منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-06-2007, 06:23 PM   #[1]
طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية طارق الحسن محمد
 
افتراضي الإنقاذ بعد 18 عاما...وقفة وخواطر تاريخية

[










size=4][align=center]الإنقاذ بعد 18 عاما...وقفة وخواطر تاريخية[/align]
د. محمد سعيد القدال


السوداني 2-5-2007
لعل الوقت لم يحن بعد لدراسة وتقييم فترة حكم الإنقاذ وهي لمّا تزل في السلطة. ولكن سؤالين ظلا يلحان عليّ وأنا اتحاشاهما ما وسعني إلى التحاشي سبيل لأنهما قد يبتعدان بي عن التناول الموضوعي. وقررت أخيرا هذه الوقفة لأقول بعض الخواطر التاريخية، لعل فيها ما يفتح منفذاً لدراسة أكثر شمولاً وعمقاً. السؤال الأول هو: كيف استطاع حزب الجبهة الإسلامية أن يستولي على السلطة وهو حزب صغير ولم يمتلك بعد التأهيل التاريخي للحكم؟ والسؤال الثاني هو: كيف تمكن هذا الحزب من البقاء في السلطة 18 عاماً وربما تمتد؟ ونحن لا نطرح هذه الأسئلة لنعقد محاكمة لفترة حكم الإنقاذ، ولكن لنحاول قراءة التاريخ بعيداً عن الإدانة والتجريم، فهذه سيأتي لها زمانها ومكانها.
بالنسبة للسؤال الأول، نحتاج أن نقف عند مفهوم التأهيل التاريخي للحزب السياسي. والمقصود بالتأهيل التاريخي، أو ما سماه قرامشي هيمنة الحزب hegemony of the party، هو أن يمتلك الحزب نفوذاً راسخاً وممتداً من قدراته الاقتصادية والسياسية، ومن نفوذه في الحركة الفكرية والأدبية والفنية، وأن يتولى مفكروه صياغة كل ذلك في برنامج على امتداد الساحة الفكرية. فيكون له حضوره الآسر وسط الرأي العام، ثم يأتي بعد ذلك الاستيلاء على السلطة بذلك التأهيل، وليس بالتآمر والقوة الغاشمة. وأمامنا البرجوازية الأوربية التي ظلت تتأهل لعقود حتى استولت على الحكم. وقد عبر أحد أفرادها عن ذلك عام 1789 عندما اجتمع البرلمان (مجلس الطبقات) في فرنسا، فوقف يصيح: (ما هي البرجوازية؟ إنها كل شيء، ما هو وضعها الآن؟ لا شيء، وماذا تريد أن تكون؟ بعض الشيء). ولكنها في الواقع كانت تريد أن تكون كل شيء، وكان لها ما أرادت، لأنها امتلكت التأهيل التاريخي. وظلت أحزاب الطبقة العاملة تناطحها في السلطة وتسعى لتتأهل تاريخياً. وعندما تتأهل يكون استيلاؤها على السلطة انسياباً مع حركة التاريخ وليس قفزاً فوق المراحل أو تهريجاً ودجلاً أجوف.
وبمناسبة الحديث عن التأهيل التاريخي، يخطر على بالي موقف الحزب الشيوعي بعد ثورة أكتوبر 1964. فقد خرج الحزب من فترة الدكتاتورية العسكرية نجماً ساطعاً في سماء السياسة السودانية. فشارك في حكومة أكتوبر واكتسح دوائر الخريجين ونافست جريدته الميدان الجرائد المستقلة وبرز عبد الخالق بقدرات كارزمية. واندفع بعض قادته نحو السلطة دون أن يمتلك الحزب التأهيل التاريخي. وأدرك عبد الخالق بنظرته البعيدة خطورة ذلك الاندفاع وحاول لجمه. وتدخلت قوى داخلية وخارجية وحالت دون ذلك، واصطرع الحزب الشيوعي حتى انقسم عام 1970. وكان ذلك هو الفرق بين الثوري والمغامر. وهذه خاطرة عابرة ربما وقفنا عندها لاحقاً وقفة أطول.
فهل امتلك حزب الجبهة التأهيل التاريخي الذي يمكنه من الاستيلاء على السلطة وحكم البلاد؟ لنجيب على هذا السؤال نعود إلى الظروف التاريخية التي نشأ فيها الحزب. برز حزب الجبهة الإسلامية القومية بعد ثورة أكتوبر بقيادة د. حسن الترابي. وكان حزباً صغيراً، رصيده الأساسي في الجامعات والمدارس لأن الحكم العسكري لم يلجم يده مثل الأحزاب الأخرى، ودور الترابي في ندوة جامعة الخرطوم التي كانت الشرارة التي فجرت ثورة أكتوبر الذي كافأه عليه الخريجون بإعطائه أكثر الأصوات في انتخابات الخريجين.
فماذا فعل الحزب بعد ذلك؟ فعل ما فعلته كل حركات الهوس الديني بداية من الإخوان منذ حسن البنا وحتى طالبان، وهو الاتكال على سلطة أقوى تستقوي بها وتقوم بدور مخلب القط، وعندما يشتد ساعدها ترميها أو ربما تنقلب عليها. كان الصراع السياسي بعد ثورة أكتوبر عنيفاً. فالحزب الوطني الاتحادي وحزب الامة يتوجسان خيفة من نفوذ الحزب الشيوعي الطاغي وخطابه السياسي المدوي. فقاما بحله وطرد نوابه من البرلمان. واستغلا حزب الجبهة في تلك المعركة. وزاد اتكال الحزب على تلك القوى السياسية وهو يسير في ركبها. وكان المسرح السياسي يموج بصراعات وتيارات، ولم ينجل الأفق بعد. فوقع انقلاب 25 1969 وقلب الموازين.
ودخل حزب الجبهة مع الأحزاب الكبيرة في معارضة نظام مايو. فشارك في المعارك العسكرية في الجزيرة أبا وفي 1976. وفي ذات الوقت أخذ بعض قادته يتجولون في بلاد البترول ويجمعون الثراء الذي فتحت تلك البلاد لهم أبوابه. وعندما أعلن نظام مايو المصالحة مع القوى السياسية عام 1977، اندفع حزب الجبهة بكل طاقته مع ذلك التيار. وتعامل الصادق المهدي مع المصالحة بحذر، وامتنع الشريف الحسين والحزب الشيوعي عن الدخول فيها.
وأخذ قادة الجبهة يدبجون الحجج لتبرير دخولهم المصالحة والإشادة البلهاء بنظام نميري. فقال الترابي في أول لقاء مع نميري إنه لمس حرص الرئيس على بناء المجتمع الموحد الفاضل وتأسيس كيانه القانوني. وإن التزام الرئيس تجاه أمته جاء متسامحاً وسخياً عكس الظنون التي توهمت أنه سيلجأ للبطش بمحكم ثقافته العسكرية. وقال وقد انكسرت شوكة الطائفية اليوم وتهيأت حركة سياسية حديثة نحو الإسلام مبرأة من الجمود والقيود. وإن الفراغ السياسي بالتمزق قد ملأته ثورة مايو حتى وصلت إلى شموخها الحالي. وقال أنهم لا يكادون يختلفون مع الثورة إلا في قضايا فرعية لا ينفك الناس على الاختلاف حولها. وأشار إلى أن دواعي لقائه مع الثورة تعود إلى اتجاه قيادتها نحو المنهج الإسلامي في سلوك القادة وتربية المجتمع وأوضاعه التشريعية. (نص الأحاديث في جريدة الأيام).
وقال يس عمر الإمام أحد قادتهم في تبرير تصالحهم مع النظام: لقد تصالحنا نحن الإسلاميين مع النظام، وأن من مقتضيات الحكمة ألا يعرض الداعية نفسه إلى خطر الإصابة بالإدمان السياسي. فالمصالحة في المقام أول استجابة للمبدأ القرآني الذي يحكم مبدأ التعامل السياسي مع الخصوم، فطالب المسلم بقبول مبدأ فض المنازعات بوسائل السلم لا بالإضراب. والمصالحة أصل في الإسلام وواحدة من ركائز النهج الإسلامي. ويمضي فيقول: إن الجماعات الإسلامية التي ظلت تعارض الأنظمة، تخدر وعيها بفقه المعارضة، فأورثت أبناءها تقاليد في العمل السياسي قائمة على مناهضة الأنظمة الحاكمة على إطلاقها، وهؤلاء لم يحاولوا أن يكتشفوا أو يتعرفوا على فقه المصالحة الثابت الأصل في الإسلام. ويبرر معارضتهم السابقة لنظام مايو فيقول: إنهم حين دعوا إلى تكوين جبهة وطنية عام 1969، لم يعقدوا حلفاً مقدساً بين أعضائها ولم يكن حلفاً مقدساً لإسقاط النظام، وإنما كان تجمعاً لأطراف المعارضة حول برنامج العمل السياسي المشترك. (الأيام يناير 1980)
ونحتاج أن نقف ملياً أمام هذه التصريحات.
د. محمد سعيد القدال
السوداني 6-5-2007
تناولنا في الحلقة السابقة بعض تصريحات قادة الجبهة الإسلامية عندما تحالفوا مع نظام مايو. والتحالفات أمر مشروع في العمل السياسي. ولكن تبرير ذلك التحالف دينياً يثير الدهشة إن لم يثر ما هو أسوأ من ذلك. فالمصالحة مع نظام مايو لا علاقة لها بالقرآن. إن إقحام الدين في السياسة من أخطر الكوارث التي يمر بها العالم الإسلامي، ومن أكبر المحن التي شهدها السودان. وكان حزب الجبهة قد تدرب على هذا منذ حل الحزب الشيوعي عام 1965، ويبدو أته استمرأ الأمر. وكانت تلك هي بضاعته التي تاجر فيها في سوق السياسة.
الأمر الثاني أنهم ذهبوا في تبرير قبول المصالحة مع نظام مايو أنها أتاحت لهم فرصة العمل العلني وشبه العلني لتقوية تنظيمهم، مهما كانت طبيعة النظام الذي يعملون في ظله. فاحتلوا مناصب مهمة في الدولة. فأصبح حسن التربي عضواً في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، ثم مشرفاً سياسياً على دارفور، ثم نائباً عاماً، ثم مستشاراً لرئيس الجمهورية. وتعين أحمد عبد الرحمن وزيراً للشئون الداخلية، وعين يس عمر الإمام وسعاد الفاتح عضوين في مجلس الشعب. وفي عام 1980 أصبح يس عمر الإمام رئيساً لمجلس إدارة جريدة الأيام الحكومية. وبلغ شهر العسل ذاك قمته بانفتاح الأبواب على البنوك الإسلامية، التي عمل فيها جماعة الجبهة بهمة وراكموا ثراءً عريضاً. إن الفيلية هي زاد حزب الجبهة الأساسي في تطورها السياسي.
ثم أخذ قادة الجبهة يتبارون في الإشادة بنميري. فكتب يس عمر الإمام عن كتاب: النهج الإسلامي لماذا؟: الذي صدر باسم نميري يقول: (إن الكتاب انفعال كثيف بتجربة أمة في مرحلة دقيقة من تاريخها، ورؤية في قلب الأحداث لرائد كان له النصيب الأول في صنعها... ويكتسب مؤلف الأخ الرئيس أهميته كسفر تاريخي غير مسبوق في فكره ومحتواه (التشديد من عندي). وكتب موسى يعقوب يقول: إن نميري مسلم يسهم في بلورة الصحوة الإسلامية بفكره، وإنه بدأ الهجرة من منطقة المسلم العادي إلى منطقة المسلم العامل الملتزم (جريدة المسلمون، يونيو، 1982). ووصف الترابي نميري بأنه مجدد هذه المئة، أي أنه الإمام الذي يأتي على رأس القرن الهجري ويجدد الإسلام.
وعندما أعلن نميري قوانين سبتمبر عام 1983، التي سميت الشريعة ودفع الأستاذ محمود محمد طه حياته ثمنا لمعارضته لها، قال الترابي إن تلك القوانين جاءت بركة ضخمة، وأن الرئيس قاد الاتجاه السليم في المجال الاقتصادي والنمط السلوكي الرشيد في القيادة وفي مجال التشريعات بوجه حاسم لم يسبقه إليه أي حاكم من قبل. وتنصل عن حزبه وقال إن الذين ينسبونه إلى الإخوان المسلمين أرجو ألا يكونوا يقصدون طائفة منكفئة على نفسها تنتهز الفرصة للاستيلاء على السلطة!!. (التشديد والتعجب من عندي).
ووصل تلاحم جماعة الجبهة قمته عند مبايعة نميري إماما للمسلمين في قرية أبوقرون. فكتب يس عمر الإمام يقول: انهمرت الدموع في إبي قرون وهي تستعيد ذكرى السيرة العطرة ومواقف الصحابة في بيعة الرضوان... وتحرك رئيس الجمهورية وسط الناس يحيط به الحراس... البيعة عهد سياسي يقوم على ركائز الدين.. وأمر البيعة لا يستوي إيمان المرء إلا به.
وجعلهم عمى السلطة يسكتون على هجوم نميري المتواصل عليهم بعد أن أطل الصراع على السلطة برأسه. بدأ الهجوم تلميحاً، ثم أصبح أكثر وضوحاً. فقال في اجتماع القيادة المركزية للاتحاد الاشتراكي: (قسوت على بعض المرجفين والعملاء الذين باعوا أنفسهم وباعونا لغير هذا الوطن ولغير ديننا الحنيف، إنه النفاق... وإنني والشعب معي نعرف خداعهم في المظهر ونعرف زيفهم في الحياة وكذبهم في المعاملات... ونعرف من أين يأتون بالأموال وكيف أن مشاريع الثورة التي قصدنا بها تركيز الاقتصاد صارت مشاريع في أيديهم).
وفي فجر 11 مارس 1984 انقض نميري على حلفائه واعتقل قادة الصف الأول والثاني الذين عثروا عليهم. واندهش بعضهم لهذا الانقلاب المفاجئ، حتى أن أحدهم طلب من رجل الأمن الذي اعتقله أن يسمح له بالاتصال بالرئيس، فقال له إن الرئيس نفسه هو الذي أمر بالاعتقال. وأذاع نميري بيانا هاجم فيه حزب الجبهة قائلا: إنهم يتسترون بالإسلام لتقويض منجزات الشعب، وارتضوا المصالحة لتحقيق مآربهم السياسية، وشاركوا في تطبيق الشريعة الإسلامية بغرض التغول على مكتسبات الشعب والقفز للسلطة باسم الدين. وقال إنهم جماعة شيطانية، وهم أبعد الناس عن الإسلام، ويعملون من أجل تحقيق أهدافهم الرخيصة من خلال الدعوة بتجديد الإسلام، واتخذوا التطرف والتعصب والزج بالدين لكسب جولات سياسية. وأنهم بذروا الفتنة في الجنوب والشرق والغرب، واحتكروا السلع الاستراتيجية كالذرة والفول، وحولوا المصارف الإسلامية إلى قلاع مقفولة لهم وتلاعبوا بالنقد الأجنبي، وأدخلوا السلاح إلى السودان عن طريق دولة ترعى الإسلام.
الأمر الثالث الذي يثير الدهشة، أن قادة الجبهة الإسلامية بعد أن رفعوا نميري ونظامه إلى عنان السماء، انقلبوا 180 درجة وانهالوا عليه بعد سقوطه عام 1985. فأصدروا عدداً من الكتب، منها كتاب د. الترابي بعنوان: الحركة الإسلامية في السودان، التطور، المكسب، المنهج. الخرطوم 1990. وكتاب د. حسن مكي: الحركة الإسلامية في السودان: تاريخها وخطابها السياسي. الخرطوم 1990. وكتاب محمد وقيع الله: الإخوان وسنوات مايو. الخرطوم 1988(سوف نستعرض هذا الكتاب بالتفصيل في مقال منفرد). ونشروا العديد من المقالات في الصحف التي كان يسيطر عليها النظام وأوكل إليهم إدارة بعضها. فكتب الترابي يقول إن المصالحة مع نظام مايو أثارت خلافاً حاداً في التقرير الفقهي السياسي، وذلك نظراً لطبيعة النظام غير الديمقراطية وغير الإسلامية ولثارات الحركة من تلقائه ظلامات في الأموال والحريات والعروض والدماء. (ص195). ويحشر الإسلام هنا أيضا للمزايدة السياسية. ولا ندري إن كانت تلك الخصال قد تم اكتشافها بعد سقوط نظام مايو، أم أنهم وقفوا عليها أثناء مشاركتهم له في الحكم وسكتوا عليها؟ ماذا نقول في هذا التناقض الفاضح؟
مازلنا خلف السؤال الأول وهو: كيف استطاع حزب لا يملك التأهيل التاريخي أن يستولي على السلطة؟ فرأينا في الصفحات السابقة كيف تطاول الحزب عام 1964 من حزب صغير إلى حزب يشارك في سلطة مايو ويرفعها إلى أعلى ثم يصطرع معها، ويحني ظهره للعاصفة.
يتضح من هذه المقتطفات أن حزب الجبهة يريد السلطة بأي ثمن. فلم يكترثوا لأي معايير. وإذا كانت عائلة الهبسبيرج قد تزوجت طريقها إلى العرش كما يقال (married their way to the thrown)، فإن حزب الجبهة شق طريقه إلى السلطة بالنفاق الأعمى والتجارة بالدين. وكان نميري من أكبر تجار الدين، فلم تسلك بضاعته طويلاً معه.
وسقط نميري، وخرج حزب الجبهة إلى فترة الانتفاضة. فكيف سار تاريخهم في ظلها؟


مازلنا خلف السؤال الأول وهو: كيف استطاع حزب صغير لا يملك التأهيل التاريخي أن يستولي على السلطة في بلد بلغ فيه الوعي السياسي ذرى عالية. فكان أول بلد أفريقي ينال استقلاله، ودحر نظامين عسكريين في ثورة أكتوبر وانتفاضة إبريل؟ كانت وسيلة حزب الجبهة الأساسية التقرب للقوى الحاكمة والاستقواء بها. والوسيلة الثانية المتاجرة بالدين. والثالثة رأس المال الطفيلي. وقد تجلت كل هذه الوسائل بعد انتفاضة أبريل. ولم يرتكز على قاعدة شعبية واعية يعتمد عليها في عمله السياسي. وهذه نقطة الضعف الأساسية في عمل هذا الحزب، فالعمل السياسي لا يدار فقط بالسلطة والمال والتآمر والشعارات البراقة الخالية من المحتوى.


فماذا فعل حزب الجبهة بعد انتفاضة أبريل؟ وجد الحزب في المجلس العسكري الذي استلم السلطة بعد نميري وسيلته الأساسية. ودعمهم المجلس لأنهم كلهم من سدنة النظام المايوي. ولعب لهم اللعبة الأساسية في قانون الانتخابات. وصرف المجلس النظر تماما عن إزالة آثار مايو، واعتبر أن الإطاحة بنميري تكفي لإرضاء الناس، وترك كل شئ على حاله.


وجاء الصادق المهدي للحكم ولم يكن أفضل من سابقيه، بل لعله نزل درجة أخرى. فلم يتعرض لإزالة آثار مايو. وذهب أبعد من ذلك فأدخل حزب الجبهة للحكم. وتلقى حزب الجبهة الدعوة بشغف لعل فيها ما يطهر أرديته من دنس التعاون المايوي. ونجد في كتاب د. عبد الرحيم عمر محي الدين بعنوان: الترابي والانقاذ: صراع الهوية والهوى، طرحا للأسباب التي جعلت الجبهة تشارك في الحكم.


وواصلت الطفيلية عربدتها في اقتصاد البلاد. وكنت قد نشرت مقالا في جريدة الميدان بتاريخ 21\11\1988 بعنوان: (لجبهة الإسلامية القومية ومرحلة العد التنازلي). وقلت في نهايته: (إن حديث الطفيلي عن عدالة الإسلام يثير السخرية والاشمئزاز، ويثير الرثاء أيضا). وقلت إن بقاء الطفيلي يعتمد على استعمال العنف. وهكذا انفتحت السبل للحزب ليصارع في الساحة السياسية بأدوات لا تمتلكها الأحزاب الأخرى.


ولأن الطفيلية دورة عمرها محدودة، فلم يستطع الحزب أن ينتظر الانتخابات والعمل السياسي الصبور طويل النفس. فاختصر الطريق بالانقلاب العسكري. وعكف على دراسة الانقلابات العسكرية السابقة وأسباب فشلها بداية من انقلاب علي حامد عام 1959 ثم انقلاب هاشم العطا وحسن حسين محمد نور سعد. فتم استلام السلطة بلا قاعدة جماهيرية واعية وبلا تأهيل تاريخي. وكل الأنظمة التي جاءت للحكم بلا تأهيل تاريحي أوقعت كارثة على بلادها.


ربما لا يكون في الصفحات السابقة إجابة شافية على السؤال الذي طرحناه في البداية وهو: كيف استطاع حزب الجبهة أن يستولي على السلطة؟، ولكن لعل فيها ما يفتح الطريق للبحث عن إجابات أكثر شمولا وعمقا.


نأتي للسؤال الثاني وهو: كيف تمكن حزب الجبهة من البقاء في السلطة قرابة 18 عاما وربما امتد أجلها؟ تكمن الإجابة على السؤال في طيات المنهج الذي اتبعه في العمل السياسي وفي قدراته كحزب لا تأهيل تاريخي له ولا قاعدة جماهيرية واعية يرتكز عليها. فما هي وسيلته إذن في الحفاظ على السلطة طوال هذه السنوات العجاف. كنت أعتقد مثل كثيرين غيري أن بقاء الحزب في السلطة لن يستمر أكثر من أسابيع وربما أشهر، وأنه مثل لوح الثلج الذي يذوب من تلقاء نفسه. وكان سبب ذلك قصر النظر والثقة المبالغة في قدرات الحركة السياسية وكأن تلك الحركة تعمل بالدفع الآلي.


فما هي الأساليب التي اتبعها للبقاء في السلطة طوال هذه الفترة؟ كان الأسلوب الأول البطش بلا حدود لم يعرف السودان له مثيلا طوال تاريخه السياسي الحديث. فضعف القاعدة الجماهيرية الواعية التي يحتكم إليها الحزب ويعطي اعتباراً لرد فعلها، جعل البطش أداته التي يعتمد عليها. فكانت الإجراءات الأمنية في أيام الانقلاب الأولى لا تخلو من مبالغة. صحيح أن الانقلاب يحتاج أن يحيط نفسه بإجراءات أمنية، ولكن المبالغة مدعاة للنفور. فظهرت النكتة التي تقول: بني الإنقاذ عل خمس: قانون الطوارئ وحراسة الكباري والنوم اجباري والمشي كداري والرغيف التجاري لمن استطاع إليه سبيلا. وزج بأغلب القيادات السياسية في السجون، وتم نفي بعضهم إلى سجون خارج العاصمة. وكان ضمن من اعتقلهم بعض قادتهم للتمويه. فكان أسلوب الكذب والخداع والتمويه من الوسائل التي شاع استعمالها.


أما أسلوب البطش البشع فكان الاعدامات الجزافية. فاعدم ثلاثة مواطنين لتعاملهم بالدولار في السوق الأسود. قد يكون التعامل بالدولار ضد القانون، ولكن عقوبة ذلك ليست الاعدام بأي حال من الأحوال، بالذات وأن التعامل بالدولار أصبح مفتوحا، فكيف يعدم به مواطن ثم يصبح مباحا؟ ووصل البطش قمته في اعدام 28 ضابطا قاموا بمحاولة انقلابية في رمضان عام 1990. ومن حق النظام أن يحاكم أولئك الضباط، ولكن المدهش أن تتم محاكمتهم في 24 ساعة. وقد صور محجوب شريف بقدراته الخلاقة تلك المأساة في قصيدة مطلعها:


ما أرخص أرواح الناس إذا ما الحاكم بقى قناص


الليلة الوقفة وبكره العيد


وكعك العيد في الإيد ألغام والحلوى رصاص


النزهة هناك في بحر الدم


الوطن أسوار المدن أقفاص


ووصل البطش انفلاتا أعمى في ما سمي ببيوت الأشباح. وهذه تراجيديا ستكتب فصولها ذات يوم. وقد بدأ بعض من عاشوها في كتابة تجربتهم على الانترنت. ولكن القصة تحتاج أن تكتب كاملة. فقد مات تحت وطأتها شباب نضير، نذكر منهم الدكتور علي فضل ابن العامل الذي صرف عليه والده عصارة جهده، فقضى نحبه في بيوت الأشباح.


وكانت الوسيلة الثانية المتاجرة بالدين بطريقة لا تخلو من تهريج وابتذال، وبطش. والحزب يجيد هذا التهريج والابتذال. فاعتبرت الحرب في الجنوب حربا دينية، فخرج جموع الشباب بالتهليل والتكبير لبقضوا نحبهم في رحاها. واعتبروهم شهداء وأقاموا لهم ما سمي بعرس الشهيد، أي أن الذين ماتوا يقضون أيامهم مع الحور العين. وكتب أحدهم يقول إنهم كانوا يقرأون سورة الأنفال في الغابة وكانت الألغام تتفجر أمامهم. ولم يقل هذا في جمع سري، بل كتبه في صحيفة الحزب أيام حكم الجبهة الأولى. وأدركت وقتها أننا سنمر بأيام عصيبة من التهريج باسم الدين. ثم جلسنا مع الأعداء على طاولة المفاوضات، ويا دار ما دخلك شر!


فكيف تواصل التشبث بالسلطة وكأنها دائمة وليست كما نقول إنها ظل ضحى؟.


د. محمد سعيد القدال[/size]



طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-06-2007, 08:23 PM   #[2]
عصمت العالم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عصمت العالم
 
افتراضي

العزيز الاستاذ طارق الحسن.


لك التقدير لهذا النقل المفيد .والمهم.لدكنور القدال .فى قراءه واضحه لمسارالانقاذ..ولعل الشرح كان ابلغ فى تفسير التفاصيل فى الاستفاده مما كل ممكن فى سبيل انجاح الدعوه..

والتطور الذى رافق ذلك.اريد ان اشير الى فترة البنيه الاقتصاد\يه للجبهه.من خلال السعر الموازى .والبنوك الاسلاميه التى سمح لها .وكان السمسار فى كل ذلك بدر الدين سليمان الذى جنى ثمار سمسرته الان.وهو يقبع كبيرا لمفاوضى منظمةالتجاره العالميه...وما تلى ذلك من استعمالات شتى انواع السناريو المزدوج ادخلتهم الى القصر.وعب النميرى..والفراق الذى صاحب مايو بعد صراعها مع الحزب الشيوعى...وخلو الساحه التى لم يستطيع اتحاد الاشتراكى ان يملأ جوانبها..


ليبقى الموقف فى نهاية الامر على كل ذلك المدى برغم ملفات التفاوض وحسم حرب الجنوب..مرهونا بخدر محدود..وممبرمج..ستاتى نتائجه لاحقا..واشاراتها .الانفراط العرقى الذى اجتاح البلاد .وسمح بكل ذلك..والانفراط الامنى..والانفراط الاقتصادى.وما ترتب على التغيرات الاجتماعيه التى صاحبت كل ذلك الافراز..
لتصل الانقاذ .الى نهاية المطاف .بطريق مسدود ليس فيه من منفذ..يتيح للبلاد الاستقرار والنماء...!!

فالخير مصلوبا على ابواب المدينه...!!


والنهاية بينه..وواضحه..ومؤسفه...!!

لك الاعزاز والامتنان..طارق..



عصمت العالم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2007, 02:08 PM   #[3]
Ayman Adel
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي


ما أرخص أرواح الناس إذا ما الحاكم بقى قناص


الليلة الوقفة وبكره العيد


وكعك العيد في الإيد ألغام والحلوى رصاص


النزهة هناك في بحر الدم


الوطن أسوار المدن أقفاص

*************************

ستظل هذه الأبيات دافعــاً يسمو يوماً بعد يوم..

ونظل جميعاً وقوق تقديراً لعظمه هؤلاء الأشاوس...

بعد أن أرسو لنا قدوة فى أدب النضال ....

وحتماً سيأتى هذا اليوم وننال منهم الذين, كماظل أحد أصدقاء الشهداء يقول لهم :-

حلاوة العيد خليته مراره ..

فى جوف أماتنا إشتعلة نار...

بدل مبروك الناس بتقول التار...

والقاتل يقتل ولو بعد حين

ليكن دافعنا هو أن نمسح الدموع التى نراها يوماً بعد يوم فى عيون أنجال هؤلاء الاشاوس...

ونحفر فى جدار الصمت حتى تخرج جميع الأصوات وهى تنادى بكنس هؤلاء الجبناء..

وهذا ليس ببعيد عن هذا الشعب العظيم ...

وناتى لجرد الحساب ...

ونعد الوطن أنه لن يموت المتيم بعشقه أبداً...


أستأذى طارق عذراً إذا أسهبت فى الكلام العاطفى وإنحرفة عن مسار النقاش الموضوعى...

لكن هذا ما أشعر ...

وهو لا ينفصل عن ما حصده الحكام القناصين ...

فكل يوم يسقط شهيد ليخط بدمه لوحه فى جدار هذا الوطن الجريح ...

ففى كل بيت لدينا شهيد فتى شجاع ...

وسيأتى يوم النصر قريباً لنذهب بهؤلاء إلى مذبلة التاريخ غير مأسوف عليهم...


لك كامل ودى وتقديرى

Ayman



Ayman Adel غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 04:36 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.