منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-12-2012, 11:09 PM   #[16]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

ذلك اليوم قرر أن يتبع طريقة أخرى معه فاستدعاه وأجلسه أمامه، واستحضر كل مقدراته اللغوية لإقناعه بأن الأمر ليس كما يتخيله. كانت المسألة بالنسبة إليه حاسمة ومصيرية؛ لاسيما بعد أن نبهته نِعْمَات الصَّادِق إلى خطورة أن يكبر ابنهما بهذه الأفكار، وكيف أنها قد تولد لديه عقدة يصعب التخلص منها لاحقًا. بدأ حديثه بإظهار شيء من المحبة وذلك الإشفاق الأبوي الحتمي قائلًا:
- مازلت صغيرًا لتفهم كيف تسير الحياة حسب المشيئة التي أراد لها الله. لقد خلقنا الله مختلفين في كل شيء وثمة حكمة من هذا الاختلاف.
- وما هي الحكمة من أن يكون هنالك أناس بيض وأناس سود؟
- ليس السواد سواد البشرة يا حبيبي، إنما هو سواد القلوب، والله لا ينظر إلى جلودنا ولا إلى ألواننا وإنما إلى قلوبنا.
- ولكن الناس ينظرون فقط إلى جلودنا، لأنهم غير قادرين على النظر إلى ما في داخل صدورنا.
- لا تهتم لهم أبدًا يا حبيبي، إنهم أناس لا يعرفون الأمور على حقيقتها.
- كيف لا أهتم لهم إن كنت أعيش بينهم وأراهم وأسمعهم كل يوم يتغامزون بي وبلون بشرتي؟
- هذا هو الواقع ولا أحد يملك أن يغير واقعه.
- هذا ليس واقعي، بل أنت من وضعني في هذا الواقع.

انتهي الحديث التربوي الذي بدأ سلسًا بأن ربطه ثانية على خشب الغسيل، وجلده بسوط العنج المصنوع من جلد البقر حتى تعب. عندما حاولت نِعْمَات الزُّبَيَر أن تمنعه من ذلك، دفعها بعيدًا، وهو يقول: "هذه نهايتها! ابنك يضع اللائمة عليّ! إنه يحمل طبائع السِّدِرِاب." ثم إنه دخل غرفته وأغلقها من الداخل، وظل يبكي مطولًا، ولم يسمح لأحد بأن يدخل عليه حتى زوجته. كان الأمر جارحًا بالنسبة إليه: أن يعرف أن ابنه يلومه على سواد بشرته، وعنى له ذلك الكثير؛ إذ جدد ذكرى حاول جاهدًا نسيانها والتغلب عليها عندما تقدم لخطبة نِعْمَات الصَّادِق ورفضوه بسبب لونه وقبيلته. عرف أن والدها الصَّادِق ضَوْ البَيَت ظل حتى مماته مؤمنًا بأنه لجأ إلى سحر لا شفاء منه لاستمالة قلب ابنته نِعْمَات، وإنه لولا ذلك لما استحق محبتها إلى أبد الآبدين، ولكن محبة نِعْمَات الصَّادِق المتدفقة له هي ما منحته القوة على تجاوز كل المحن، والتظاهر بنسيانها، ومنذ ذلك الحين جاهد كثيرًا ليقنع أسرتها بأنه أهل لابنتهم. وها هو ابنه عَبْد الوَاحِد الآن، وبعد كل هذه السنوات، يأتي ليفتح الجرح من جديد، ويضعه أمام حقيقة حاول تناسيها، وإبقاءها خارج مجال تفكيره.

أمسكت نِعْمَات الصَّادِق ابنها المعاقب، وعانقته مطولًا بعد أن فكت قيده وهو يتألم من أوجاعه، وراحت تمسح الدماء التي سالت على ظهره وأغرقته بالقبل، قبل أن يفاجئها بسؤاله الباكي: "لماذا تزوجت بهذا الرجل؟" أدهشها سؤاله إلى درجة أنها لم تعرف بم تجيبه في البداية، ولكنها اكتفت باحتضانه بقوة، وهي تردد: "إنها مشيئة الله يا بني، إنها مشيئة الله." رأت أنه مازال صغيرًا ليفهم أمرًا آخر سوى تلك الجملة القدرية التي يمكن فهمها على أنها شيء حتمي لا يمكن السؤال عنه. ما كان له أن يفهم معنى الحب، وإنه شيء غير قابل لمنطق عقلي على الإطلاق.

تذكرت حيرتها التي واجهتها عندما سألها والدها الصَّادِق ضَوْ البَيَت: "ما الذي يعجبك في هذا الأسود أريد أن أفهم؟" لم تستطع أن تجيبه بشيء مقنع، وظلت على موقفها، وهددت بقتل نفسها إن لم تتزوجه أو إن تم إجبارها على الزواج من غيره. كانت لحظات عصيبة جدًا في تاريخ الأسرة، ولكنها انتصرت في النهاية. انتصرت رغم أنه لم يكن انتصارًا حاسمًا، ولكنها فعلت ما أرادت أن تفعله، وتمنت أن تستطيع أسرتها تفهم الأمر، وقبوله مع مرور الزمن.

غاب كَاجُوُمِي وقتها في بكاء مر حتى نام في حضن أمه دون أن يشعر، وكانت نِعْمَات الصَّادِق وقتها تفكر في زوجها، وفي مقدار الألم الذي سببه له ابنهما بكلامه ذلك. شعرت إنه من الواجب عليها أن تتحمل عبء تهدئة الاثنين في وقت واحد؛ لذا سعت إلى تنويم ابنها أولًا ثم إنها حاولت إقناع عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة بأن يفتح لها الباب، ولكنه لم يفعل، واكتفى بأن قال من وراء الباب: "كان يجب علينا أن نفكر بأمر أبنائنا قبل أن ننساق وراء عاطفتنا كالمراهقين." وقفت نِعْمَات الصَّادِق في منتصف المسافة الفاصلة بين الألمين، ولم تعرف ما يتوجب عليها فعله. قالت لنفسها: "لماذا يدفعانني للندم على ما فعلته عن طيب خاطر؟" انزوت هي الأخرى، وراحت تبكي بحرقة شديدة وألم عارم لا تعرف متى أو كيف سينتهي.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 24-12-2012, 11:14 PM   #[17]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

في اليوم التالي حاول الجميع التظاهر بنسيان الأمر ولم يشأ أحد طرق الموضوع مجددًا، وساد الحذر المطبق أرجاء البيت حتى أن أحدًا لم يتكلم على مائدة الطعام بأي شيء سوى تلك الهمهمات الطفولية التي يطلقها مَرْوَان، الأخ الأصغير لكَاجُوُمِي، بينما اكتفى بقية الأخوة باستشعار جو التوتر الذي ساد البيت بطريقة مفاجئة ومخيفة. ذات التوتر بالنسبة إليهم يسود البيت عادة عقب أي شجار أو خلاف يدب بين أبيهم وأخيهم الأكبر؛ لذا فإنهم عرفوا أن الأمر له علاقة بشجار ما نشب بينهما مجددًا. لم يسمح كَاجُوُمِي لأحد من أخوته أن يقتحم خصوصياته؛ لاسيما إذا تعلق الأمر بخلافاته المباشره مع والده. بطريقة أو بأخرى شعر كَاجُوُمِي بشيء من الحقد تجاه أخوته لأنهم جميعًا أخذوا لون أمهم، ولم يمروا بما مر به، وهو ما صرح به لأبيه عندما سأله: "أنت الوحيد الذي يصدر المشاكل في هذه الأسرة، لماذا لا يتشاجر أخوتك مع الآخرين؟ كن قدوة لهم."

ظل كَاجُوُمِي يعتبر الفترة التي قضاها في ضاحية خؤلته من أسوأ ما مر به في حياته، لولا تلك اللحظات السعيدة والعابرة التي أمضاها بصحبة أبناء خالته امْتِثَال الصَّادِق، وهي ما أصبحت بالنسبة إليه لحظات أثرية ومصدرًا من مصادر السعادة النادرة فيما بعد؛ حتى إنه لا يكاد يتذكر من تلك الضاحية سوى مشاجراته الدائمة مع أطفالها الوقحين. ولم يدم الأمر طويلًا؛ إذ سرعان ما دبت الخلافات بين عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة ونِعْمَات الصَّادِق من ناحية، وبينه وبين امْتِثَال الصَّادِق وزوجها أحْمَد خَيَرِي من ناحية أخرى، إضافة إلى المشاحنات التي تسبب فيها كَاجُوُمِي مع الجيران بسبب مشاجراته المستمرة مع أطفال الضاحية التي قال أهلها إنها كانت هادئة قبل أن تعود إليها نِعْمَات الصَّادِق برفقة زوجها الغريب وأطفالها، فاضطروا إلى بيع بيت العائلة، واقتسام التركة مع امْتِثَال الصَّادِق، والعودة إلى أم لَبَخَة مرة أخرى بعد أن قضيا في تلك الضاحية قرابة السنتين أو تزيد قليلًا.

تلك الأمسية المشؤمة كانت الأسوأ على الإطلاق في تاريخ العائلة الكبيرة عندما بدأت امْتِثَال الصَّادِق مشاجرتها مع عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة ومعايرته بالمنزل الذي وهبه له والدها: "لو كنت مكانك لما توقفت عن الصلاة لله شكرًا على هذه النعمة: زوجة حسناء، ومنزل يرمح فيه الخيل لم تكن تحلم به طيلة حياتك، وكلاهما بالمجان!" ولم تستمع إلى شقيقتها نِعْمَات الصَّادِق التي أمرتها بالتوقف عن مثل هذا الكلام، وحاولت تذكيرها بأن والدهما هو من طلب منهما الحضور والمكوث في المنزل؛ ليس لشيء سوى رعايته في أيامه الأخيرة. قالت: "لو كنتِ أهلًا للمسؤولية لما استدعاني أبي أصلًا." ودب الخلاف بينهما من هذه النقطة، ولم تتوقف الفجوة عن الاتساع حتى ضاق عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة ذرعًا بالأمر، وقرر الرجوع إلى قريته حيث كان من قبل. بدا وكأن الأسرة لم تنس لنِعْمَات موقفها المتشدد من هذه الزيجة، التي رأوا أنها غير موفقة وغير متكافئة على الإطلاق، وكل شيء تفعله لحماية نفسها وأسرتها كان يزيد من قناعتهم بأنه من تأثير السحر الأسود الذي استخدمه عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة. ولسبب آخر تداوله الناس لم يكن للخلاف بين امْتِثَال ونِعْمَات بنات الصَّادِق السِّدِر أن ينتهي بسهولة، ولكنه بلغ حده لدى امْتِثَال الصَّادِق عندما بدأت شقيقتها نِعْمَات بمعايرتها بزوجها السكير، وهو ما لم تستطع تحمله.

يومها أكدت امْتِثَال الصَّادِق، دون داع يذكر، على نصيبها في بيت العائلة الكبير، وأن نِعْمَات الصَّادِق وزوجها استحوذا عليه باستخدم سحر عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الأسود. "لم أر رجلًا أمكر ولا أخبث منك!" هكذا قالت امْتِثَال الصَّادِق مخاطبة إياه، قبل أن تضيف: "ولكن للعائلة رجال يقفون في وجهك." فقفزت نِعْمَات الصَّادِق من مكانها مدافعة عن زوجها، وهي تقول: "من هم هؤلاء الرجال؟ هل تقصدين زوجك السكير؟ أبلغينا رجاءً عندما يصحو." فاستعرت النار بينهما، ولم تنطفأ حتى رحلت نِعْمَات الصَّادِق مع زوجها آخر الأمر.

سافر عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة أولًا، ولم يعد إلا عندما عثر على عمل في محطة لتوليد الكهرباء واستأجر بيتًا بسعر معقول، ثم عاد ليأخذ زوجته وأبناءه مرة أخرى، ولكن كَاجُوُمِي ظل يتردد على بيت خالته في العطل الرسمية، يقضيها مع أبناء خالته الذين أحبهم كثيرًا، حتى انقطع عنهم أخيرًا بعد أن توفيت امْتِثَال الصَّادِق بمرض غريب، لم يستطع الأطباء اكتشافه أو معرفة علاجه، واختفائهم مع أبيهم في ظروف غامضة. حزن كَاجُوُمِي لذلك كثيرًا وعبرت أمه معلقة على حزنه قائلة: "مسكين، كان متعلقًا بأبناء خالته كثيرًا." بعد أشهر من وفاة امْتِثَال الصَّادِق تجرأ عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة وسأل زوجته:
- كنت أظن خلافكما من ذلك النوع الذي لا ينتهي أبدًا.
- الموت يعالج كل الخلافات ويضع حدًا لها. ثم لا تنس إننا شقيقات في نهاية الأمر. هل كنت تريدني ألا أذهب في عزاء شقيقتي؟
- على العكس! هذه واحدة من الأشياء التي أحببتها فيك: قلبك الكبير.

تناقل أهالي الضاحية أن أصل الخلاف بين نِعْمَات وامْتِثَال بنات الصَّادِق السِّدِر بدأ منذ زمن طويل، وبالتحديد منذ طفولتهما عندما كان أبوهما الصَّادِق ضَوْ البَيَت يميل إلى نِعْمَات ويفرط في تدليلها أكثر من شقيقتها، بل وأكثر من ابنه الوحيد مَسْعُوُد الصَّادِق الذي كان الذكر الوحيد بين أختين. وأنه كان يأخذها معه في كل مكان يذهب إليه. يتذكر الجميع ما قاله الصَّادِق ضَوْ البَيَت لصديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر في جلسة سمر مسائية أمام دكان وَدْ البَخِيِت، عندما قال جملته المشهورة: "ما كرهت شيئًا في حياتي كما كرهت الظلم." منبهًا إياه إلى عواقب التفريق بين الأخوة وأهمية العدل بين أبنائه: "هل تنصحني يا أعور، وتريد أن تعلمني كيف أعامل أبنائي؟ لولا أنني أثق بزوجتي أم نِعْمَات (رحمها الله) لقلت إنني لم أنجب منها غير نِعْمَات، فهي أكثر أبنائي شبهًا بي: رزانة وعقلًا وجمالًا." ثم ضحك ضحكته المجلجلة المعهودة، وضحك الجميع بمن فيهم مَسْعُوُد الطَّاهِر نفسه صديقه المقرب وكاتم أسراره.

ثم إن امْتِثَال الصَّادِق استشعرت شيئًا من الغيرة تجاه شقيقتها، وأضمرت أن تتفوق عليها في كل شيء فكان أن تزوجت قبلها، رغم أنها تصغرها بأربع سنوات على الأقل. لم تفكر كثيرًا في اختيار زوجها، لأنها انشغلت بمنافسة نِعْمَات عن أي شيء آخر، وحتى عندما أرادت نِعْمَات الزواج من عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة وقفت موقف الرافض بشدة كما وقف الجميع؛ بيد أنه كان لها دوافع أخرى غير ما للبقية. قالت لها ناصحة ذات يوم: "تصومين تصومين، ثم تفطرين على بصلة؟" فتشاجرتا يومها حتى تدخل الصَّادِق ضَوْ البَيَت بنفسه. انفرد بنِعْمَات قليلًا في غرفته وأخذ يعظها:
- كنت أثق برجاحة عقلك حتى قرارك المشؤم هذا. ما الذي يعجبك في عبد أسود وبإمكانك أن تتزوجي من هو أوسم وأغنى وأشرف منه؟
- ليس للأمر علاقة بالوسامة أو الغنى أو الشرف يا أبي؛ إنما هو شيء لا أملك له دفعًا. ربما لم تعرف الرجل جيدًا وإلا لكنت أحببته أنت أيضًا.
- لا أحتاج لمعرفته؛ فالأمر في غاية الوضوح. لقد خدعك وأوقعك في شباكه بسحر أسود كوجهه. إنهم قوم لا يعيشون إلا بالسحر. قبحهم الله.
- إن الله لا ينظر إلى جلودنا ولا إلى ألواننا إنما ينظر إلى قلوبنا.
- ولكننا لسنا الله، نحن بشر يا ابنتي، والبشر ينظرون إلى ما يبدو أمامهم، ولا نستطيع أن نغمض أعين الناس.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 24-12-2012, 11:22 PM   #[18]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

كانت محنة نِعْمَات الصَّادِق أنها وجدت نفسها في اختيار صعب: فإما والدها وأسرتها، وإما عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الرجل الذي أحبته بكل جوارحها، ورأت إنه الشخص الوحيد المناسب لها، ولكنها لم تتردد كثيرًا؛ فاختارت ما أملاه عليها قلبها، وهربت معه ليلًا إلى قريته، حيث تزوجا، وأرسلت إلى أبيها تطلب منه العفو ومباركة الزيجة، ولكنه ظل على موقفه المعاند، وأعلن على الملأ تبرأه منها، وشعر بشيء ما انكسر داخله. حاول صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر مواساته والتخفيف عنه، فاكتشف أن ما يعتمل داخله أكبر بكثير من مجرد حزن أبوي معتاد، عندما صارحه بقوله: "ما يحزنني أن أرى ابنتيَّ تخفقان في اختياراتهما وأنا على قيد الحياة." فربت على كتفه، وهو يقول بثقة: "أعلم أنك لن تستطيع التبرؤ من إحداهن." اكتفى الصَّادِق ضَوْ البَيَت بأن نظر إليه مباشرة في عينيه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح صراع عضلي محتدم بين الحزن والابتسام، ثم قال: "صدقت هذه المرة أيها الأعور. أنت دائمًا تفهمني، ولا أعلم لماذا أنت بالتحديد!"

تولدت صداقة غريبة وقوية بين الصَّادِق ضَوْ البَيَت ومَسْعُوُد الطَّاهِر في حقبة موغلة في القدم عندما كانا شابين يافعين تقابلا في عراك غير متكافئ بدأه الصَّادِق ضَوْ البَيَت مع مجموعة من الشبان، في حفلة عرس، على فتاة ابتسمت في وجه أحدهم فلم يعرفوا في وجه مَن منهم ابتسمت. أقسم كل واحد منهم بأنها ابتسمت في وجهه هو، وإنه هو الأجدر بها، بينما وقف الصَّادِق ضَوْ البَيَت ليقول بنبرة تحد عنفوانية: "إنها فتاتي حتى وإن لم تبتسم لي، ومن كان يجد في نفسه مروة على منافستي فليأخذها مني بالقوة وليس بشيء آخر." بدأ العراك بين الصَّادِق ضَوْ البَيَت والشبان قبل أن يمر مَسْعُوُد الطَّاهِر مصادفة، وهو يحمل صينية الجِرْتِق بيديه متجهًا إلى سرادق الحفل. يقول مَسْعُوُد الطَّاهِر عن تلك اللحظات:
"ما كرهت شيئًا في حياتي كما كرهت الظلم. كان عرس خالي وَدَاعَة الله الشَّرِيِف ذلك المساء، وكنت عائدًا مسرعًا إلى سرادق العرس حاملًا صينية الجِرْتِق قبل انتهاء الحفل بقليل عندما وجدتهم وقد تكالبوا على أبو نِعْمَات كالنمل، ولم أكن أعرفه وقتها. وللحق فإنني رأيت فيه جلدًا لا يليق إلا بفارس عربي أصيل. كان يمسك بالاثنين منهم كأنما يمسك بعرائس الدمى ويضربهما ببعضهما، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة دائمًا. وضعت صينية الجِرْتِق جانبًا وشمرت عن جلبابي ودخلت وسط المعمة دون أن أعرف من المخطئ ومن المصيب وما أصل الحكاية، ولو كنت أعرف لتركتهم يقتلونه، ولارتحنا منه، ولما فقأت عيني حينها."

يضحك، ويضحك جميع من يسمعونه حتى الصَّادِق ضَوْ البَيَت الذي مازال محافظًا على قوته كأنما راهن الدنيا على ذلك. عندما يهدأ الضحك يرفع الصَّادِق ضَوْ البَيَت رأسه وصدره معًا، وهو يقول: "وقد أسميت ابني على اسمك. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ وليته فلح! لقد أصابته لعنة اسمك عليك اللعنة أبد الآبدين." يرد عليه مَسْعُوُد الطَّاهِر بكل كبرياء: "لو عاشت أختي المَبْرُوُكَة لربته أفضل من تربيتك. خيّبك الله." ولكن الصَّادِق ضَوْ البَيَت يعلق وكأنه كان يعرف أنه سيقول ذلك: "لو كنت أعلم أنها ستموت وتترك لي ثلاثة أطفال في رقبتي لما تعاركت من أجلها في عرس خالك الشَّرِيِف." منذ ذلك اليوم توطدت علاقة قوية بينهما وزاد من أواصر هذه العلاقة زواج الصَّادِق ضَوْ البَيَت من شقيقته مَبْرُوُكَة الطَّاهِر التي ماتت بعد أن أنجبت له ثلاثة أبناء: نِعْمَات وامْتِثَال ومَسْعُوُد الذي لا يعرف أحد عنه شيئًا منذ سافر.

عاد كَاجُوُمِي إلى قريته محملًا بغضب وجراح عميقة، وجد نفسه مضطرًا لمواجتها في سن مبكرة، ثم بدأت المحنة تأخذ شكلها الموضوعي لديه عندما شاهد ما لم يكن يتوجب عليه مشاهدته على الإطلاق. لاحظ كَاجُوُمِي إن علاقته بجده لأمه الصَّادِق ضَوْ البَيَت لم تتعد حدود الأمر والإطاعة:
"احضر كأس الماء."
"لا تغلق الباب بقوة."
"اجلب إبريق الوضوء."
"لا تلعب بالكرة داخل البيت."

لذا لم يستشعر الحزن على فقدانه. حتى هو ظن الأمر متعلقًا بحداثة سنه عندما توفي جده، ولكن كلما كبر في السن كلما تأكد له شعوره تجاه جده العربي، وفي أحيان كثيرة كان يقول لأصدقائه: "أنا سِدِرَابِي، وجدي الصَّادِق السِّدِر." ويبصق على وجهه سرًا عندما لا يجد نفسه مصدقًا لهذا الإدعاء الكاذب. حاول كثيرًا أن يقنع نفسه بواقع الأمر ليريحها من ذلك العنت، ولكنه لم يفلح على الإطلاق، وبقدر ما حاول الانتماء إلى السِّدِرَاب بقدر ما وجد نفسه غير منتميًا لهم؛ بل وكارهًا فوقيتهم التي لا يخفونها عن أحد.

ذلك النهار الصيفي الحار، بينما كان جالسًا في فناء بيت جده الصَّادِق ضَوْ البَيَت يصنع من الطين أشكالًا مختلفة ثم يكسرها ويصنع أشكالًا أخرى، سمع جده وهو يتحدث إلى صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر وهما جالسان تحت رَاكُوُبَة من أعواد الخيزران والخوص المرن: "كنت أتمنى لنِعْمَات زيجة أفضل من هذا، ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه." ثم إنه انتهره وأمره باللعب في الخارج، عندما اكتشف أنه يسترق السمع لما يقولانه. التصقت عبارة "ليس كل ما يتمنى المرء يدركه" بذهن كَاجُوُمِي منذ تلك اللحظة، رغم أنه لم يفهم معناها وقتها، وبدأ يستخدمها بكثرة بمناسبة وبدون مناسبة، حتى عندما انتهرته أمه ذات يوم وسألته لماذا لم يغتسل بعد عودته متسخًا من الخارج، أجابها: "ما يتمنى المرء لا يدركه." أحس بأنه يمكن استخدام هذه العبارة كإجابة رادعة لأي شيء، وكان على يقين بأنها عبارة سحرية لها مفعول نافذ للغاية، حتى وإن لم يدرك معناها الحقيقي على وجه الدقة وقتها، ولم تجابها عبارة أكثر قوة وسحرًا سوى عبارة "إنها مشيئة الله" التي يستخدمها والده كثيرًا.

انتبهت نِعْمَات الصَّادِق لما يمر به كَاجُوُمِي وتحدثت إلى عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة حول ذلك: "ابنك عَبْد الوَاحِد أصبح مفرط الحساسية وانعزاليًا في الآونة الأخيرة، هل هذا أمر جيد أم سيء؟" ولكنه قمع خوفها الأمومي بعبارة عبثية للغاية: "هكذا هم الأطفال دائمًا." لم تقتنع نِعْمَات الصَّادِق بتلك الإجابة، واتبعت حاستها الأنثوية. حلقت شعر رأسه، وألبسته عمامة من القماش الأحمر يتدلى منها عقد من الجلد البقري منته بتمائم وخلاخيل مختلفة الألوان، وأخذته إلى ضريح الشيخ أبُو حَمَامَة الذي تزوره نساء الضاحية كل يوم جمعة بعد صلاة العصر. وقفت أمام الضريح مباشرة، ووضعت كَاجُوُمِي أمامها، وبدأت في التضرع:
"يا شيخ أبْ حَمَامَة
يا صاحب الكرامة
يا شفيعنا مع المصطفى يوم القيامة
جئت أطلب السلامة
لابني عَبْد الوَاحِد أبْ عِمَامَة
أصابته العين اللوامة
اشفه بحق (يس) و (القيامة)
طمن قلبي واجعل لي علامة
"

ثم إنها أخذت من تراب الضريح، وسكبته على رأس كَاجُوُمِي، وراحت تقرأ آية الكرسي والمعوذتين، وكررت ذلك سبع مرات. وكان كَاجُوُمِي وقتها يبكي، وينظر إلى أمه من خلال شلالات الرمل المنكسبة من فوق رأسه، وهو يقول: "ماما .. ما يتمنى المرء لا يدركه!" وهي تكرر: "بسم الله عليك من الهامة واللامة. بسم الله عليك من الناقصة والتامة. حرَّستك بالقرآن وكلمات الله التامة." بدا كأنه جثة تم انتشالها من تحت الأنقاض بمنظره المشعث المغبر ذلك، وراح الأطفال يضحكون عليه وهو عائد مع أمه، وقد علقت العمامة الحمراء على كتفه ليبدو كالدراويش، وأضمر في نفسه الانتقام منهم عندما تنتهي أمه من طقوسها ويرتاح قلبها.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 24-12-2012, 11:26 PM   #[19]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

نِعْمَات الصَّادِق ضَوْ البَيَت، كبقية فتيات الضاحية العربية الصغيرة، لم تنل حظها من التعليم إلا إلى الحد الذي يسمح لها بالقراءة والكتابة، وبالكاد يخرجها من دائرة الأمية. جميلة إلى الحد الذي جعل والدها الصَّادِق ضَوْ البَيَت يشعر بالفخر بأن يتكنى بها، فكان الجميع ينادونه بالكنية التي يحبها (أبو نِعْمَات)، وساعد كونها البنت البكرية في تكريس هذه الكنية. لونها البرونزي اللامع يضفي على جمالها جمالًا إضافيًا، وفي صوتها بحّة محببة، يقول عنها عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة إنها كانت أول ما لفت انتباهه إليها. معتدلة القوام متناسقة الجسم، ولها وحمة بارزة في خدها الأيسر، غير أنها لم تأخذ من جمالها شيئًا إن لم تكن أضافت إليه. في ساعات الأنس الغزلية تحكي لزوجها إنها في المرحلة المدرسية تمنت ألا تكبر أبدًا ليظل جمالها كما هو لا يتغير، فأجابها برومانسيات الأيام الأولى للزواج: "إن بلي جمال الجسد فإن جمال الروح يبقى دائمًا ولا يبلى."

شعرت نِعْمَات الصَّادِق بمحنة ابنها منذ لحظاتها الأولى ولكنها ظلت تكابر نفسها تارة وتمنيها بأن يكون مجرد نزعة طفولة حادة المزاج وتذهب إلى حالها، ولكنها آخر الأمر لم تجد أمامها سوى أخذه إلى ضريح الشيخ أبُو حَمَامَة والتضرع إليه علّه يخلصه مما هو فيه. عرفت بحس الأمومة الملتهب إنه لم يكن كبقية أخوته أو حتى كبقية الأطفال، ولكنها لم تستطع أن تحدد على وجه الدقة مكمن علته، ولم تساعدها عبثية عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة في اكتشاف ما خفي عنها، وقبل أن تتمكن من ذلك وجدت نفسها أمام شخصين بحاجة إلى مساعدتها: كَاجُوُمِي وعَبْد الكَرِيِم رَحَمَة نفسه الذي كان قد بدأ بالتذمر من إهمالها له وتذكيرها بحكمة صديقه، التي شهرها في وجهه عندما أخبره برغبته في الزواج بمن يحب: "ضع الحب في ثلاجة الزواج؛ يتعفن بسرعة." إضافة إلى تلك المحنة التي ألقاها كَاجُوُمِي على عاتقه آخر الأمر.

اضطرت نِعْمَات الصَّادِق للجوء إلى جارتها لتشكي إليها مما هي فيه، فأخبرتها ببساطة العارف والخبير: "أنت لا تعلمين أنك أم لثمانية أطفال!" وأضافت بنبرة أكثر جدية: "الرجال يا عزيزتي عندما يكبرون يصبحون كالأطفال تمامًا." ثم ضحكت قبل أن تستدرك: "على الأرجح فهم لا يكبرون إلا بأجسادهم فقط، فعلًا الرجال أطفال كبار!" ظنت أنها بذلك أراحت نِعْمَات الصَّادِق بأن قدمت لها خلاصة تجربتها، غير أنها وضعتها في دوامة أكبر من سابقتها، فكان السؤال الذي بدأ يطرق باب تفكيرها مباشرة: "أي الطفلين يستحق اهتمامًا أكثر من الآخر؟" فضحكت الجارة الخبيرة: "الطفل الذي أخرجته من بطنك طبعًا، وليس الذي يصعد عليه."


نهاية الفصل الثالث





imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 26-12-2012, 01:50 AM   #[20]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي


الفصل الرابع


يحلو كثيرًا لنِعْمَات الصَّادِق أن تسمي قصة عشقها وزواجها من عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة بالمجازفة اللذيذة، لأنها كانت التجربة الأولى لها في كسر قوانين العائلة والخروج عليها. لم تعد نِعْمَات الصَّادِق هي ذات الفتاة التي عرفها الجميع في ضاحية السِّدِرَاب بعد تلك التجربة المشوقة التي اكتنفتها العديد من المخاوف والهواجس. قال لها عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة بعد هروبها من بيت أبيها وقبل الشروع في إجراءات الزواج: "أخشى أن تكوني منساقة وراء شهوة المغامرة وحسب." ولكنها أجابته إجابة أقنعته وطمأنته إلى الحد الذي شعر فيه بزهو طاؤوسي: "حبك هو ما دفعني إلى خوض هذه المغامرة وليس شيء آخر." وفي ساعات المرح الرومانسية كان يحلو لها أن تسمعه ما لا يحب سماعه، لتراه غاضبًا تلك الغضبة التي تحب أن تراها على وجهه: "والدي كان على حق ولا شك، يبدو أنك لجأت إلى السحر الأسود فعلًا لتملك قلبي إلى هذا الحد الذي جعلني أقدمك عليه وعلى عائلتي كلها." بيد أنه مؤخرًا لم يعد يستسيغ سماع مثل ذلك ولو بالمزاح.

اتفقا على أن يكون ذلك ليلة جمعة، حيث يخرج والدها صباح الجمعة من البيت إلى الجامع مباشرة ليقرأ القرآن وبعض الأوراد المستحبة، ولا يعود إلا بعد صلاة العصر للغداء، ولن يتسنى له معرفة غيابها إلا بعد أن يكونا قد غادرا ضاحية السِّدِرَاب وقطعا شوطًا كبيرًا باتجاه قرية أم لَبَخَة التي عرفت بخُوُر أبْ قَرْفَة فيما بعد. كان قلبها يخفق بقوة، وتدفقت شلالات الأدرينالين من الخوف دون توقف، وهي تخرج متسللة من بيت العائلة الكبير ليلًا بعد أن تأكدت من أن أباها وأخاها مَسْعُوُد الصَّادِق غارقان في نوم عميق، وأخذت معها ما يلزمها من ملابس وأغراض نسائية في حقيبة خفيفة حتى لا يعيقها في الطريق. شق عليها أن تفعل ذلك ولكنها لم تجد أمامها حلًا آخر. سارت بحذر في شوارع الضاحية الترابية وهي تكثر من تلفتها إلى الوراء، وكأنها تتوقع أن ينادي عليها والدها في أي لحظة. في الجانب الغربي من الضاحية كان عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة في انتظارها بعربة استعارها من أحد أقربائه المتحمسين للفكرة. وقبل أن ينطلق سألها سؤالًا جادًا وحاسمًا بالنسبة إليه: "هل ستندمين على هذا في حياتك؟" فهزت رأسها نافية، وانحنت عليه وقبلته قبلة تأكيدية. فأدار محرك عربته وانطلق بأقصى سرعة.

الحقيقة أن كلاهما كان خائفًا من هذه المغامرة غير مأمونة العواقب، ولكنهما، في الوقت ذاته كانا مصممين على ألا يسمحا لأحد، أيًا كان، بأن يقف في طريقهما. عندما وصلا أم لَبَخَة مع آذان الجمعة الأول كان في استقبالهما في بيت الزوجية المستقبلي أقارب عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة رجالًا ونساء، وانطلقت الزغاريد والتهاليل بمجرد أن توقفت العربة أمام البيت مباشرة. شقيقة عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة (جَلِيِلَة رَحَمَة) انحنت عليه، وهمست في أذنه هازلة: "عمك بَشِيِر رَحَمَة توعد بأن يقتلك بيديه إن لم تعد بزوجتك!" ولكنه أثبت للجميع رجولته واستحقاقه لعروسه كما تمنوا، وبدأ الجميع إجراءات عقد الزواج بعد صلاة الجمعة مباشرة، وأقاموا لهما احتفالًا أسريًا مصغرًا، ولكنه كان صاخبًا ومفعمًا بالحب.

بعض أقارب عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة رأتهم نِعْمَات الصَّادِق من قبل في مناسبات مختلفة، وبعضهم رأتهم للمرة الأولى في حياتها، وبعضهم لم ترهم بعد الزواج أبدًا. شعرت نِعْمَات الصَّادِق بسعادة منقوصة وهي محاطة بالنساء والرجال الذين راحوا يرقصون ويغنون بفرح، وافتقدت والدها وأشقاءها، وتمنت لو أنهم كانوا حضورًا؛ لذا فإنها كافحت بكاءها بضراوة شديدة، وحاولت قدر المستطاع ألا تسلم ذهنها إلى الأفكار التعيسة والباعثة على الحزن. عندما لمح عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة في عينيها ذلك اللمعان الذي خشيه انحنى عليها وسألها: "أهو الندم الآن؟" غير أنها سرعان ما ملأت وجهها بابتسامة مشرقة، وهي ترد عليه: "ندم؟ لو أتيح لي عمر جديد لتمنيت أن أقضيه معك هنا." فهز عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة رأسه مازحًا دون أن يتمكن من التخلص من زهوه الطاؤوسي إياه: "يمكنك أن تعتبري نفسك قد ولدت اليوم فقط."

وقفت الفتيات والنسوة صفًا واحدًا وبدأن الرقص بأجسادهن اللادنة كأنها من الزئبق المرن، وتعالت الموسيقى، وتلبست الجميع بمن فيهم نِعْمَات الصَّادِق نفسها، ولم تستطع أن تمنع نفسها من الاهتزاز على أنغام موسيقى الكِرَن وإيقاعاته الراقصة. وقف رجل مهول الجثة في وسط دائرة الرقص حاملًا سوط عَنَج . رفعه بيده عاليًا ثم هزه لعدة مرات فتوقفت الموسيقى دفعة واحدة. لف الرجل بجسده الضخم بمقدار دائرة كاملة، وهو مازال رافعًا سوطه، وكأنه أراد أن يراه الجميع. لم تستطع نِعْمَات الصَّادِق الاعتماد على ملامح وجهه لمعرفة ما إذا كان سعيدًا أم غاضبًا، فقد كانت ملامحه حادة وصارمة للغاية، قبل أن يتدارك عَبْد الكَرِيِم رحمة دهشتها وخوفها ويسر إليها: "هذا عمي بَشِيِر رَحَمَة، يبدو جلفًا وغليظًا، وهو كذلك، ولكن له قلب طفل صغير." وبصوت كالرعد المأنسن قال:
"اليوم نفرح فرحتنا الكبرى لأن ابننا عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة سوف يودع حياة العزوبية، ويدخل قفص الزوجية. لقد أوفى بوعده وأثبت رجولته بأن تمكن من اختطاف عروسه التي نرحب بها في عائلتها الجديدة. نتمنى لهما حياة مليئة بالأطفال والسعادة. أريد من الجميع أن يفرح ويغني ويرقص بكل طاقته، ولتكن فرحتنا هذه مهداة إلى روح شقيقي حَسَن رَحَمَة وابنة عمنا تَهَانِي رَحَمَة. كم كنا نتمنى أن يكونا حاضرين الآن معنا ليفرحوا معنا، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. عزاؤنا أننا قد أدينا الأمانة على أكمل وجه والحمد لله رب العالمين. هيا .. افرحوا وارقصوا وغنوا."



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 26-12-2012, 01:55 AM   #[21]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

في ضاحية السِّدِرَاب كان الوضع مختلفًا تمامًا، حيث انقلبت الضاحية رأسًا على عقب، وبعث الصَّادِق ضَوْ البَيَت بعض شباب الضاحية في جميع الأنحاء بحثًا عن ابنته التي اختفت دون أن يشعر بها أحد. خرج مَسْعُوُد الصَّادِق كذلك بحثًا عن شقيقته فكان الوحيد الذي ذهب إلى بيت امْتِثَال الصَّادِق، الذي لا يبعد كثيرًا عن بيت العائلة الكبير، ولكنه لم يعثر لها على أثر هناك. صرخت امْتِثَال الصَّادِق عندما علمت بالأمر، وهي تقول: "لاشك أنها نفذت تهديدها." بينما تلعثم مَسْعُوُد الصَّادِق كثيرًا، وهو يقول: "لا يأتي من ورائكن إلا الفضائح والعار!" وخرجا بحثًا عنها في القرى القريبة التي يمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام.

في غضون ساعة واحدة فقط عرفت ضاحية السِّدِرَاب عن بكرة أبيها والضواحي والقرى المجاورة لها، والتي تبلغ في مجموعها ثلاثًا وعشرين ضاحية وقرية، بخبر اختفاء نِعْمَات ابنة الصَّادِق ضَو البَيَت، وبدأ الجميع يتكهنون سبب اختفائها كما يحلو لهم، ولم يهدأ البحث حتى ساعات الليل المتأخرة. تعجبوا كيف لفتاة أن تختفي هكذا فجأة من بين ظهرانيهم دون أن يشعر بها أحد، وخمن البعض أن يكون الجن قد اختطفها. قالوا: "إن اختطفها الجن فلا فائدة ترجى من البحث." ورغم اليأس الذي لف الجميع فإن البحث لم يتوقف.

جلس الصَّادِق ضَوْ البَيَت في راكوبته المفضلة في فناء بيت العائلة الكبير وإلى جواره صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر الذي راح يهدئه رغم قلقه الشخصي على مصيرها. قال بصوت اجتهد كثيرًا في طلائه بنبرة التفاؤل العزيز في تلك اللحظات: "إن لم يعثر الشباب على جثتها في الأنحاء، وهذا ما أتمناه، فهذا يعني أنها مازالت على قيد الحياة، وربما هربت مع الرجل الذي جاءك خاطبًا إياها، ورفضته." فانتفض الصَّادِق ضَوْ البَيَت من مجلسه، وراح يصرخ في وجهه:
- هل جئت تواسيني في محنتي أم جئت شامتًا أيها الأعور؟
- إنما تمنيت أن تكون على قيد الحياة، أفلا تتمنى أنت ذلك؟
- أفضل أن تأكلها الضباع ووحوش الجبال ولا يتركوا منها إلا شعرها على أن تخرج عن طوعي وتعصيني لتتزوج من عبد أسود؛ لاسيما وإنها تعلم أنني رفضته. ابنتي لا تفعل ذلك، لا يمكن لها أن تضع رأسي في الوحل بعد هذا العمر.
- سنرى من منا هو الأعور.

زعق الصَّادِق ضَوْ البَيَت في الشباب الذين عادوا خاليي الوفاض بعد بحث دام لساعات طويلة بمن فيهم ولده مَسْعُوُد الصَّادِق: "سبعة وعشرين بغلًا عجزوا عن إيجاد فتاة؟ كان يجدر بأمهاتكم أن يرقدن عليكم ساعة ولدتم." ثم إنه أمرهم بأن يخرجوا للبحث عنها مرة أخرى، فخرجوا وبحثوا مجددًا بكل عزم، ولكن الأمر انتهى بعد ثلاثة أيام، وتوقف الجميع عن البحث، قال أحد الرجال:
"إما أن الأرض انشقت وابتلعتها أو تبخرت أو اختطفها الجن. لا حل آخر؛ فقد بحث الشباب في كل القرى والضواحي حول ضاحيتنا، ولم يجدوا شيئًا وأقرب قرية بعد هذه القرى المجاورة تبعد مسيرة أسبوع أو أكثر مشيًا على الأقدام، ولا يمكن لفتاة أن تذهب بمفردها أبعد من هذا، كان لابد أن يجدها الشباب فاقدة للوعي من الجوع أو العطش في أي مكان من هذه الصحراء القاحلة، هذا إن استطاعت تجاوز السباع والأفاعي السامة."

ولم يكد يمر أسبوع على اختفائها حتى بعثت نِعْمَات الصَّادِق إلى أبيها رسولًا أبكمًا يحمل رسالة بخط يدها تخبره فيه بأمر زواجها من عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة، وتطلب منه العفو ومباركة الزيجة. بدا من الخط وترتيبه أنها في حالة مزاجية مرتاحة للغاية، كما أنها حرصت على استخدام عبارات لطيفة لتلين به قلب أبيها وتهون عليه وقع الصدمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم
والدي العزيز، تحية طيبة
أعرف أنك غاضب مني وإنه ليحزنني ذلك كثيرًا، وأنت تعلم أنني لا أطيق غضبك علي، ولكن هل بإمكانك فعلًا أن تغضب من نِعْمَات حبيبتك؟ أشك في ذلك. إنني أؤمن بأن جل اهتمامك وأملك في هذه الدنيا أن تراني سعيدة، فإن كان الأمر كذلك فاعلم أنني سعيدة غاية السعادة مع الرجل الذي اخترته، وكنت أتمنى أن تعرفه كما عرفته، فهو يكن لك كل مودة واحترام، وأقسم لك على ذلك. كل ما أريدك أن تعرفه أنني لم أفعل شيئًا يغضب الله أو يمس بكرامتك وشرفك، فلقد تزوجت على سنة الله ورسوله، وإن كنت قد هربت فأنت تعلم السبب الذي دعاني إلى ذلك. لقد تمنيت أن تكون أنت وأخوتي إلى جواري في حفل الزفاف. فعلًا افتقدتكم كثيرًا.
أكتب إليك هذه الرسالة لأعتذر عما بدر مني، وما قد يكون سببه غيابي المفاجئ من قلق فأنا بخير وأعيش سعيدة، وأهل زوجي يحبونني كثيرًا ويعاملونني كأخت لهم. كل أملي أن تبارك لنا هذه الزيجة حتى تكتمل فرحتي ويبارك الله لنا فيها. ولأنني أعرفك جيدًا يا أبي فإنني أرسل إليك هذه الرسالة مع رسول أمي وأبكم حتى لا تتمكن من معرفة مكاننا، وإن رحبت بزواجنا فسوف آتيك مع زوجي وأهله إلى القرية في أسرع وقت.
كلمة أخيرة: عفوًا أبي إن لم أستطع الاقتناع بوجهة نظرك، فأنا لا أرى أن ثمة فارقًا بين البشر إلا الأخلاق الحميدة، وهو أحد الأشياء التي جذبتني إلى عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة وجعلني أقرر الزواج به.
ابنتك المحبة دومًا: نِعْمَات.
"

خرج الصَّادِق ضَوْ البَيَت من فوره، بعد قراءة الرسالة، إلى سوق الضاحية، ورفع الرسالة عاليًا، وهو يقول: "أيها الناس، إنها رسالة من نِعْمَات ابنتي تقول إنها تزوجت من عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الذي رفضته، وأنا هنا لأشهدكم أنني تبرأت منها إلى يوم الدين." وختم خطبته القصيرة بتكرار عبارة "حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الله ونعم الوكيل." ارتسمت علامات الأسى والإشفاق على محيا الجميع فيما عدا مَسْعُوُد الطَّاهِر الذي وقف غير بعيد في انتظار أن يساعد الناس صديقه على الجلوس في مكانه أخيرًا، فذهب إليه وجلس إلى جواره، وهو يربت على كتفه قائلًا:
- لو أنك فقط استمعت إلى الرجل عندما جاء يخطبها، لعرفنا من أي الديار هو على الأقل!
- هذا ليس وقت التوبيخ الآن.
- أعلم إنك لن تتبرأ منها.
- لقد فعلتها للتو وانتهى الأمر. حسبي الله ونعم الوكيل.
- ما فعلته هو ما يجعلني أقول إنك لن تتبرأ منها.
- ماذا تحاول أن تقول يا فيلسوف الغبراء؟ هل تجدني في مزاج مناسب لمثل خطرفاتك هذه؟
- لقد خرجت على الناس لتثبت لهم بأن ابنتك تزوجت على سنة الله ورسولها، وأنها ليست كما قد يظنون، والأب الذي يفعل ذلك لا يمكنه أن يتبرأ من ابنته أبدًا؛ لاسيما إن كانت نِعْمَات، يا أبا نِعْمَات.

اكتفى الصَّادِق ضَوْ البَيَت بأن نظر إليه مباشرة في عينيه وقد ارتسمت على وجهه ملامح صراع عضلي محتدم بين الحزن والابتسام، ثم قال: "صدقت هذه المرة أيها الأعور. أنت دائمًا تفهمني، ولا أعلم لماذا أنت بالتحديد!" هز مَسْعُوُد الطَّاهِر رأسه، وهو يقول: "إنها العشرة يا صديقي. فقط تمنى لها حياة سعيدة مع الرجل الذي اختارته، فقد اختارت نصيبها وانتهى الأمر." تمسك الصَّادِق ضَوْ البَيَت ببقايا كبريائه ورفع رأسه عاليًا، وصاح في وجه مَسْعُوُد: "أما هذه فلا يا أعور." واكتفى مَسْعُوُد الطَّاهِر برسم ابتسامة يعرفها الصَّادِق ضَوْ البَيَت جيدًا، وأثارت حنقه وغضبه فزعق ثانية: "أغرب عن وجهي الآن أيها الأعور."



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 26-12-2012, 01:59 AM   #[22]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

انقسم أهالي ضاحية السِّدِرَاب في شأن نِعْمَات الصَّادِق إلى قسمين: قسم أعجبهم سلوكها الاستقلالي، وقسم استهجنوا ما فعلته واعتبروه سلوكًا طائشًا لا يجب أن يصدر عن فتاة عربية حرّة. وفي المحصلة النهائية فإنها قد أصبحت مضربًا للمثل إما كعبرة أو كقدوة. حلمت بعض فتيات الضاحية بأن يتمكن ذات يوم من القيام بفعل كفعلها ذلك. قالت إحداهن متندرة: "على أن يكون رجلًا يستحق، وليس عبدًا كعَبْد الكَرِيِم رَحَمَة هذا." وعلى هذا فإن القسم الذي أعجبه سلوكها الثوري المستقل انقسم بدوره إلى قسمين: قسم رأى أنها لم تحسن اختيار الرجل المناسب الذي تهرب معه، وقسم قال إنها اختارت ما يعجبها هي دون أن تلتفت إلى تلك المعايير التي خرج الناس ليجدوها مفروضة عليهم مسبقًا، ورأوا في ذلك ثورية كاملة الدسم. ثمة قسم آخر ظل مزعزعًا بين هذا وبين ذلك، ولكن امْتِثَال الصَّادِق كانت من القسم الأول الذي استهجن فعلها جملة وتفصيلًا، وفي جانب ما منها فإنها شعرت بالسعادة عندما أحست أن ما فعلته نِعْمَات سوف يضعضع ثقة أبيها بها، وهو ما حدث؛ ولكن ليس لفترة طويلة لسوء حظها.

كعادة العرب فإن الصَّادِق ضَوْ البَيَت استضاف الرسول الذي بعثته نِعْمَات الصَّادِق في بيت العائلة الكبير لثلاثة أيام كاملة كانت كافية ليرتب أفكاره ويصوغ رسالة متناسبة في قوتها ووضوحها مع عظم الجريرة التي اقترفتها. وعندما قرر كتابة الرسالة أخيرًا فضل أن يكتبها بعيدًا عن صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر؛ إذ خشي تدخلاته المتكررة، وملاحظاته الفجة والفضولية، فأرادها أن تكون رسالة منه خالصة بكل ما فيها من أخطاء تربوية، ولغة ركيكة، وعفوية أبوية. لم يعرف بالتحديد من أين يبدأ، وكان كلما كتب بضعة أسطر وجدها ضعيفة ولا تعبر عما يريد قوله وإيصاله، فيعيد كتابة الرسالة مرة أخرى. ذلك اليوم أخذ رزمة أوراقه التي يكتب عليها خطب الجمعة عادة، وبدأ في كتابة الرسالة:
"بسم الله الرحمن الرحيم ..
لقد فجعت فيك، لا أقول كأي أب يفجع في ابنته، ولكن فجيعة أبو نِعْمَات في نِعْمَات، وهو أقسى مما قد تتصورين، لأنها تعني أن أتذكر فجيعتي بك كلما صاح بي أحدهم مناديًا، وهو ما يعني بدوره أن فجيعتي بك ستظل ترافقني حتى موتي. أرجو ألا يصيبك الله بعقاب جراء غضبي الذي أحمله عليك في قلبي، لأني غضب الأب من غضب الرب، ولا أعرف كيف ستنامين هانئة بعد اليوم، أعني بعد أن تعرفي بأنني غاضب عليك كل هذا الغضب؟ لقد كنت أفخر بك أمام الناس، وفضلتك على بقية أخوتك، أما الآن فأنا أمشي مطأطأ الرأس بسببك. هل هذا هو ما أردته لي؟ هل هذا هو ما أستحقه منك؟
أتساءل ماذا لو كانت أمك حية الآن! هل تعلمين أنك بفعلك هذا قد تسببين العذاب لروحها في قبرها؟ أكاد أشعر بها وهي تتململ في قبرها. لقد أتتني قبل أيام في منامي، وعاتبتني كثيرًا على التقصير في تربيتك، ولكني دافعت بكل قوة. لا أقول إنني دافعت عنك، بل دافعت عن نفسي، فأنا لم أقصر في تربيتك أبدًا.
لا أصدق أنك نِعْمَات السِّدِرَابِيَّة التي تفوق رجال الحي في رجاحة العقل، لاشك أن هذا العبد اللعين قد غيب عقلك بسحره الأسود كوجهه حتى يعصيك على والدك إلى هذا الحد، وتضعي سعادته في كفة، وتضعي كرامتي وكبريائي الذي لا أملك غيرهما في الكفة الأخرى. لقد بعثت إلي برسالة تطلبين فيه العفو وأن أبارك لك زيجتك، والآن اعلمي أنني لا أبارك هذه الزيجة، ولن أسامحك حتى يوارى جثماني الثرى.
الصَّادِق السِّدِرَابِي
"

شعر الصَّادِق ضَوْ البَيَت بارتياح كبير مع آخر كلمة كتبها في رسالته التي استغرق في كتابتها ساعتين كاملتين، وكأنه ألقاها على مسامعها مباشرة. ثم إنه طوى الرسالة بكل اهتمام وحرص، ووضعها في الظرف، وتأكد من إغلاقه جيدّا، وأعطاها للرسول وقال له، وكأنه يهدده: "هذه الرسالة تسلم يدًا بيد إلى ابنتي نِعْمَات وليس لأي شخص آخر." وغادر الرسول من فوره بعد أن هز رأسه ومسح على جسده بكفيه شاكرًا له على حسن ضيافته، وبحركة أخرى أكد على تسليم الرسالة إليها في يدها مباشرة.

عندما لاحظ مَسْعُوُد الطَّاهِر أمر الرسالة سأله بعد مغادرة الرسول عنها وعما حوت، فأجابه دون أن ينظر إليه في عينيه، وهو يلوح للرسول مودعًا: "لا شيء مهم على الإطلاق." فلكزه مَسْعُوُد بقبضة يده، وهو يقول: "طالما أخفيت عني أمر الرسالة فلاشك أنها رسالة خائبة ككاتبها." عندها التفت إليه الصَّادِق ضَوْ البَيَت بتحد ونظر إليه في عينيه مباشرة قبل أن يقول: "كم مرة يجب أن أذكرك ألا تتدخل بيني وبين أبنائي؟ ما شأنك أنت بالرسالة وبما احتوته؟" فأجابه ببرود: "شأني أنها ابنتي أيضًا." حرك الصَّادِق ضَوْ البَيَت يده في الهواء، وهو يقول: "عدنا للفلسفة مرة أخرى." ودخل بيته وأغلق الباب وراءه، وسمع مَسْعُوُد الطَّاهِر من وراء الباب، وهو يقول بصوت عال: "الخال والد يا أبو نِعْمَات!"



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 26-12-2012, 02:02 AM   #[23]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

عندما وصلت الرسالة إلى نِعْمَات الصَّادِق، كانت قد انتهت، هي وجَلِيِلَة رَحَمَة، للتو من تعبئة مربى البرتقال البيتي في برطمانيات زجاجية لحفظها لموسم الشتاء الذي على الأبواب، وملء أواني فارغة بالماء ووضعها في الثلاجة لتحويلها إلى ثلج لاحقًا، فهرعت إلى غرفة النوم حيث انهمك عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة بقراءاته الخاصة. أرته الظرف، وهي لا تكاد تصدق: "لقد أرسل أبي ردًا على الرسالة. أرجو أن يكون قد عفا عني ومنحني بركاته." فضل عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الخروج من الغرفة، وتركها تقرأ الرسالة بشيء من الخصوصية، وكأنه كان يعلم بفحوى الرسالة مسبقًا. اسقبلته شقيقته جَلِيِلَة رَحَمَة، وسألته بفضول نسائي متفرد:
- ماذا جاء في الرسالة؟
- لا أدري، ولكن الأمر لا يبشر بخير.
- ماذا تعني؟
- أنا أعرف الصَّادِق ضَوْ البَيَت جيدًا، ليس من السهل عليه أن يتقبل الأمر. ليس الآن على الأقل.
- ومتى إذًا؟
- ربما عندما تنجب ابنته مولودًا.

قدر عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الوقت اللازم لقراءة الرسالة، ودخل الغرفة فوجد نِعْمَات الصَّادِق غارقة في نوبة بكاء عارمة. أمسك بالرسالة دون أن يقرأها، وأعادها إلى الظرف مرة أخرى، ثم جلس إلى جوارها، وراح يمسح على ظهرها: "لا بأس حبيبتي، لم يكن الأمر سهلًا عليه على أي حال." ارتمت نِعْمَات الصَّادِق مباشرة على صدره، وأصبح بكاؤها مسموعًا أكثر من ذي قبل. لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة؛ بل غابت في بكاء عبر تمامًا عن خشيتها ومخاوفها التي ظلت تكابدها منذ قررت الهروب. بقيت نِعْمَات الصَّادِق على هذه الحال لفترة طويلة لم يحتسبها أي منهما، وعندما هدأت قليلًا، رفعت رأسها وتساءلت: "هل أخطأنا عندما أردنا أن نعيش حياتنا كما نريد لا كما يريدونه؟" قبلها عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة على جبينها وأخذ يمسح على شعرها، وهو يقول: "لا يا حبيبتي، لم نخطئ أبدًا"

بدأت نِعْمَات الصَّادِق تحكي له عما كُتب في الرسالة، وقد تملكتها الدهشة البالغة من القسوة التي يحملها والدها في قلبه. "يقول إن أمي تتململ الآن في قبرها بسبب ما فعلت!" رددت هذه الجملة كثيرًا حتى خنقتها العبرة أخيرًا، وغابت مرة أخرى في نوبة بكاء جديدة، ولم يكل عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة من المسح على ظهرها في محاولاته اليائسة لتهدئتها.
- الموتى لا يتململون في قبورهم. لا حياة للأجساد التي في القبور.
- ولكنه يقول إنه رآها في منامه توبخه على تقصيره في تربيتي.
- لابد أنه قال ذلك ليؤثر عليك عزيزتي. لا تحملي نفسك فوق طاقتها.

شعرت نِعْمَات الصَّادِق برغبة مفاجئة ومتوحشة في النوم، وكأنها أردت أن تهرب من التفكير بشأن الرسالة ومحتواها بهذه الطريقة. تمددت على الفراش وكانت كدولفين أبيض مبتل أنهكته السباحة. تناثر شعرها من حولها على الوسادة كألعاب نارية مستعرة التوهج، وبدت كطفلة شقية بكت وبكت حتى افترسها النعاس وغيبها داخل أحشائه المظلمة. تمدد عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة إلى جوارها يمسح على شعرها الأسود الغزير، وكلما أعجبته براءة ملامحها الطفولية طبع قبلة هادئة على جبينها، وظل كذلك حتى نامت في النهاية.

البكاء هو الشيء الوحيد الذي لا يمكننا فعله بصدق مرتين على التوالي، إنه عاطفة فريدة واضطرارية نلجأ إليها عندما تعجز اللغة، وينفد الصبر ونفقد الحيلة. إنه تقيؤ الروح المريح، وصيرورة الإنسانية. حالتان لا يمكننا إنكار إنسانيتهما: البكاء والسُكر؛ فكلاهما يظهران شفافية الروح، وميلنا للصدق مع النفس. الصدق خصلة لا يمكن أن تتوفر دون أن تحدث تغييرًا جذريًا في مزاجنا ولو لبرهة من الزمن. البكاء هو كل ما كانت نِعْمَات الصَّادِق بحاجة إليه بعد قراءة رسالة والدها التي حملت من القسوة ما لم تستطع احتماله. ربما تفاءلت أكثر مما يجب عندما توقعت أن تتغلب عليه عاطفته الأبوية وأن يتعالى على كبريائه ليحس بما تريده. لقد أخفقت في إقناعه مرارًا ولم تتمكن من تقبل فكرته التي رفض من أجلها الرجل الذي أحبت، وتمنت صادقة أن تعيش معه حياتها أيًا يكن شكلها أو ما مقدار ما تبقى منها.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 26-12-2012, 02:06 AM   #[24]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

استمر الجفاء بين الصَّادِق ضَوْ البَيَت وابنته سبع سنوات كاملة تبدلت فيها أحواله، وبدأ أكثر مسالمة وانكسارًا. تغيرت ملامحه وأصبح يشبه الموتى. يخرج من بيته الذي أصبح كبيوت الأشباح؛ لاسيما بعد سفر ابنه مَسْعُوُد الصَّادِق للدراسة خارج البلاد، يجلس على كرسي من الحديد الخفيف، وكأنه وضع خصيصًا له تحت شجرة لبلاب عملاقة ينظر إلى العابرين وإلى الأطفال الذين يلعبون السَّكَّجْ بَكَّج والسيجا على طرقات الضاحية الترابية، غارقًا في تأملاته الخاصة، ممسكًا بغصن حَسْكَنِيِت يقلبه بين يديه بعبثية ساخرة ويرسم بها خطوطًا ودوائر متداخلة على الأرض: "أهذه هي الحياة التي حلمت بها يا الصَّادِق؟" لم يجد أحدًا يلقي عليه اللائمة سوى نفسه، وهو ما أشعره بالتعاسة والاكتئاب، حتى أنه لم يعد قادرًا على مراجعة مَسْعُوُد الطَّاهِر فيما يقوله كما كان يفعل من قبل، واعتبر مَسْعُوُد الطَّاهِر ذلك عصرًا ذهبيًا لم يتوقع أن يعيش حتى يراه.
- ما الذي يقلقك يا أبَو نِعْمَات؟
- أن أكون السبب في فناء السِّدِرَاب
- أليس هو الشوق إلى نِعْمَات يا أبُو نِعْمَات؟
- ربما .. تعلم أنني أحببتها أكثر من بقية أبنائي.
- إذًا فلماذا لا تدعوها وزوجها للعيش معك. لقد أصبح البيت فارغًا وكبيرًا عليك. ادعوهما لعيشا معك. ولابد أنها أنجبت أطفالًا الآن، ألا تشتاق أن تحمل أطفالها بين ذراعيك؟
- أطفالها؟

بدا وكأنه انتبه لهذا الأمر الآن فقط. إنها سبع سنوات ولابد أنها أنجبت أطفالًا. ترى كم طفلًا أنجبت؟ وكيف يبدون؟ توقف فجأة عن تأملاته الأبوية الحالمة، وقال بنبرة متشائمة: "أرجو ألا يكونوا قد أخذوا من أبيهم شيئًا." أعجبته فكرة صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر، ولكنه لم يصرح له بذلك. قرر أن يفكر في الأمر مليًا ريثما يتمكن من احتمال الفكرة وتبعاتها، غير أنه بادر بها فورًا عندما سقط ذلك اليوم بأزمة قلبية، وأحس بدنو أجله. اضطر الموت إلى انتظاره شهرين كاملين ريثما وصلت رسالته إلى نِعْمَات الصَّادِق وحزمت أمتعتها هي وزوجها وأطالفهما وجاءت إلى السِّدِرَاب وأقامت معه أسبوعين فقط. كان قد اكتسب وقتها طيبة ووداعة المقبلين على الموت، وبدا أهدأ وألطف مما هو طبعه الذي يعرفه الجميع. كلف صديقه مَسْعُوُد الطِّاهِر بالأمر، وكأنه لم يكن أول من اقترح عليه ذلك:
"لقد قررت أن أدعو نِعْمَات وأطفالها للعيش معي في البيت. تعلم أن البيت أصبح فارغًا بعد سفر ابني مَسْعُوُد وزواج امْتِثَال وانشغالها بأبنائها، وأنا رجل لم أعتد الوحدة في حياتي. أخشى أن أموت قبل أن أتمكن من رؤيتها ورؤية أبنائها. أخبرها بأنني رضيت عليها وأني أبارك زواجها من هذا العبد الأفاك، ولا راد لمشيئة الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. سوف أترك لهما بيت العائلة الكبير؛ فلابد أنها أنجبت جيشًا من الأطفال، فبنات السِّدِرَاب ودودات ولودات كما تعلم، أما أنا فسأكتفي بالبيت الذي خصصته لمَسْعُوُد عند عودته ليتزوج فيه، ويبدو أن ابن الكلب هذا لن يعود أبدًا، لقد لحست الخواجية عقله حتى أنسته أباه وأهله. هاهو آخر سِدِرَابِي يختفي دون أن يعلم عنه أحد شيئًا. لقد وضعت عليه آملًا عريضة، ولكن ... حسبي الله ونعم الوكيل. لم يتبق لي الآن إلا نِعْمَات، أرسل لها ودعها تأتي."


نهاية الفصل الرابع



imported_هشام آدم غير متصل  
 

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 06:20 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.