ذلك اليوم قرر أن يتبع طريقة أخرى معه فاستدعاه وأجلسه أمامه، واستحضر كل مقدراته اللغوية لإقناعه بأن الأمر ليس كما يتخيله. كانت المسألة بالنسبة إليه حاسمة ومصيرية؛ لاسيما بعد أن نبهته نِعْمَات الصَّادِق إلى خطورة أن يكبر ابنهما بهذه الأفكار، وكيف أنها قد تولد لديه عقدة يصعب التخلص منها لاحقًا. بدأ حديثه بإظهار شيء من المحبة وذلك الإشفاق الأبوي الحتمي قائلًا:
- مازلت صغيرًا لتفهم كيف تسير الحياة حسب المشيئة التي أراد لها الله. لقد خلقنا الله مختلفين في كل شيء وثمة حكمة من هذا الاختلاف.
- وما هي الحكمة من أن يكون هنالك أناس بيض وأناس سود؟
- ليس السواد سواد البشرة يا حبيبي، إنما هو سواد القلوب، والله لا ينظر إلى جلودنا ولا إلى ألواننا وإنما إلى قلوبنا.
- ولكن الناس ينظرون فقط إلى جلودنا، لأنهم غير قادرين على النظر إلى ما في داخل صدورنا.
- لا تهتم لهم أبدًا يا حبيبي، إنهم أناس لا يعرفون الأمور على حقيقتها.
- كيف لا أهتم لهم إن كنت أعيش بينهم وأراهم وأسمعهم كل يوم يتغامزون بي وبلون بشرتي؟
- هذا هو الواقع ولا أحد يملك أن يغير واقعه.
- هذا ليس واقعي، بل أنت من وضعني في هذا الواقع.
انتهي الحديث التربوي الذي بدأ سلسًا بأن ربطه ثانية على خشب الغسيل، وجلده بسوط العنج المصنوع من جلد البقر حتى تعب. عندما حاولت نِعْمَات الزُّبَيَر أن تمنعه من ذلك، دفعها بعيدًا، وهو يقول: "هذه نهايتها! ابنك يضع اللائمة عليّ! إنه يحمل طبائع السِّدِرِاب." ثم إنه دخل غرفته وأغلقها من الداخل، وظل يبكي مطولًا، ولم يسمح لأحد بأن يدخل عليه حتى زوجته. كان الأمر جارحًا بالنسبة إليه: أن يعرف أن ابنه يلومه على سواد بشرته، وعنى له ذلك الكثير؛ إذ جدد ذكرى حاول جاهدًا نسيانها والتغلب عليها عندما تقدم لخطبة نِعْمَات الصَّادِق ورفضوه بسبب لونه وقبيلته. عرف أن والدها الصَّادِق ضَوْ البَيَت ظل حتى مماته مؤمنًا بأنه لجأ إلى سحر لا شفاء منه لاستمالة قلب ابنته نِعْمَات، وإنه لولا ذلك لما استحق محبتها إلى أبد الآبدين، ولكن محبة نِعْمَات الصَّادِق المتدفقة له هي ما منحته القوة على تجاوز كل المحن، والتظاهر بنسيانها، ومنذ ذلك الحين جاهد كثيرًا ليقنع أسرتها بأنه أهل لابنتهم. وها هو ابنه عَبْد الوَاحِد الآن، وبعد كل هذه السنوات، يأتي ليفتح الجرح من جديد، ويضعه أمام حقيقة حاول تناسيها، وإبقاءها خارج مجال تفكيره.
أمسكت نِعْمَات الصَّادِق ابنها المعاقب، وعانقته مطولًا بعد أن فكت قيده وهو يتألم من أوجاعه، وراحت تمسح الدماء التي سالت على ظهره وأغرقته بالقبل، قبل أن يفاجئها بسؤاله الباكي: "لماذا تزوجت بهذا الرجل؟" أدهشها سؤاله إلى درجة أنها لم تعرف بم تجيبه في البداية، ولكنها اكتفت باحتضانه بقوة، وهي تردد: "إنها مشيئة الله يا بني، إنها مشيئة الله." رأت أنه مازال صغيرًا ليفهم أمرًا آخر سوى تلك الجملة القدرية التي يمكن فهمها على أنها شيء حتمي لا يمكن السؤال عنه. ما كان له أن يفهم معنى الحب، وإنه شيء غير قابل لمنطق عقلي على الإطلاق.
تذكرت حيرتها التي واجهتها عندما سألها والدها الصَّادِق ضَوْ البَيَت: "ما الذي يعجبك في هذا الأسود أريد أن أفهم؟" لم تستطع أن تجيبه بشيء مقنع، وظلت على موقفها، وهددت بقتل نفسها إن لم تتزوجه أو إن تم إجبارها على الزواج من غيره. كانت لحظات عصيبة جدًا في تاريخ الأسرة، ولكنها انتصرت في النهاية. انتصرت رغم أنه لم يكن انتصارًا حاسمًا، ولكنها فعلت ما أرادت أن تفعله، وتمنت أن تستطيع أسرتها تفهم الأمر، وقبوله مع مرور الزمن.
غاب كَاجُوُمِي وقتها في بكاء مر حتى نام في حضن أمه دون أن يشعر، وكانت نِعْمَات الصَّادِق وقتها تفكر في زوجها، وفي مقدار الألم الذي سببه له ابنهما بكلامه ذلك. شعرت إنه من الواجب عليها أن تتحمل عبء تهدئة الاثنين في وقت واحد؛ لذا سعت إلى تنويم ابنها أولًا ثم إنها حاولت إقناع عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة بأن يفتح لها الباب، ولكنه لم يفعل، واكتفى بأن قال من وراء الباب: "كان يجب علينا أن نفكر بأمر أبنائنا قبل أن ننساق وراء عاطفتنا كالمراهقين." وقفت نِعْمَات الصَّادِق في منتصف المسافة الفاصلة بين الألمين، ولم تعرف ما يتوجب عليها فعله. قالت لنفسها: "لماذا يدفعانني للندم على ما فعلته عن طيب خاطر؟" انزوت هي الأخرى، وراحت تبكي بحرقة شديدة وألم عارم لا تعرف متى أو كيف سينتهي.
|