى القلم والأوراق .. واطال قامته كثيراً
شاكر وممتن للغاية ..
ولدّي إحساس عميق وصادق بأنني تلقيت جائزة أكثر مما توقعته ..
لكم أجزل الشكر
ـ