أحلام الفتاة في ظل رجل متهالك
[align=center]أحلام الفتاة في ظل رجل متهالك[/align]
... الفتاة السودانية جميلة الانتقاء , تنفتح كل شوارع الأمل و الطموح إلى قلبها . ولكنها تعتلي هرما عاليا في حضرة الرجال الشامخين. و تقبع في أدنى سفوح الجبال في حضرة من عصفت بهم العصور. تفهم كثيرا في السياسة و الثقافة و الحب و الحرب و السلام. تأخذ إشكالا متنوعة كتنوع الفصول , عندما يمتطي الرجال صهوات جياد التنوع وعندما تلون حياتهم تعقيدات السياسة , تقف منصتة عندما يتجادلون في ردهات السياسة , و عندما تذوب أواعي أجسادهم في طنين الثقافة تنعدم الجاذبية فتطفو أعلى المجتمع أو تقبع في القاع.
... لم تتخير الأقدار التي رمت بها في هوامش البلاد . لم تتخير أنواع الموضة التي فرضتها عليها ظروف الرجل الكادح , و لم تختار حزنها الذي ولجت به أوساط الرجال البلهاء. ناعمة الخدين و لكنها خشنة اليدين. لا ينعدم الحب في أواعي قلبها , ولكن خشية الطبع تجعل منها قطة أليفة غير مروضة , يسكنها ألم طويل و صبر مديد و حزن مفرط. عندما تهرب من هذا الرجل البائس من غير قصد تقع في حبائل حبه المرسوم بالمسطرة تحت أنقاض البارود. استبدلت الفتاة كأم و جدة عالم المال و الاقتصاد إلى عالم الحنية و قفلت علية بالمفتاح. سجنته طويلا في قدر اللامعقول طوته بدفتر النسيان. كتب عليه بطولات مترعة مشبعة بحب العشيرة و الأهل.
لم تكد ترى جسدها الحريري و لا رموشها المغزولة بالقدرة الإلهية , فقد حبت و عشقت نسمات المطر و رائحة الطين. حتى حسبت أنه هو غذاء روحها و رضاء جسدها. انحنت على جسد الرجل حتى حسبت إن الجنس و الحب هو ذلك الدعاش , و إن الفحولة هي التلطخ بالطين , و إن الرجولة هي الخشونة و الاحتكاك الأرعن.
رحل هو عن إحباطات الريف التي تربت في كنفها , فبحث عن فتاة الحرير و قائدة الجرأة و رائدة التحدث في السياسة و الثقافة. عكف على سريرها , و لكنه في كل ليلة يعاوده الحنين إلى طين البلدة , فيغمرها بجملة من الاحباطات. فتأبى إن تلاطفه , و تعكر صفو فراشه , ينزع عنها نعومتها و أنوثتها , يتخفى تحت ظلال البنادق , كي يثبت رجولته فتحول عشق الطين و(الطورية) إلى عشق البنادق و بذلة العسكر. هو كذلك الرجل في بلادي عندما تغض الفتاة مضجعه يرحل عن دنيا الوعي , و هي كذلك عندما يخاشنها الرجل ترحل عن جلدها فتلج الشوارع لا تلوي على شيء , تندهش من نظرات الرجال في الأسواق. تتذمر من ذلك الرجل الضاحك الممتلئ صاحبة الكرش و العمامة. الذي يعيش في عفن الخبز و في مجاري السياسة و في متاهات الثقافة. أي فتاة تلك التي تلد ملائكة يمشون في الأرض هونا؟!! و أي فتاة تلك التي لا تفهم السياسة أكثر من منظريها و أي فتاة تلك التي تفهم الثقافة من منابع الشعر و القصة و الدراما؟!!
من غير فتاتنا تلك التي تنام و على خدودها بقايا أدمع و رؤى قاتمة؟!!
من غير فتاتنا التي تتغطى بثوب الهموم و لا يحس جسدها بزمهرير الشتاء؟!!
تعكف كثيرا في محطات مظلمة , تنتظر طويلا صفارة القطار عند الأصيل و السحر, تهجع فقط عند تلك الصفارة عندما تعلم بقدوم زوجها , ليس فرحا و لكن لتريح عقلها من قرح التفكير لينوب عنها في لبس الأطفال و ترتيب البيت. رجل ضخم و لكنه متهالك , يهزم الفتاة في عقر دارها و لكنه لا يستطيع هزيمة أفكاره التي يلدها جسده كل حين. ينكر حقها في الصباح بعد ما إن طال به الليل و هو في فراشها, يحمل عباءته و عصاه لمبنى الجمهورية , ليتقيأ أنفاس النصر المريض على فراش الوطن. يعاشر كراسي الحكم في مراهقة كاملة وعندما يتمكن منه التعب و النصب يسرع إلى معاشرة صاحبة البيت عله يجد المخرج. تدور به عجلة الأيام و هو لا يعرف أعراف الزواج الكلاسيكي . يعشق آيات النكاح من سور القرآن ثلاث و رباع فتمتد يده إلى عرف و حكم الضرورة فيجعلها خماس فسداس... الخ. تموت في كل مرة مخيلة الفتاة في ليلة من ليالي العرب الألفية. فلم يدرك الصباح و لم يفصح عن المباح. فتعلق الفتاة حبها أجراسا على أسواق النخاسين , و تدس كلامها الطبيعي , تنكر ثوب العفاف و تعترف بعوامل التعرية.
... هل لبست من ثوب الغنى ؟ هل شربت من طعم السلام كوبا؟ هل أدركت مواعينها عند قيعان الأرض و لم تجدها إلا سرابا؟ رجلا أهلكته دهاليز السياسة , و ضخمته جداول الثقافة , فأصبح جلده أقسى من قدح السلحفاة. وفكره أقدم من أساطير السعالي , وحبه أقرب إلى العنقاء , و تحالفه مع الثقافة كأسطورة الخل الوفي , و لباسه في السياسة جدل غول أنهكت به ألسنة المجتمع مخيلات الأطفال منذ نعومتها.
فهل يا ترى يعود الرجل ليشابه الفتاة في رقتها و أحلامها بعدما إن يخلع ريش النعام ؟ ليعرف نفسه إما طائر أو ديك جميل الصوت؟ أم انه يواصل في مغامرة الحرب و السياسة و الثقافة التي لم يطبق أحكامها؟
أحمد يوسف حمد النيل / الرياض
|