منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-08-2007, 04:24 PM   #[1]
imported_أمير الشعراني
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أمير الشعراني
 
افتراضي يا ولدى انت حى وللا ميّت؟! في دار العجزة والمسنين: آباء يتسلىّ بهم الموت

[frame="7 80"]
يا ولدى انت حى وللا ميّت؟!
في دار العجزة والمسنين: آباء يتسلىّ بهم الموت

الازهري كان صاحبي لكن أنا زعلان منو..!
ليه؟
عشان طلع الانجليز من البلد ي..!


****
مُحْدَوْدِبٌ يحْبو بـآخرِ عُمره تَعَبَاً
كَما قَدْ دَبَّ مُنحنيَاً
لِيطْويَ رحْلةَ الشَهْرِ الهِلالْ
مَضغَتْه أضْرَاسُ السِنيْنِ
فمَجَّـه عَزْمُ الشَبَابِ إلى احتِضَاراتِ الكَلالْ
***
يده ترجف، حتى الابريق اصبح عليها حمل ثقيل..
واليد الراجفة والقلب الواجف، جزء من جسد عجوز منهوك مسهوك، دهسه الزمن بعجلاته ومضى لا يلوي على شيء..!
بؤس الصورة أزاحة عن عيوننا جمال الاستقبال وخضرة الدار، دار الضو حجوج للمسنين ــ أو الملجأ سابقاً ــ كما اسماها المستعمر فى العام 1928 وأعاد تأهيلها رجل البر والعرفان ــ حيا قبره الغمام ــ الضو حجوج فى العام 1984 فى مساحة تقدر بألف متر فسميت الدار باسمه تكريماً له.
المستعمر الذى خرج من السودان فى العام 1956 مازال حاضراً فى احدى الغرف الصغيرة التى خصصت للمعاقين من نزلاء الدار، حاضر فى ذاكرة (عمار حسن عمار) الذى قال لنا ساخراً بلسان من فعلت الدنيا به الافاعيل:
ــ الازهرى كان صاحبى لكن أنا زعلان منو..!
سألناه مندهشين: زعلان منو ليه؟
فأجابنا بصوت اقرب للهمس المسموع:
عشان طلع الانجليز من البلد ي.. هسع يا اولادى الزمن دا ما اخير منو زمن الانجليز..؟!
(1)
(1800) متر مربع، تربعت فوقها مِحن الدنيا وجفوة الابناء، يرقد المسنون فى مثواهم الاخير ــ او قل قبل الاخير ــ لان رحمة الله وسعت كل شىء، ربما صورة ما من داخل هذه الدار تعيد الى ابن عاق لبه او أهل نزيل يعرفون من كان بينهم يسعى، فيعيدونه إليهم عزيزاً مكرماً وتنقص الدار فرداً وتزيد المروءة فينا وتتمتد.
مبانٍ متراصة فى غير نظام تآكلت حوافها وهى تمد لسانها تسخر من مطر الخريف واشجار يجلس تحتها (بيتر كوين) ورفاقه يقتلون الزمن ويضربون الاسى بـ (البلاطة)، وحدها الضمنة تصنع الفرح والابتسامة ولوقع ضربها على المنضده المتهالكة، طعم ولون ومذاق.
(3)
تسلى بي الموت ..
حاصرني لقليل من الحلم في حلمها
وخيرني الموت مابين أن يشتريني أو أشتريه
تعمدت فيه
وصالحت أخلاقه السيئة
وكل مواعيده المرجأة..
***
هذا حال العم (رمسيس) يتسلى به الموت وهو يغسل ملابس النزلاء ليشترى الموت..
ــ تلاتة علب سجاير ياولدى فى اليوم، وفى الصورة تظهر علبة واحدة وكبريتتين..
بربكم من لهذا الرجل !..
سألته المشرفة على الدار مداعبة:
ــ انت ياعم رمسيس طوااالى بتغسل؟!
فرد فى سخرية:
انتى ماعااارفة البير وغطاهو يا بتّي ..!
***
والمشرفة عارفة ان (رمسيس) الذى جاء السودان من شمال الوادى وكان يقطن الخرطوم (3) قبل ان تتآمر عليه الدنيا وتفعل فيه فعلتها ويتناساه عارفي فضله من اهل (الديوم) ..
***
ياعم رمسيس لو أهلك دايرين يسوقوك بتمشى معاهم؟
يجاوب دون اهتمام وكأن الامر لايعنيه بشىء:
ــ لا
وصلة الرحم ؟
صلة الرحم دى حدها الام، وانا أمى ماتت من زمااان..
***
هكذا ماتت فى داخل رمسيس الحياة، يناجى الموت سيجارة تلو اخرى.
(4)
يزحف بدراجة متهالكة يوزع الابتسامة بين اصدقائه، (جيمس ويك كول) ثلاثة اعوام قضاها داخل الدار بعيداً عن الابن الوحيد، مشلول الجسد ومفطور الفؤاد ينطق الحروف بلهجة تستدعى الدموع وتجبر على الانصات:
ــ أنا ما عندى أسرة فى الخرطوم، والجماعة ديل أهلى ..
(ابشر بالخير أهلك واولادك) .. قالها صديقه الذى يقاسمه المحنة وكروت الكتشينة فى حب ووئام ..
جيمس يتمنى ان يرى ابنه الذى انقطعت اخباره ولا يدرى أحيٌ هو أم ميت .. يا لقلبك الابيض يا جيمس !
(5)
إستقبال الدار الصغير اكتظ بطلاب جامعة الزعيم الازهرى ــ كلية التمريض ــ وهم يقيمون اسبوعاً حافلاً داخل الدار يشرفون فيه على صحة النزلاء تحت شعار : نحن لكم أبناء ..
والاستقبال لم يشكو يوماً قلة الزوار ممن خصهم الله بقضاء حوائج الناس واهل الخير والبر، كل على قدر سعته، دراجة لنزيل معاق أو ملابس فاضت عن الحاجة او اكل طيب يرجى ثوابه فى يوم عظيم .
هذا ما يفعله أهل الخير.. ماذا فعلت الحكومة ؟
دعكم عما فعلته فهو واجب عليها .. ماذا تحتاج الدار من الحكومة ؟
ان دار المسنين ببحرى تحتاج لعربة اسعاف واحدة، لحالات المرض والموت .
وتأهيل المشتل لتوظيف الشتول لحديقة الدار وبيع الفائض منها الى مواطنى الحى باسعار رمزية ومشاركة نزلاء الدار فى قتل وقت فراغهم العريض .
(6)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهم، اللهم أعط منفقا خلفاً، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفاً) رواه مسلم
وفى دار العجزة والمسنين فى صباح كل يوم يرفع النزلاء ايديهم بالدعاء للعاملين بدار الضو حجوج الذين ينفقون العطف والحنان عليهم كل صباح دون تذمر حتى صاروا لهم أبناء او اكثر من ذلك ..
وعلى قمة الهرم الاداري، مديرة الدار الاستاذة نجاد الفادنى واميرة محمد بابكر ومعهم ثمانية من ذوى القلوب الرحيمة _ يلبون إحتياجات (59) نزيلاً (25) منهم معاقين_ يستحقون الاحترام والتقدير ..
[/frame]



التوقيع: [frame="7 80"]أنت رحوم إذا أعطيت .. لكن لا تنسى
وأنت تعطي أن تدير وجهك عن الذي تعطيه
فلا ترى حياءه عارياً أمام عينيك
[/frame]
imported_أمير الشعراني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-08-2007, 04:35 PM   #[2]
imported_معاوية عمر
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

شكرا الشعرانى الامير
وانت تنصف عجزتنا
اخوك د.معاويه عمر
(قابل للكسر)
ويبقى بيننا الحكايات



imported_معاوية عمر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-08-2007, 04:40 PM   #[3]
imported_أمير الشعراني
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أمير الشعراني
 
افتراضي

مرحب بيك فى سودانيات ..
ولسه قابل للكسر يادكتور؟!!..



التوقيع: [frame="7 80"]أنت رحوم إذا أعطيت .. لكن لا تنسى
وأنت تعطي أن تدير وجهك عن الذي تعطيه
فلا ترى حياءه عارياً أمام عينيك
[/frame]
imported_أمير الشعراني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-08-2007, 05:02 PM   #[4]
معتصم الطاهر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معتصم الطاهر
 
افتراضي

امير
تحياتى
تعرف يعجبنى تلمسك للقضايا المهمة ..
قضايانا .. الصغيرة ( برؤية البعض) ولكنها جزء أساسى من نسيج المجتمع
فى البال بعض المواضيع .
. سأرتبها معك لأجل تحدى أكبر ..



التوقيع:
أنــــا صف الحبايب فيك ..
و كـــــــــــل العاشقين خلفي
معتصم الطاهر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-08-2007, 10:15 PM   #[5]
imported_جمال محمدإبراهيم
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

مجلة كلمة الشهرية

رئيس التحرير: الدكتور صبـري حـافظ نسخة اللغة العربية
Editor: Sabry Hafez English Edition
العـدد الحـالي

فهرس العدد

دراسات

شعر

قص / سرد

نقد

ملف العدد

علامات

مواجهات

كتب

رسائل وتقارير

أنشطة ثقافية

أعداد سابقـة

روابط ذات صلة

اتـصل بـنا






هذه قصة قصيرة يا أستاذ أمير تناسب ما أثرت .. لا فض فوك ...


الكلمة السنة الأولى عدد 7 يوليو 2007 قص / سرد جمال إبراهيم

حان أوان الذهاب
جمال محمد إبراهيم
________________________________________

(1)
"براون "… ماذا تريد بعد، من هذه الدنيا؟ كان يسأل نفسه هذا السؤال كل صباح تشرق فيه الشمس خلبا في ضاحية "صري"، إلى الغرب من لندن، فلا يكاد يستجلي الإجابة الشافية، التي تطفيء نار التطلع والإكتشاف. اليوم بداية عطلة الأسبوع. يعرف أن إبنه "كريس" ـ كعادته - سيمضى ليلته بعيدا عن بيت الأسرة الصغيرة في "صري". يحسب الجدّ العجوز "براون" نفسه، جزءاً من هذه الأسرة الصغيرة، وليس مخلوقا زائداً، بعد أن تجاوز عمره الثمانين عاما، وأصبح يوما بعد يوم، يراوح في وحشته، وحيدا مثل شجرة برية، لا تكاد تكيّف إنتماءها للمزرعة المحيطة بالمنزل المترامي الأطراف، مثل غيره من بيوت الريف الإنجليزي. "براون" عجوز مثير للعجب. يماثل إعتماده على نفسه بطريقة عشوائية، إعتماد الشجرة البريّة على ما تجود به السماء من مطر الرحمة، وما ترسله التربة الضنينة من غذاء، يسري في العروق الشائخة، فلا يسمن أويغني أويحيّ الأوراق المصفرة. كلا لم يكن "كريس" - مع حرصه على الإهتمام بزوجته "إليزا" وإبنه "جيم" ـ يبدي أقل التفات إلى أبيه "براون". بعد سنواته الطويلة هذي، ليس لـ "براون" إلا أن يستسلم لإهمالٍ راتب، وإغفال ٍ مؤسس، وتجاهل ٍ يليق فقط بالأشجار البرية أوالنباتات الفطرية، التي تتخلق بلا مبررات، بلا حيثيات. لا معنى لوجودها، ولا مغزى في استمرار بقائها على هذا النحوالمستفز ّ، الذي يجافي النظم والنواميس، ويقترب من خلود غيبي، لا يؤمن به أناس من شاكلة إبنه "كريس" وزوجة إبنه الغريبة " إليزا ".. ـ هيا يا "جيم".. أعرني أذنيك! دعني أكمل لك قصة ذلك المصري المجنون الذي كان مفتشا للقطارات بين بورتسودان وأركويت .. هل سمعت بهاتين المدينتين من قبل.. ؟ هما في شرق السودان.
لم يبق لـ"براون" غير حفيده "جيم"، يلقي على أسماعه بحكاياته الشائقة عن مغامراته الطريفة، في المناطق النائية في أفريقيا. يسمع "جيم" أسماء أماكن وبلدان، لا يجد لها معنىً في قاموسه الجغرافي البسيط. لا تماثل حكايات جده إلا تلك القصص التي حكاها لهم مدرس الجغرافيا في المدرسة عن "ليفينجستون": رجل مغرم باكتشاف الأصقاع البعيدة، حيث يعيش أناس مختلفون، يأكلون طعاما غير مستساغ.. يسكنون بيوتا بنوها في الغاب، مع الكواسر، أوهم في خيام يضربونها في الصحراء، مأهولة بالثعابين والثعالب والذئاب غير البشرية. دائما ما يختفي "كريس" و"إليزا"، إلى مخابيء مريبة، في عطلة نهاية الأسبوع، تجمعهما مع أناس آخرين يشبهونهما في كل شيء: في الهندام .. في احتساء النبيذ بلا حدود .. ثم في التبرم من الأشجار البرية، التي تشمخ في اعتداد، في المزارع الخضراء، وقد انقضت أعمارها الإفتراضية، وتثاءبت العصافير فوق أغصانها العجفاء، إذ لم تعد هنالك من ثمار تؤكل، أومن رحيق يثير السقسقة ويستدعي الغناء. لكنهم يتبرمون منها.
ـ هيا.. أعرني أذنيك يا "جيم".. !
ويفتح الساحر صندوقه، فتطير الحكايات عن الأمكنة النائية تباعا. ثمة سحرة يدلفون إلى القصص فتتلون بمناديلهم. ثمة وحوش وكواسر. ثمة أنياب تنهش وأظلاف تركل. ثمة نساء طيبات ورجال فاسدون. ثمة مصريون في محطات بعيدة، عند "هيا"، في تلال البحر الأحمر. ثمة مهاجرون قادمون من أصقاع السافانا، فيما وراء غرب السودان. ثمة سودانيون سمر يتحدثون العربية وآخرون يتحدثون الإنجليزية، بمثلما تجري على ألسنة الإسكتلنديين. ثمة آخرون، قادمون من أمكنة لا يعرف لها أسماء، يلغزون بألسنة، لا عربية ولا إنجليزية، رطانة محضة.

(2)
قال "مختار" محدثا نفسه: ماذا تريد مني هذه الدنيا ؟ لقد خبرتها وخبرتني. أتلفتها وأتلفتني. بعتها الهواء، فباعتني الخواء. جبت الفيافي والقفار، وظفرت بصحبة بريطانيين، أفدت منهم خبرة في تسيير السكة الحديد، وقد كانت عصية علينا، أول أيامنا. ثم في آخر المطاف، ما لي من مكان غير الخرطوم. أواه من "خرطوم " هذا الزمان. ليست هي الآن المدينة التي عشقنا في سنواتنا الغابرة: يا "حليل " الإنجليز.. !يهمهم إلى نفسه، ويحرص أن لا تفلت همهمته إلى أذن خائنة. كان في سنوات صباه عاشقا للخرطوم، يستنشق في شارع فيكتوريا، هوائه المنعش .. يتمخطر بالشورت الخاكي والقميص الأبيض الحليبي، فيحسده، على تقليده ملبس الأفندية والإنجليز، الباعة أولاد البلد في الحوانيت المطلة على" ميدان عباس". لم يكن هنالك من تزاحم في الطرقات. كان السوق، بضعة حوانيت تباع فيها الفاكهة والخضر والملبوسات.. والمسجد الجامع يتوسط الميدان، شيده "ملك مصر والسودان" .. ثم هناك "مقهى الزيبق". بعيداً منه، بضعة مساكن بالآجر، بناها إنجليز وشوّام وتجار من "أولاد الريف".. تمتد على طرقات، شقت على نسق علم الإمبراطورية. ثم السكة حديد، مهيبة في إطلالتها البعيدة على "سراي" الحاكم العام.
لا يكاد يوسف أن يصبر للإستماع إلى حكايات والده "مختار". لا يطيق أن يرى التاريخ يجالسه صباح مساء، إذ هولم يكن في الأصل من عشاق التاريخ أوالجغرافيا، ولم يكن يحذق إلا الرياضيات، فأكمل تعليمه الثانوي، ليصير محاسبا صيرفيا مجيداً. أما التاريخ فلا. الجغرافيا ؟ تلك علوم وأمور يرى في الإنسياق وراءها مضيعة للوقت، وإهدارا للمواهب، فيما لا يفيد. ما كان يطيق قصص والده عن "أيام الإنجليز". لا يخفي تبرما من الحكايات، لكنه يدفع بأبنه "سامي" ويشجعه تشجيعا وثيقا، للجلوس والإستماع إلى جده "مختار"، فلا يقدر الصبي على المقاومة، فيصابر مستمعا، يؤنس وحشة جده في "الخرطوم تلاتة ".
ـ أجلس إلى "السردار" يحكي لك حكايات لن تملّ سماعها، يا فتى. إن لم يكمل لك حكاية المصري الساحر، في المحطة بين "هيا" و"سنكات "، فلن تظفر بإجازتي لك للإستمتاع باللعب مع أقرانك في الحي، وإني أعرف غرامك بذلك !
" مختار السردار"، ذلك كان اللقب المحبب الذي ينادي به يوسف أباه، وقد سمع به من أقران أبيه في إدارة السكة الحديدية، قديما قبل إستقلال البلاد عن بريطانيا. لا يصرّ يوسف على إجبار "سامي" على الجلوس والإستماع لحكايات العجوز، إلا لأنه لا يرغب في السماح لإبنه بالخروج مبكراً للعب مع الأولاد في الحي..
ـ هيا يا "سامي"، أحضر لي كرسي القماش. رتب لي جلستي، وقل لل"حاجة " أن تعد قهوة تركية لجدك، ثم أعرني بعدها أذنيك أيها الفتى. عندي لك قصة جديدة، بطلها هذه المرة "مستر براون" .. الداهية "براون"!
ولم يكن سامي مهتما بنيل الجائزة التي مناه بها جده. "السردار" قابع في الدار، مثل شجرة سنط راسخة الجذور، ضاربة في عمق الأرض، سامقة ممتدة الأفرع، ترى الغرف صغيرة متحلقة حولها. "يوسف" و"صالحة " والصبيان، هم قطط وهررة، تمؤ تحت ظل شجرة السنط. للشجرة وجود محسوس. يحترمها أهل البيت، فوق حبهم لها. ليس في غابة الخرطوم شجرة في مثل عمرها، تترك مهملة.. شجرة سنط كانت أم شجرة نيم، سروة كانت أم نخلة. حتى العشوائي من الكائنات، يجد له مكاناً في الإنتظام وفي الإهتمام. حتى الضحكة، تجد الفم الذي ترتسم عليه، حتى الدمعة تجد الخدّ الذي تتحدر عليه حزناً، حتى النبض العجوز، يجد القلب الذي يطرب في أنحائه.
جلس "سامي" القرفصاء وقال:
ـ هيا يا جدّي.. أحكِ لي.. !
واستدار "السردار" إلى جرابه يفحصه. أدخل كلتا يديه منقبا. يعرف أنها لن تخرج خالية. هنالك دائما القصص الذهبية. الحكايات الفضية. النوادر البرونزية. الأبطال الذين دائما ينتصرون. السحرة.. ودائما يلتقون حكاياتهم. خط السكة الحديدية، دائما تسير عليه القاطرات، بلا كلل. في كل رحلة حكاية بلون الذهب. حكاية بلون الفضة. حكاية بلون البرونز. السحرة عادة يتجولون في الخلاء بين محطة ومحطة. فيهم عمال " الدريسة ". ثمة مفتشون يسكنون الفيافي، تؤنس وحدتهم قطط وأرانب أحيانا، وأحيانا أخرى يجالسون المفترس من مخلوقات الله. يتبادلون النكات وحراسة بعضهم بعضا. ثمة محطات تجتازها القطارات، ولا أحد فيها. ثمة مفتشون إنجليز.. لا يأبهون للمخاطر. ثمة رجال دهاة، فيهم واحد إسمه مستر "براون". ذلك رجل ليس مثل الآخرين، فيما يحكي "السردار " لحفيده "سامي"..

(3)
أشهر الصيف في ضواحي لندن، شديدة الوقع على ذاكرة العجوز "براون". يهرع "كريس" إلى المركز التجاري الكبير في " صري "، ليبتاع مروحة أومروحتين، كلما دنت الأيام المزعجة على مقياس الحرارة. يبتسم العجوز ويهمهم إلى حفيده "جيم "، عن أيام شبابه في خدمة الإدارة البريطانية في السودان. كان في قسم الهندسة في إدارة السكة الحديدبة:
ـ أيامها أيها الفتى، ما كان يرهبنا إلا إلتهاب السحايا. لكننا احتملنا ذلك الطقس المزعج. من لا يتبع النصائح الصحية، يلقى حتفه لا محالة.. ! يجزع الصبي "جيم". ما سمع عن وباء السحايا إلا من جده الآن. ـ كان معنا في الإدارة الهندسية بعض "أولاد الريف" من المصريين. خوفهم من ضربة الشمس، يماثل خوفهم من الوحوش الكاسرة. كنا أفضل منهم في تحملنا للحرارة، ولمخاطر السحايا. كنت أنا في معية عمال" الدريسة "، في الصيف الحار، مثل البطل الهمام.. ينظر إلي المصريون والسودانيون في الإدارة، نظرات إعجاب واندهاش. ما كان يجاريني في التحمّل، إلا " السردار" السوداني. كان رئيسا لعمال "الدريسة"، وخبيرا بأحوال السكة الحديدية، جميعها. كان فذا.. ! يجهد العجوز في شرح مفردات حديثه للصبي "جيم"، وقد بدأ الملل يتسلل إليه، وكاد صبره أن ينفد مع العجوز. رفع الصبي كفا إلى فمه المفتوح ليخفي تثاؤبا طارئا غلبه. لم يكن يريد لجده "براون" أن يلحظ حالته، وقد أخذته التفاصيل توغلا في حكاياته، فهوم بعيدا.. أما "كريس"، فلم تكن تستهويه عادة أبيه في سرد قصصه، خاصة تلك التي تدور حول سنواته البعيدة في أفريقيا.. وقد أضمر أمرا. ولكن كيف يسلك مع إبنه "جيم" ؟ هل سيقتنع بالفكرة التي طافت بذهنه أم سيقاوم ؟ هل سيفتقد حكايات جده.. ؟ هل.. ؟

(4)
قصص الجد العجوز ممتعة في بداياتها. كل شيء يبدوجميلا ممتعا في بداياته. الشمس أجمل في بزوغها عند الفجر، أما عند الظهيرة فهي تتقيح نارا وجحيما. تغدوغير محتملة، مملة. كل شيء يبدوجميلا ممتعا في بداياته. الورد في تفتحه قبل أن يذبل. العمر في عنفوان الشبيبة، قبل اختلاج العيون بضباب الكهولة وسواد الزهايمر. لقصص العجوز في بداياتها، جاذبية وسحر. لكنها الآن صارت مدعاة لإعتلال الصبر ونفاد التحمل. يراها الصبي "جيم" مضيعة لوقت، كان يحتاجه لنشاط ما بعد الدراسة، في مدرسة " صري " التجهيزية المجاورة لمنزل الأسرة، أولزيارة المكتبة العامة في الحي، للإطلاع، أولإحتساء قهوة، أومشروب بارد. أما قصص العجوز "براون"، فهي على طرافتها لم تعد تستهوي "جيم"، على كل حال. صار الجد يعيد القصص، ذات القصص كل يوم. ليس فيها غير المصري الساحر، ثم " مختار السردار " وفريق الإدارة الهندسية، العامل في إصلاح القطارات، ومغامرات خلوية واصطياد فهود ونمور وثعابين، تتجمع حين تتوقف عربات القطار بسبب أعطال طارئة.. يغرق العجوز في تفاصيل السرد، كل مرة يعيد فيها حكاياته، يصارع الأيام والنهارات التي تنهش ذاكرته نهشا منظما.. لكنه يتشبث ب "جيم". يعلق حكاياته على أذني "جيم".
ـ هيا أعرني أذنيك.. !
لكأنه الغريق يمسك بخيط ٍ واهن، قد يعيده في ظنه المتفائل، إلى برّ الأمان. لكن سنواته التي تجاوزت الثمانين، أثقل من أن تجرّها الخيوط الواهنة المعلقة بأذني صبي، يستعيرها منه صباح مساء. ويعرف العجوز " براون" أنه يدير معركة لا انتصار فيها، لا قبلها ولا بعدها. يعرف أنه الخاسر الأول والأخير. لن تشفع له إنجازاته في مجاهل أفريقيا، أونجاحاته في تلال البحر الأحمر، حين كان في خدمة السكة الحديدية في السودان، وقد امتدت شرايينها شرقا وغربا، وكان ل "براون" سهم في ذلك.. في صباه، كان "كريس" مغرماً بقصص العجوز "براون "، مفتوناً بمغامراته السودانية. لكنه، كلما مرّ عام تلوعام، بدأ هذا التعلق والإفتتان في التهافت والأفول. لم يعد يعر العجوز - وقد صار عجوزا هرما بالفعل - أي أذن، حتى يشرع في غزوها بحكاياته الغريبة: " حكايات كانتربري السودانية "، كان دائما ما يسميها، متهكماً التهكم الذي يقارب الأذى، من العجوز " براون ". مضى أبعد من ذلك، ورشح للعجوز إبنه "جيم "، ليحشوأذنيه بهذه الحكايات.
ـ إنها مفيدة لـ"جيم" وتساعده في تعلم الجغرافيا. إنه الآن أكبر من أن تستهويه حكايات الجن والسحرة. هيا أسرد عليه مغامراتك في السودان يا أبي، ففيها جرعة تربوية.. !
كان"كريس " محقا في زعمه هذا، لكنه في حقيقة الأمر كان يبحث لنفسه عن مهرب لإنقاذ أذنيه من حكايات عجوز، يقف على بوابة الخروج إلى عالم آخر.. ولكن ما كان ممكنا إستمرار الحال على هذا المنوال.. بلا نهايات. لا بد لأي حكاية من نهاية. المآسي تنتهي بدمعة، والملاهي بابتسامة. هذه المرة، راودت "كريس"، فكرة بيت العجزة والمسنين، المجاور في منطقة "بكنجهام شير "، يأوي إليه العجوز الذي تأهب لمغادرة سنواته الثمانين إلى تسعيناته. أن تنتهي حكاية العجوز " براون " في بيت للعجزة والمسنين، فتلك مأساة وملهاة في ذات الحين، محيرة ومربكة. ثمة أناس في " صري " سيبتسمون، إن سمعوا بذلك. كان رؤوفا بأبيه، قد يقولون. آخرون قد يذرفون دمعة أودمعتين. عديد منهم لن يعير هذه النهاية كبير اهتمام.
حين رابطت حافلة بيت العجزة والمسنين أمام الدار، حملق "جيم" في قلق ٍ وارتباك. لم يعرف هل يساعد جده العجوز، يسند خطوته الواهنة حتى باب الحافلة، أم يتمرد على والده "كريس "، ويترك دمعة مهملة تنحدر على خده دون أن يجرؤ على إخفاءها منه، ثم يقول للعجوز الراحل: وداعا.. ربما أزورك عطلة نهاية الأسبوع القادم في دارك الجديدة.. ؟
كيف يغادر العجوز ويأخذ حكاياته معه إلى غير رجعة ؟ سيأخذ معه أيضاً، الساحر المصري، ذلك القابع في محطة بين " سنكات" و"هيا "، على التلال المطلة على البحر الأحمر.. وسيختفي " السردار " في ثياب العجوز الراحل، ولن يلهج لسان العجوز بعبارات الإعجاب بذلك السوداني، رئيس جماعة "الدريسة"، ممن يعملون في صيانة طرق القطارات:"السردار"، قاهر الصحارى المليئة بمخلوقات الله المتوحشة. سيأخذ العجوز "براون" معه، إلى منفاه الذي اختاره له "كريس"، قصته التي لم يكمل سردها على "جيم"، عن الصبية التي عرفها في " كسلا "، وكاد أن يتزوجها، لولا كيد ابن جلدته، المأمور في مديريرية " كسلا"، مستر"ويلكوكس" مع ناظر الحلانقة. لم يستطع "جيم " الصغير، أن يقهر الحزن الذي أطل من عينيه، حين ثبت العجوز "براون" قبعته، ثم حرك كفاً واهنة الأصابع، بإشارات الوداع. حان أوان الذهاب. إختفت الحافلة بالمسنين إلى " بكنجهام شير "، وابتلع الفراغ الذي خلفته، حكايات "براون " السودانية بكامل تفاصيلها. صاح "جيم"، وكأنه في غيبوبة أوحلم، لا يمت للواقع بصلة:
- وداعاً، أيها الساحر المصري.. وداعاً، " مختار السردار ".. !

(5)
في أمسية لم تبعد عنها الشمس الغاربة غير لحظات، تمتم " مختار " ببضع كلمات أفضى بها إلى أذن حفيده وابتسم، قبل أن تختلج عيناه، قبل أن يطلق ساقيه يمددهما، وهوعلى كرسي القماش مسترخٍِ، وقد حامت حوله سحابة من الفرح البراق، الفرح المباغت، الذي يأتي أوان الحزن العميق، فتشتد أوتار النفس، ثم تنفلق السماء إلى ألوانها الحمراء والزرقاء والقرمزية..
ـ أعرني أذنيك يا " سامي ".. !
يمدّ الغريق يداً واهنة، والموج متلاطم لا يرحم. حبل من الحكايات تعبث به الريح. يبعد رويدا رويدا عن اليد الواهنة. الأصابع لم تعد تقوى على الإمساك بتفاصيل السرد.. تقطعت أوصال الحكايات والقصص، إربا إربا. أجفلت من الذاكرة، والموج متلاطم عنيد. ثلة من الإنجليز يهربون في خلاء بعيد، وأناس يسعون للحاق بقطار، يطوي المسافات إلى الوراء.. دخانه - ويا للعجب - إلى الأمام.
ثمة رجل أبيض يطير محلقا، عبر نوافذ عربات القطار، يندلق من أسقف العربات، مثل إندلاق ماء المطر على جنبات القطار:
ـ لا تهلك يا مستر " براون "، لا تهلك.. !
تهرب من ذاكرة "السردار " التفاصيل التي تمنح القصص ألوانها. تبتعد عن الأصابع الواهنة. يسقط "السردار" في التجويف الواقع بين العربة الأولى والعربة الأخيرة، ولا يكاد " سامي " أن يتبينه، فالليل قد أرخى سدوله، والشمس هربت عجلى، إلى مغيبها البعيد، بعد أن استولت على التفاصيل وصادرتها. ذابت الحكايات جميعها في الشعاع المغادر. حان أوان الذهاب بوفاض خال من القصص، خال من التفاصيل. حان أوان الذهاب إلى..................
بقيت دمعة معلقة في خد " سامي ". حان أوان الذهاب، ولا بد من كلمة وداع تليق. في الفراغ الذي امتد بين كرسي القماش وشجرة السنط، لم يكن هنالك من يوثق بعينيه، أوان الذهاب، يشاهد جرح الرحيل. لم يكن هنالك، لا يوسف ولا " صالحة ". لم يكن هنالك، لا "كريس " ولا " إليزا ". "الخرطوم تلاتة " خالية تماما من سكانها. لم تكن " صري " أحسن حالا، ولا " بكنجهام شير ". فقط كان هنالك رجل أبيض، لكأنه خرج من دخان الذكريات لتوه. ثم غاب. صاح "سامي" بأعلى صوت:
ـ وداعاً مستر " براون ".. وداعاً مستر " براون ".. !
الخرطوم 2004



________________________________________

الصفحة الرئسية¦العدد الحالي¦فهرس العدد¦دراسات¦شعر¦قص/سرد¦نقد¦ملف العدد¦علامات¦مواجهات¦كتب¦رسائل وتقارير¦أنشطة ثقافية¦أعداد سابقة¦روابط ذات صلة¦اتصل بنا



التوقيع: http://sudanyat.org/maktabat/gamal1.htm
مكتبة السفير جمال محمد إبراهيم
imported_جمال محمدإبراهيم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-08-2007, 10:38 AM   #[6]
imported_أمير الشعراني
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أمير الشعراني
 
افتراضي

شكرا للاعزاء دوما
********

استاذى معتصم انا على استعداد وطلباتك اوامر .. فى الانتظار

****
السفير جمال لك التحية والاحترام والامانى السندسية

****

الغالى ب غلاتو خالد الحاج:
مشتاق ليك وانت معانا

***

العزيزة الما بتسأل عن قلوبنا
الوحيدة الطال عشان جيتك وقوفنا
سلام وصمت وكفى



التوقيع: [frame="7 80"]أنت رحوم إذا أعطيت .. لكن لا تنسى
وأنت تعطي أن تدير وجهك عن الذي تعطيه
فلا ترى حياءه عارياً أمام عينيك
[/frame]
imported_أمير الشعراني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-08-2007, 12:01 PM   #[7]
imported_رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_رأفت ميلاد
 
افتراضي

العزيز الشعرانى

سعيد برؤيتك مجددآ
الموضوع بكل ما يغطيه من حزن أجده جميلآ جدآ وجود منزل للعجزة ومحاط بالرعاية برغم كل أشكال قلة الإمكانيات . هو حل وبر لإنسان أعطى ولم يجد من يرعاه فى كبره .

الحقيقة بيت العجزة لن يكون بديلآ للإنسان بعد نشاط وعطاء وإنتاج خلاق مهما قل ويظل المحطة الأخيرة قبل الرحيل وفقط إنتظار مهما أحيط به من عناية . أقول هذا وأنا أقارن بين الوضع الذى عكسته وبين بيوت العجزة هنا فى أوربا التى يرتبط بها عملى .

صورتك أقرب الى الإنسانية مما أجده هنا رغم فارق العناية والرفاهية والدروس الأنسانية التى يتلقنها للعاملين . صورة من الداخل لا يراها من هو من الخارج سوى زاهية .

التحية لطلاب حامعة الأزهرى - كلية التمريض - والقائمين على هذا البيت

لك الود كله



التوقيع: رأفت ميلاد
[align=center]
[frame="7 80"]سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن
الشـهيد سـليمان ميلاد[/frame][/align]
imported_رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-08-2007, 03:41 PM   #[8]
imported_أمير الشعراني
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أمير الشعراني
 
افتراضي

لك الود كله
العزيز رأفت ..
شكرا على الاضافة الجميلة يازول يا جميل ..
وكلنا لهم أبناء



التوقيع: [frame="7 80"]أنت رحوم إذا أعطيت .. لكن لا تنسى
وأنت تعطي أن تدير وجهك عن الذي تعطيه
فلا ترى حياءه عارياً أمام عينيك
[/frame]
imported_أمير الشعراني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2007, 12:56 PM   #[9]
imported_معاوية عمر
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أمير الشعراني مشاهدة المشاركة
مرحب بيك فى سودانيات ..
ولسه قابل للكسر يادكتور؟!!..


وسأظل( للكسر قابلا) !!!! طالما أكتب حديث الصمت
شكرا لحكاياتك الرائعه فى (حكايات) الاروع



imported_معاوية عمر غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 02:22 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.