تفاهة رقم (1).... و تفاهة حين تحين الحضرة
رسالة الي الأرباب ......أو أحذر معارك الجثامين يا خالد
يلفظونك حي و يختصمون علي جثمانك
و قد كنتي لدي الطرف الأقوي يا منارة حين الخصام ....
و أحذر الكثير يا خالد
صديقي الجميل لا أدري بأي حق مكتسب أغرقك في كل هذا القبح والسواد, لكن صدقني قد كنت معبر لأحزاني و خروجي عن جلدي, قبل البدء يا خالد أتعلم انه عندما هاجرت نساء المدينة الي السعودية, الخليج والخ من بقاع أرضية لم يزل فيها الرب رحيم بالبشر, منارة و رصيفاتها من الريفيات حللن مكانهن في الخرطوم,يعملن خدم منازل تحت اسوأ شروط عمل تشهدها البشرية حالياً, عاملات في مصانع دون اجازات أو فوائد ما بعد الخدمة, منارة لم تشذ كثيراً عن القاعدة التي تشكلت حديثاً بعد الانهيار المريع للدولار و سربعة قريشات البترول في خبر و جيوب الكبار, بعد خراب كم و عشرين سنة وجدت نفسها عاملة رعاية كتاكيت في أحد المزارع و لحد ما تعتبر من المحظوظات لان ليس لكل الريفيات عمة تزوجت بعسكري قضي أجمل سنين عمره في حرب لا تخصه من قريب أو بعيد و عندما هد السياسيون التعب جاءوا بالسلام الذي بموجبه تم تسريح هذا المقاتل بناء علي طلبه ونفدت إستحقاقاته قبل ان يستلمها و في النهايه وجد نفسه حارس مرزعة دواجن مما شكل لمنارة ضل حيطة و ضل راجل في آن واحد .... و في هذه المزرعة عملت منارة أسوأ عمل في الدنيا يمكن ان يتخيله الانسان و هي رعاية و نظافة مقار الكتاكيت طعام أهل البيوت العالية و النفوس الوضيعة يا خالد......
احذر يا خالد التلفون
أنها حياة الحذر يا صديقي فأحذر الكثير يا خالد و من ضمن المحذورات هذه التلفون و كما تعلم يا صديقي كثيراً ما رددت سراً أو جهراً ان كل مصائبي بعد اكتشاف التلفون أضحت تأتينني منه و حكمة الله غيرت الرقم القديم و اتيت بجديد لم أعطه الا لقلة قليلة من البشر حتي الآن ....لكنه رغم ذلك بالأمس رن معلناً مصيبته حيث بالطرف الآخر حماد جارنا منذ أن وعيت الدنيا بالحلة متصلاً, رديت عليه وبعد تحية مغتضبة وصوت منكسر أخبرني أن ابنته منارة توفيت وهذه اللحظة في الحلفايا مع شقيقته وحيدتان و علي أن أصلهم باسرع ما يكون وأقوم ببعض الممكن (و جربنا كل الممكنات يا صديقي)..... بعد عدة مكالمات و توهانات وصلت المزرعة السعيدة.... للأمانة لم أجد شقيقته الحية وحيدة و إنما معها كل فقراء الجوار ... بنات في عمر منارة التي أضحت تكني الآن بالمرحومة عند أهل المزارع و الجثمان بالنسبة للأثرياء الذين سوف يصلون لاحقاً, بنات فاسخات أوجههن بالمساحيق الرخيصة, و أخريات مجتهدات في اردافهن كأحد متطلبات السوق, من هيئتهن و اخلاصهن في البكاء عندما عانقتني صاحبة الدار باعتباري الكائن الوحيدالذي يثبت لمن حولها أنها ليست مقطوعة من شجرة, عندما عانقتني صاحبة الدار باكية ومعددة بقية أفراد اسرتها و محاسن منارة أنخرطت هؤلاء الريفيات في نحيب حقيقي و منه عرفت انهن زميلات شقاء المرحومة, اللائي لا يجمعهن بها سوي رائحة روث الدجاج اليومي و صلف و غرور صاحب المزرعة مستجد الثراء, كما ذكرت يا خالد لحظة وصولي عمةمنارة لم تكن وحيدة كما أدعي شقيقها و إنما حولها اضافة الي الشقيات اللائي لفظتهن قراهن, نساء فقيرات متسربلات بثيابهن البالية و حزنهن الأبدي, رجال يدارون حرج فقرهم بعبارات الحمد لله, الحمد لله, الدوام لله, و البركة في أمة محمد و الخ من عبارات.... سرعان ما شرعت مع الرجال في اجراءات الدفن مثل شهادة الوفاة, حجز المقبرة أو حفرها, الكفن و الخ ..... و لدهشتي كان كل اللازم منفذ و لا يحتاج الي وجودي يا صديقي.
أحذر الحذر يا خالد و أحذر ثراء الفقراء و تمدن الريفيين القشري.....
لا أدري هل هذا قول مأثور أو حديث شريف الذي يقول فيما معناه احذروا غني الفقير و فقر الغني و لكني أقول أحذروا تمدن الريفي و تريف المدني ....لم يمر علي وصولي الكثير حتي جاء بوكس من الموديلات الجديدة, تتبعه حافلة.... من المقعد الأمامي ترجلت إمرأة تبدو عليها حداثة نعمة و مدنية زائفة ... ترجلت تبكي بصوت مخنوق شاركتها عمة منارة الحازمة وسطها بجزء من ثوبها الرخيص و ما تبقي منه لفت به رأسها بما يشبه العمامة, هذه المرأة حديثة النعمة تعتبر أخت والدة منارة الغير شقيقة مباشرة , من البكس نزل أيضاً زوجها أما بقية الرجال فقد ترجلوا من الحافلة وبحلاقيم كبيرة أعلنوا .... (الفاتحة) و فتحوا اياديهم مرددين في كورال جماعي (اللهم ارحمها و اغفر لها) .... لم يجدوا متسع من الأرض يحوي قفاطينهم النظيفة و لذا أكتفوا بالوقوف رغم توسلات فقراء المزارع بالفرشات و عبارات (يا أخوانا أتفضلوااقعدوا)
أحذر معارك الجثامين .... أحذر معارك الطواحين يا خالد
في الحال بدأت بوادر معركة حول من أحق بالجثمان بين خالة منارة و عمتها و سرعان ما إمتدت السنتها لتشمل جميع الوافدين الجدد متخندقين خلف خالة الجثمان و العمة وحيدة تقاتل في حقها , اما اهل المزارع و عاملات رعايةالكتاكيت و أنا فقد التزمنا الصمت لان الانسان عندما يموت يضحي ملك أهله ويحرم علي الغريب أن يحشر أنفه.... دارت المعركة و فيها اخرج الريفيون اسوا ما يملكون و هو حديث الكل في آن واحد و رفع الحلاقيم بعقيرة المنطق المفقود ....الوافدون الجدد دار كل منطقهم حول برستيجهم الاجتماعي الزائف بعبارات مغلفة مثل (ما في زول من الأهل بعرف الحتة دي .... و البيت هناك الناس كلهم بعرفوه عشان كدا نودي الجثمان هناك), و حينما ردت عليهم عمة الجثمان فيما ما معناه أن هذه المزارع أحتضنتها حية و من العار أن تلفظها ميتة .... و لكن في قانون الغاب دوماً ماينتهي منطق الحديث و يكون فقط منطق القوة و بتدخل بعض الأجاويد تم نقل الجثمان الي ثرايا الاثرياء الجدد .... لم يرافقهم اي من اهل الجثمان الحقيقيون (عاملات رعايةالكتاكيت الباكيات, النساء المتسربلات باحزانهن و ثيابهن المهترئة, الرجال المنهكون و حتي عمة الجثمان تروكها متسربلة بثوب البكاء)..... أودعوهم الجثمان ومعه الكفن و الحنوت و عويل لم يقف حتي توارت الحافلة و البوكس عن الانظار.
|