منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-12-2012, 02:03 PM   #[1]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
Exclamation كاجومي - رواية

كاجومي



روايــة







صورة الغلاف مأخذوة من موقع على الإنترنت



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:20 PM   #[2]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي


إهداء خاص جدًا



إلى أولئك العالقين، عقليًا، في تلك العصور
ويختبئون خلف جلودهم النضرة المعاصرة


إليهم مع كل التحية






imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:23 PM   #[3]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

كاجومي - رواية
2012











نحن، يا هؤلاء، هنا، ونصر على أن نكون هنا.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:27 PM   #[4]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي


الفصل الأول


لذا فإنه كان يكفي أن يتمنى شيئًا، أي شيء، حتى يتحقق ما تمناه كما أراد. أصبح ذلك مصدر إلهام غزير بالنسبة إلى أصدقائه النادرين في أُمْبَدَّة، الذين أطلقوا عليه لقب كَاجُوُمِي، تمجيدًا لحظّه الجهنمي، الذي لا يُخفي أحدهم حسده عليه. لا أحد يزعم معرفته الأكيدة بمصدر اللقب أو معناه الحقيقي، ولكنه التصق به حتى اختفى اسم عَبْد الوَاحِد من ذاكرة أصدقائه اليومية، حتى هو نفسه كان قد بدأ يعتاد على لقب كَاجُوُمِي، وينسى اسمه شيئًا فشيئًا. وربما سُمع، ذات ليلة، وهو يصرح بأن علاقته باسم عَبْد الوَاحِد علاقة اضطرارية، لكليهما: له ولاسمه، وأنه لا يرتبط بهذا الاسم وجدانيًا؛ لاسيما وأن كثيرين اعتادوا على اختصار اسمه، ومناداته بالنصف الأول منه، حتى أوشك أن يطغى عليه، الأمر الذي كان يزعجه كثيرًا، ولا يفهمه إلا على نحوه السيء دائمًا.

في ليلة سَمَر لم تشمله من ليالي أُمْبَدَّة النادرة التي خلت من البعوض، تداولوا مسألة حظ كَاجُوُمِي المثير للإعجاب: بعضهم ذهب بخياله بعيدًا، وخمن أن يكون كَاجُوُمِي نتاجًا لمزاوجة نادرة ومباركة بين أبوين ربما كان أحدهما من أنبياء آخر الزمان السريين، وخمن أحدهم أنه ربما لا يتمنى إلا تلك الأمنيات المتحققة فعلًا، وحتى ذلك التخمين السطحي رديء الصياغة، لم يعن شيئًا غير التأكيد على أنها حالة نادرة لشخص محظوظ، بل ومترف الحظ، حتى تكون أمنياته المتحققة بذلك القدر من الإدهاش، والإثارة للحسد.

عشرة أيام من الإرهاق الذهني المتواصل، وتطبيق قواعد التجسس الأكثر خفية، واستلهام الاحتمالات الأكثر تطرفًا وتعقيدًا، لم تفلح في استخلاص خصلة واحدة تصلح كتبرير منطقي لتلك الموهبة الكاجومية الخارقة لكل قوانين الإحصاء الرياضية. عشرة أيام اقتنع فيها البعض أنه حالة نادرة، لها خصوصية شيطانية معقدة، عصية على الفهم البشري السوي. أكثرهم واقعية صاغ خلاصة تفكيره بطريقة توحي بالهزل العميق: "هذا الوغد محظوظ لامتلاكه مثل هذا الحظ!"

عندما احتفل بعيد ميلاده، غير الرسمي، قبل شهرين، كان قد أعلن أمنيته في صيغة نبوءة واثقة: "عيد ميلادي القادم سيكون ذا طابع عسكري." وتصادف ذلك مع حملة مداهمات بوليسية، أثارتها وشاية مجهولة المصدر، عن شباب يتعاطون لفافات البنقو في حفلة جنس جماعي، وقضى الجميع ليلتهم تلك في الزنزانة، وخرجوا صبيحة اليوم التالي بإطلاق سراح غير مشروط. وحتى عندما انهار سايفون البيت، وغرقت فتاة عشرينية في كومة متخمّرة من الروث البشري، لم يكن ذلك سوى تحققًا لأمنية علنية تمناها كَاجُوُمِي قبل ثلاثة أيام فقط، في مشاجرة كلامية حادة شهدها شباب الحي، وبعض العابرين الطارئين.

أم الفتاة الهالكة أرادت اتهامه بالتسبب في مقتل ابنتها، وفي المحصلة النهائية، لم يجد الشرطي المناوب بدًا غير تهدئتها، وتقديم واجب العزاء، قبل إبلاغها رسميًا باستحالة القبض على شخص، ومحاكمته لأنه تمنى أمنية سيئة. لم تقتنع الأم المكلومة بما ظل الضابط المناوب يشرحه لها من بنود القوانين الجنائية وأحكامها، التي حاول تبسيطها إلى الحد المعقول والمناسب لفهمها الشعبي، ولكنها رفضت الاستماع إليه أو حتى تصديقه. قالت إن أمنياته لم تكن أخلاقية، ومخالفة للقانون، وإن كل من يتمنى أمنية غير قانونية فإنه يحمل بذرة إجرامية داخله، تستوجب العقوبة الرادعة؛ لذا فقد أصرت على مطلبها، واعتصمت أمام قسم الشرطة، ورفضت مغادرته، أمام التهديدات والرجاءات العديدة التي تلقتها من رجال الشرطة وأفراد الحي. آخر الأمر، تجلت فكرة بسيطة وقانونية في ذهن الشرطي الذي أصدر أمره بأخذ تعهد كتابي يقضي بعدم تعرض كَاجُوُمِي للمرأة أو أي من أفراد عائلتها، فأصابها الارتياح جراء ذلك، وخرجت من قسم الشرطة، وهي تردد بصوت عال أقرب إلى الهستيريا منه إلى الهتاف: "يحيا العدل!"

تفاقمت محنة كَاجُوُمِي عندما اعتبره البعض ملعونًا، واعتبره البعض الآخر صاحب موهبة تستدعي الاختبار والتوثق. راحوا يطلبون منه أن يتمنى لهم أشياء بعينها، كانت أغلبها ضمن قائمة المستحيلات: طلب أحدهم أن يتمنى له ثروة لا تأكلها النار ولا شراهة السفه وعشق الملذات، وطلب آخر أن يتمنى أن تقذف محبته في قلوب الفتيات، فلا تراه إحداهن حتى تقع في عشقه ولا تتمكن من الإفلات منه، وطلب آخر أن يُمنح قدرة على الفهم والتحدث بلغات العالم، فلا يتحدث معه أحد بأي لغة من مشارق الأرض ولا مغاربها إلا وفهمها وتحدث بها بطلاقة كأهلها، وطلب آخر أن يتمنى له عمرًا مديدًا لا يقل عن المائتي سنة، شريطة ألا يعتريه الوهن ولا تصيبه نوائب الدهر كما تصيب الكهول عادة.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:32 PM   #[5]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

بدأ الأمر برمته قبل سبع سنوات، بمصادفات يمكن تصنيفها على أنها متجاوزة للعادية؛ من حيث أنها جاءت متسلسلة ومتتالية، عندما وجد كَاجُوُمِي نفسه أمام حقيقة مخزية، توجب عليه حلها بشكل نهائي وحاسم. غير أنه، آخر الأمر، وجد نفسه محاطًا باحترام فرضته موهبته الجهنمية النادرة. كانت الساعة توشك على التاسعة صباحًا عندما أتلف جهاز والده اللاسلكي الذي يستخدمه في عمله كناظر في محطة الكهرباء، وتمنى لو يتوقف الزمن ولو لساعة واحدة، ليمنحه وقتًا إضافيًا يمكنه من إصلاح اللاسلكي، عندما تلا المذياع قرارًا رئاسيًا يقضي بتأخير التوقيت الرسمي للبلاد ساعة كاملة، ليتماشى مع توقيت مكة المكرمة. أصابته الصدمة، وقتها، حيال تلك المصادفة الغريبة؛ بل وشبه المستحيلة، ولكنه انشغل عن التفكير في ذلك بإصلاح جهاز والده، حتى انتهى من ذلك آخر الأمر في الوقت المحدد. وحتى عندما تمنى أن يتوقف عن الذهاب إلى المدرسة ولو مؤقتًا، أغلقت المدرسة أبوابها لعام دراسي كامل إثر إنهيار عظيم أحدثه فيضان النيل ذلك العام، وجرف معه الطاولات والكراسي وأتلف الأوراق الرسمية، ولم يعد بالإمكان إصلاح كل ذلك إلا بجهد بيروقراطي طويل الأمد.

ذلك النهار الخرطومي الحار، الذي لم يكن يوحي بشيء غير استشعار مادية البؤس والكآبة، تمدد كَاجُوُمِي على أرجوحته المعلقة بين عارضتين خشبيتين. تلك الأرجوحة التي لا يتمكن أحد غيره من النوم عليها باستقرار. مرتديًا فنيلته الداخلية السوداء المميزة، وسرواله المقلّم القصير، بعد أن رش كامل جسده النحيل متوهج السواد، وأمسك خرطوم المياه، وراح يرش فناء الدار ذي الأرضية الترابية. كان وقتها قد سرّح مجموعة الدواجن، التي تعود ملكيتها إلى السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر صاحبة المنزل، وأطلقها من أقفاصها التي من خشب السرَّوج المعمِّر، والمحاطة بسياج سلكي سداسي الشكل. بدا، في منظره ذلك، كبحّار عجوز، قرر استهلاك ذاكرته، في لحظة استرخاء نادرة، في تذكر مغامراته البحرية. انشغل لوقت طويل برش الماء من حوله، في محاولة للتحايل على حرارة الطقس، وفي أحيان قصيرة ومتقطعة ينشغل بملاحقة الدواجن بماء الخرطوم، والتمتع بمنظرها، وهي تحاول الفرار بريشها من هذا المطر البشري الكثيف.

لا أحد يعلم متى أو كيف يتحوّل مزاجه، وليس بإمكانه، هو نفسه، أن يتوقع خطوته التالية؛ لذا لزم الأمر أن يشعر، باستمرار، بالانزعاج من المكوث الطويل على حالة واحدة مستقرة. في لحظة ميتافيزيقية عابثة سمعه أحدهم، وهو يقول: "ابتلاني الله بنفسي، فلا شيء يتعبني غيرها." راح يستعرض الأمنيات التي طلبها منه أصدقاؤه، وشعر بسخرية بالغة تجاه سخافتهم، وبطريقة عشوائية، خلت من مفاجأة أو حتى بوادر ترحيب، تذكر أمنيته الأثيرة التي لم تتحقق بعد. تلك التي صرح بها أواخر موسم خريف ماطر، لمجموعة من الأصدقاء في لحظة ميتافيزقية متناهية السكر. أمنية مركبة، اعتبرها الكثيرون مستحيلة لفرط سخافتها، غير أن بعضهم آمن بتحققها يومًا ما. قال في نفسه، وكأنه يتحدى شخصًا ما: "لن أموت قبل أن تتحقق هذه الأمنية." ولكنه لم يعرف كيف لأمنيته تلك أن تتحقق.

بدافع الغضب، أكثر مما هو بدافع الشغف، قرر كَاجُوُمِي النزوح شرقًا إلى الخرطوم، بحثًا عن شيء ما. شيء قد يخصه، أو يفتقده. شيء مستحيل، ولكنه ظل، بالنسبة إليه، حميمًا وعزيزًا، رغم أنه لا يدركه. تحاشى رؤية والده وتوديعه، لأنه اعتبره السبب في محنته تلك، ولكنه قبّل أمه على مضض، لأنها حضرّت نفسها لتلك القبلة. منذ الأمس وهي تجهز نفسها لهذا الوداع غير المبرر. لم تنم طيلة الليل، ظلت مستيقظة حتى الصباح كي لا تفوتها هذه اللحظة. مسح بأصابعه على وجهها البرونزي الهادئ، وكأنه يريد أن يرسم صورتها في خياله، حتى لا يحتاج إلى تذكره لوقت طويل. ورغم أنها قد آلت على نفسها ألا تبكي ثانية، بعد وفاة والدها، وقررت إدخار دموعها لوفاة زوجها أو أحد أبنائها، إلا أنها بكت ذلك الصباح، لأنها كانت تعلم أنه لن يعود ثانية. دفعتها غريزتها اللاعقلانية لصياغة جملتها الأخيرة، وهي تراه يحمل حقيبته القماشية على كتفه بإصرار مخيف ومقلق: "لا شيء قد يتغير! ولكن عندما تكتشف ذلك بنفسك أرجو أن تعود."

اختبأ والده خلف باب غرفته، وراقب لحظات الوداع الأخيرة والسريعة بحزن وقور. تحايل كثيرًا حتى لا يبكي، ولكنه لم يستطع؛ فسقطت منه دمعات حارة ومؤلمة، واستقرت في لحيته معتدلة الكثافة، بينما امتلأت عيناه بدموع أكثر تماسكًا وكبرياء، وعندما انتهت من توديعه ودخلت غرفتهما تغالب بكاءها، كان قد عاد واصطنع النوم، وهو يسمع حسيس بكائها المكتوم. اضطجعت إلى جواره بحذر حتى لا تزعجه بالحركة، وتقابلا بظهريهما، وراح كل منهما يبكي في صمت. كان لابد لتلك اللحظة أن تأتي. الكل عرف ذلك، ولكن لم يتوقع أحد مدى صعوبتها، ومذاقها الحقيقي المر.

والد كَاجُوُمِي الذي وضع نقودًا ورقية في حقيبة ولده ليلًا دون أن يشعر، بدافع الإشفاق الأبوي الخالص، ساءه كثيرًا أن ينتهي الأمر على هذا النحو، ولم يعرف إلى أي مدى قد يكون قرار ولده بالرحيل مصيريًا وحاسمًا بالنسبة إلى كليهما. الجانب الأناني في أبوته دفعه إلى رفض فكرة الرحيل جملة وتفصيلًا، والجانب الواقعي فيه دفعه للتفكير مطولًا في اتخاذ تدابير بديلة عن مخططاته التي كان كَاجُوُمِي طرفًا فيها لتسيير نفقات عائلة مكونة من ستة أبناء، وتسديد الديون المتراكمة. ورغم ذلك اضطر إلى اللجوء إلى علبة الماكنتوش المخبأة بعناية في خزانة الملابس، والتي هي بمثابة بنك العائلة، حيث يدخر فيها ما يتمكن من إدخاره، بعد دفع النفقات الأساسية والضرورية، وأخذ منها مبلغًا من المال ووضعه في حقيبة ابنه سرًا. لاحقًا عندما اكتشفت زوجته اختلال المدخرات، اختلق كذبة أقنعها بها أنه قام بتسديد دين قديم منسي لم يكن في الحسبان.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:36 PM   #[6]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

الجأر بالشكوى من ضنك المعيشة، وتراكم الديون التموينية كان وقتها قد استحال وردًا صباحيًا لا ينقطع، حتى أنه مؤخرًا أصبح وردًا جماعيًا لابد أن يبدأ اليوم العائلي به؛ لاسيما مع الارتفاع الجنوني للأسعار. أحس بعض الأبناء أن ذلك مطالبة مهذبة وغير مباشرة بتخفيض المصاريف إلى الحد الأقصى، والاكتفاء بالضروريات الملحة فقط، بينما رأى البعض الآخر أنه أحد أعراض تقدم السن عندما تنصب كل اهتمامات الوالدين بالقضايا المادية والبحث عن حلول اقتصادية لها. قال أوسطهم: "الحديث عن النفقات يشعرهم بالمسؤولية، والشعور بالمسؤولية يشعرهم بالراحة." ثم أضاف أصغرهم: "وشعورهم بالراحة يشعرهم بالقلق!"

من وجة النظر الأبوية، فإن والد كَاجُوُمِي لم ير أحدًا من أبنائه مؤهلًا لتحمل المسؤولية سوى كَاجُوُمِي، الذي قرر الرحيل فجأة ذات ليلة، ليس لأنه أكثرهم شبهًا به فحسب، ولكن لكونه الابن البكر لهذه العائلة. على مائدة الغداء ذلك اليوم، ألقى كلماته بنبرة جادة، فهمها الجميع على نحو تحذيري: "لقد رحل عَبْد الوَاحِد. قرر ذلك بنفسه، وهو حر في اختياراته، ولكن حياتنا لن تتوقف، وسوف تبقى هذه العائلة ولا شيء سيتغير سوى القليل من الإحساس بالمسؤولية." بينما انشغلت الأم، وقتها، بالتفكير بمصير كَاجُوُمِي المجهول، ودعائها له سرًا بأن يكون الحظ حليفه أينما حل. أصغر أبنائها مسح على ظهرها، وهو يقول: "مثله لا ينبغي أن يُخشى عليه، وفري دعاءك لنا نحن الأقل حظًا." لم يشك أحد في أن رحيل كَاجُوُمِي المفاجئ ألقى بظلال ثقيلة وحزينة على جميع أفراد الأسرة، ولكن أحدًا منهم لم يجرؤ على مناقشة سبب رحيله علانية.

في موقف الحافلات، اكتشف عَبْد الوَاحِد لفافة نقدية ثخينة في حقيبته اليدوية، وخمن أن والدته فعلت ذلك في غيابه، عندما وجد نفسه مضطرًا إلى احتمال عاطفة أنثوية أخرى ألقتها عَزِيِزَة حَسَب الرَّسُوُل وَارْقُو على عاتقه تلك الأمسية تحت شجرة اللبخ العملاقة المشهورة. راحت تتوسل إليه أن يعيد التفكير بشأن الرحيل، وعدم جدواه، ولم يفهم سر إصرارها الغريب على ذلك، رغم أنه لا يكترث لأمرها كثيرًا. في اللحظة التي انقطع فيها رجاؤها من إقناعه فاجأته بمحبتها له، وأنها كتمت محبتها سنتين كاملتين، وآثرت طوالهما أن تظل عاشقة سرية، وعرضة لسخرية صديقاتها الأخريات، عندها أنهى الحوار، الذي كان في طريقه لأخذ منحى درامي شديد اللزوجة، بجملة عبثية قاسية: "هذا حديث أريد أن أخلصه للحق كما يقول صاحبي طه حسين: أنا لا أحمل لك في قلبي أي محبة!" أصيبت بصدمة جراء صراحته التي صنفتها على أنها وقاحة مقصودة، وشعرت بخدش كبير في كبريائها لازمها لسنوات طويلة بعد ذلك. عندما داهمتها حالة بكاء هستيرية لحظتها، حاول إعادة صياغة جملته بطريقة ألطف قليلًا: "أنا لا أحمل محبة لأي أحد، ولكني أتمنى لك حظًا سعيدًا!" فتركته وركضت باكية، واختفت.

ظل صامتًا وهو ينظر إلى انعكاس صورة وجهه في زجاج نافذة الحافلة التي استقلها إلى الخرطوم، وكانت باهتة إلى درجة خمن معها أنه قد يكون باهتًا بالفعل. حتى ذكرياته عن طفولته ونشأته المتواضعة اتسمت بالضبابية، سوى لحظات الرخاء العابرة التي عاشها في بيت خالته امْتِثَال الصَّادِق، في ضاحية أقل ما يقال عنها إنها قذرة ومعدمة، مع أبنائها الذين أحبهم كثيرًا. يتذكر الآن اعتياده على الابتسام والضحك أكثر من أي وقت أو مكان آخرين. كما يتذكر تلك الفترة التي توقف فيها عن زيارة تلك الضاحية بعدما توفيت خالته بمرض غريب جعلها تسعل حتى الموت، وانقطعت صلته بأبناء خالته من بعدها بطريقة غير مفهومة، عندما اختفوا فجأة ولم يعرف أحد أين ذهبوا. غابت أمه عن البيت، ومكثت في بيت شقيقتها المتوفية لمدة ثلاثة أشهر تولت فيها رعاية أبنائها اليتامى بولاء خادمة من عصور الانحطاط، ثم عادت أكثر شحوبًا مما كانت. حدث ذلك بعد وفاة الصَّادِق ضَوْ البَيَت (جده لأمه) بخمس سنوات أو أكثر قليلًا، وصادف خروجه من المدرسة، وانخراطه في السوق للعمل والمساعدة في تسيير نفقات المعيشة للأسرة. عندها تغير كل شيء، ولم يعد الوقت بالنسبة إليه مناسبًا للمرح.

ظلت كلمات والده، التي قالها له في ساعة تربوية حاسمة، تتردد في ذهنه باستمرار كقدر لا مناص منه، وحكمة شديدة الواقعية: "إذا كنت تظن أن الحياة سهلة، فأعد التفكير بالأمر." وفجأة بدأ إدراك تلك الصعوبة في كل ما حوله، حتى في علاقته بعائلته. عن نفسه، فإنه يؤرخ لتوقفه عن المرح والضحك بتلك المرحلة، رغم أنه لا يتذكر أنه كان من النوع المرح في أي وقت من حياته، غير أنه فضل الاعتقاد بأن طفولته كانت مرحة كبقية الأطفال. قال لنفسه: "سواء أكانت كذلك أم لم تكن فقد انقضت وبدأت مرحلة جديدة على أي حال." واحتفظ بكل شيء في سرداب ذاكرته دون أن يحاول تحديد موقفه من تلك المرحلة.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:41 PM   #[7]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

بدافع الفقر، وليس بدافع فلسفي حر، اختار كَاجُوُمِي حياة البوهيمية التي خلعت عليه صفاته المعروفة لدى الجميع: رأس أصلع تمامًا، يحرص على حلقها بالموسى باستمرار، ولحية كثة غير مهذبة، وقميص بلون بني داكن واسع، غير متناسب مع جسده النحيل، وبنطال من الجينز الأزرق الموشك على التمزق عند منطقة الركبتين، وفانيلة داخلية سوداء يرتديها تحت القميص، وسروال مقلّم يرتديه تحت البنطال، وحذاء برباط من نوع (تَمُوت تِخَلِّيه) المصنوع من إطار السيارات، المشهور بمقاومته وصالحيته للاستعمال في كل الظروف والأحوال، حتى أنه كان بإمكانه الخوض به في الماء في المواسم الخريفية غزيرة المطر دون أن يخشى عليه من التلف. وحقيبة قماشية قديمة ذات أطراف متآكلة، رسم عليها صورة مشهورة بالألوان لتشي جيفارا، كان يستخدمها كحقيبة مدرسية في مرحلة سابقة ثم حقيبة لأسفاره لاحقًا.

لم تكن لديه خطة محددة لما سوف يفعله في الخرطوم، وبدا وكأنه تفاجأ بقرار الرحيل كغيره تمامًا. حتى أنه قد هيأ نفسه للتسلل إلى إحدى الحافلات أو اختراع وسيلة ما للذهاب إلى الخرطوم، ولكن المال الذي وجده في حقيبته القماشية وفر عليه عناء كل ذلك، ووهبه ترفًا لم يكن مستعدًا له. عندما وجد لفافة العملات الورقية في حقيبته هز رأسه بسخرية افتقرت إلى التأدب، وهو يقول: "يا للأمهات!" وبدا وكأنه لم يكن راضيًا عن الراحة التي وفرها له ذلك المال بلا عناء، ولكنه اشترى، بلا تردد، علبة سجائر كاملة، دخن منها واحدة، وصعد إلى الحافلة بثقة مستفزة. توقف عقله عن الهذيان عندما سألته امرأة ثلاثينية، جلست إلى جانبه، عن صاحب الصورة المرسومة في حقيبته القماشية: "من هذا؟ أهو بوب مارلي؟" فرفع كتفيه، وهو يقول: "ربما كان هو!"

أرادت السيدة أن تقضي معه بعض الوقت في الكلام كعادة يلجأ إليها البعض لقتل ملل السفر، والهروب من ورطة الانتظار الطويل للوصول إلى نهاية الرحلة. قالت بشيء من الجدية: "أكره السفر بالحافلات. أعتقد أن القطار أفضل. ما رأيك أنت؟" فكر قليلًا قبل أن يجيبها: "لا أرى أي فارق طالما كانت لدينا قدرة على الثرثرة." تحاشت العبور مباشرةً أمام المعنى الحقيقي لجملته، واستطردت ببراءة: "أحيانًا يقتل الكلام شعورنا بالوقت؛ أليس كذلك؟" فهز رأسه وهو يكرر بملل: "صحيح .. صحيح." وعندما أرادت أن تضيف جملة أخرى قاطعها قائلًا: "دائمًا يقتل النوم شعورنا بالوقت!" وأسند رأسه على زجاج النافذة، ونام.

قرأ مرة، منذ أن صارت له ذاكرة ناضجة ويمكن الاعتماد عليها، في كتاب قديم للأطفال يتضمن تجارب شخصيات عظيمة في شكل حكايات مبسطة الصياغة، جملة نسبت إلى برنارد شو: "في طفولتي اضطررت إلى قطع تعلمي للالتحاق بالمدرسة." وساعدته تلك الجملة على إيجاد حجة تعزيه في تركه للدراسة لاحقًا، إضافة إلى حكمة والده الواقعية شديدة الإيلام. أقنع نفسه بأن الدراسة الأكاديمية مضيعة للوقت، وإهدار للمال الذي تحتاجه العائلة في أمور أكثر أهمية وإلحاحًا، ولكنه أراد إنهاء تلك المرحلة على طريقته الخاصة، فختمها بمشاجرة دموية اختلقها مع أحدهم ممن كان يسبب له الضيق كلما رآه، دون أن يعرف سببًا واضحًا لذلك. عندما سأله أحدهم عن سبب اختلاق مشكلة الآن مع شخص لم يرق له منذ فترة طويلة، أجاب ببساطة: "عندما لا يطالك القانون ترى فعل أي شيء ممكنًا." وهكذا لم يتمكن مدير المدرسة من اتخاذ أي إجراء ضد شخص لم يعد طالبًا في مدرسته، واكتفى بإلقاء كلمة على الطلاب في الطابور الصباحي يحذرهم فيها من افتعال المشاجرات؛ حتى ولو خارج أسوار المدرسة، وختم حديثه بجملة بدت غاية في البيروقراطية: "المدرسة ليست للتعليم فحسب؛ بل هي للتهذيب والتقويم كذلك."

أغرته رائحة الجازولين المنبعثة من محطة وقود توقفت فيها الحافلة لبعض الوقت، واكتشف أن السيدة الثلاثينية قامت باستبدال مكانها مع رجل ما، واختارت الجلوس إلى جانب سيدة أخرى قضيا معًا الوقت في الثرثرة والضحك. ترجل عن الحافلة، وانتبذ مكانًا بعيدًا يدخن سيجارته بعنفوان شره، وراح ينفث دخانه في الهواء، وكأنه يحاول أن يطرد شيطانًا ما ولج صدره أثناء غفوته القصيرة. كان المكان أشبه بقرية أصابها الوباء، فهجرها البشر لتسكنها العفاريت والأشباح. المباني بطلاء أبيض متقشر، يكشف عن طبقات من الطوب الأحمر المحروق في بعض أجزائه، والأبواب الزنكية ذات الطلاء الأزرق الباهت، وبلا نوافذ تذكر، وصنابير مياه عمومية تشكو من سوء الاستعمال، وبركة من المياه الآسنة والطحالب حولها.

في جانب ما، بعيدًا عن كل شيء، جثى البعض على ركبهم للتبول، حاملين معهم قوارير مياه غازية مملوءة بالماء للغسيل. وأسراب من الذباب اللحوح تنتشر في المكان كلعنة إلهية مؤكدة. كل شيء يوحي بالبؤس والفقر، حتى وجوه الباعة المتجولين الذين يبيعون أكوامًا من المانجو بثمن بخس، وأكياس الدُّرْدُمَّة والتِّبْش، بملامح كالحة يصعب معها الجزم بقدرتها على الابتسام، ولو بدواعي المجاملة المتكلفة. أطفال شعث ذوي بشرة جافة ومتشققة وملابس متقشفة توحي بالفقر المدقع أتوا من قرى وهجر نائية حفاة لبيع التسالي والكَبْكَبِيَه وأكياس التِّرمس المملح. يقفون لساعات طويلة يعرضون بضاعتهم وينادون عليها بأصوات متهالكة ومشروخة، وينظرون إلى المسافرين بنظرات ملؤها البؤس والحسد على حد سواء.

ثمة قطط هزيلة ومتسخة تمشي رافعة أذيالها غير آبهة بأحد، تشق طريقها عبر الأقدام البشرية المسرعة، محاولة التقاط ما يسقط من بعضهم هنا أو هناك، تأكل أي شيء وكل شيء، حتى الحشرات ذات المذاق المر التي لا تقوى على الطيران لمسافات بعيدة. ليست كالقطط المنزلية التي تفتقر إلى مسحة الكبرياء عندما تتمسح بالأرجل في غنج واستعطاف، ولكنها شرسة بما يكفي لتفقد تعاطف الآخرين معها. بطريقة ما بدت منسجمة ومتكيفة تمامًا مع بيئتها القذرة، ومستعدة لخلع مظهرها المسالم واستعادة طبيعتها البرية.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:47 PM   #[8]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

أخذت رائحة البول التي حملتها رياح غير مهذبة الاتجاه تأتيه، وتدخل خياشيمه، لتعيده قسرًا إلى السوق المركزية لأم لَبَخَة، حيث ذات الرائحة متوفرة بكرم بوليني جم، بفضل المساحات الضيقة التي لا تسمح لك بالهرب منها. يفرغ العابرون حمولات مثاناتهم المنتفخة في أي زاوية متاحة لتصبح الرائحة، بعد ذلك، رائحة مألوفة ومعتاد عليها من قبل رواد السوق والباعة على حد سواء. لسبب ما شعر بالتقزز والاشمئزاز من تلك الرائحة، وعرف أنه تقزز زائف؛ إذ لا يتذكر أنه تقزز منها من قبل؛ لاسيما عندما اضطر إلى الخروج للعمل في السوق. ساقته الرائحة بسلاسة إلى سلسة من الذكريات المزعجة في السوق، حيث المشاجرات اليومية مع الزبائن وأرباب العمل الذين يسيرون على مبدأ (الزبون دائمًا على حق) بعميانية مستفزة، ولا يتذكر أن أحدهم اهتم لحقه عندما اعتاد أن يكون زبونًا، الأمر الذي سبب له ضيقًا ذا طابع عدائي.

تذكر مشاجرته الكلامية مع تلك السيدة التي أصرت على نعته بعديم النظر عندما أرادت شراء صدرية دون أن تعرف مقاسها بالتحديد، فأطال النظر بعيني نسر جامدتين إلى صدرها مباشرة، قبل أن يخبرها أخيرًا بأن مقاسها غير متوفر، وتطوع بإسداء نصيحة لها بألا تتعب نفسها بالبحث في السوق. خرج رب العمل من مكان ما عندما ارتفع صوت السيدة، وهي تردد بغيظ: "ماذا تعني بأن مقاسي غير متوفر؟" بدأ رب العمل مبادرته لتهدئة السيدة باعتذار مبدئي، وبدأ يسأل عن المشكلة لاحقًا. وعندما سأله عن مبرراته أجاب بوضوح تام: "هي تحتاج إلى خُرْتَايَة وليس صدرية بشرية!" وكان ذلك آخر يوم له في العمل.

أزعجته ملاحظة بائعة شاي في السوق حول إصفرار أسنانه، وسألته بنبرة لا تخلو من الإشفاق الحقيقي: "ألا تستاك؟" فأخبرها، وهو ينوي ألا يستمر في الحديث حول هذا الأمر كثيرًا، بأنه ليس بحاجة إلى الاعتناء بأسنانه، لأنه ببساطة لا يتوقع أن تطلب منه فتاة أن يقبلها. عندها ضحكت بائعة الشاي، محاولة لفت انتباهه إلى أن الأمر متعلق برائحة الفم النتنة وليس بتقبيل أنثى. أطال النظر إليها قبل أن يقول: "ليس هنالك سبب يجعل فتاة تقترب مني إلى الحد الذي تتمكن فيه من شم رائحة فمي إلا إن كانت تريدني أن أقبلها." ثم إنه نهض دون أن ينتظر ردًا منها وأخذ يهز رأسه في استياء بالغ من فضولها واهتمامها بأشياء لا تعنيها على الإطلاق. كان يقول دائمًا: "وجودنا صدفة بين الناس لا يعني أننا نسمح لهم بمعرفة كل شيء عنا." وهو ما برر قلة أصدقائه الذين كانوا على استعداد لتحمل طبيعته النزقة والمتقلبة على الدوام.

الحياة في أم لَبَخَة، بالنسبة إليه، لم تكن مثيرة بما يكفي لتخليق عاطفة مثالية تجاهها، وتفاقم الأمر أكثر عندما استشعر الضيق بسبب معضلته العتيدة التي لم يستطع لها دفعًا ولا حلًا، لاسيما كلما رأى والده أو نظر إلى نفسه في المرآة. ذات يوم صعد على ظهر عربة قديمة من طراز رانج روفر منزوعة الإطارات وسط السوق، وصاح بأعلى صوته: "أنا قرفت!" وتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه لينهي المهزلة بطريقة تراجيدية ملائمة. تجمهر الناس حوله، وراحوا يضحكون من منظره وكلماته التي بدت لبعضهم مضحكة وهزلية وكاسرة للروتين اليومي. ألقى بعض العساكر القبض عليه، واقتادوه إلى مركز الشرطة، ظنًا منهم أنه في حالة سكر. أولئك الذين لا يعرفون كَاجُوُمِي عرفوه بأبْ قَرْفَة لصيحته الشهيرة تلك، وتندروا بحالته ومبادرته الغريبة التي لم يسبق أن فكر بها أحد. قال البعض: "إنه على حق، لقد قرفنا نحن أيضًا. الحكومة تفعل الأفاعيل بالمواطنين!" ورأوا أن صيحته تلك ما هي إلا تعبير سياسي بالغ البساطة والعمق، بينما رأى البعض أنه مجرد عاشق يمر بمحنة عاطفية حادة، ووجدوا في ذلك موعظة يجب معها الحذر من النساء.

في مركز الشرطة، لف أحد العساكر ورقة بيضاء على شكل قمع ووضعها على فمه، وطلب منه أن يتنفس بقوة داخلها، للتأكد من تعاطيه للكحول، وبعد إخضاعه إلى اختبار السكر المعتاد، جلس كَاجُوُمِي بهدوء تام على إحدى الأرائك الخشبية الطويلة التي بلا ظهر، وهو يستمع بنصف اهتمام إلى ما يقوله أحد العساكر في صيغة تهديد: "إذا كنت تصطنع الجنون، فنحن الجنون بعينه. أعدك بأنك سوف تتمنى أن لو كنت مجنونًا بالفعل." كان الجو داخل مخفر الشرطة شديد الحرارة، فراح يتصبب عرقًا، الأمر الذي أشعره بمزيد من الاستياء.

بعد ساعات؛ عندما دخل الضابط المناوب إلى المخفر بمشيته المتثاقلة، وهو يضرب الأرض بحذائه العسكري بقوة، وقف العساكر بطريقة آلية، وألقوا التحية. كان كَاجُوُمِي وقتها قد أسند ظهره إلى الجدار، وراح في غفوة قصيرة، قبل أن توقظه صفعة من أحدهم، ويأتيه صوت آمر: "هل جئت هنا لتنام؟" فرفع بصره ورمق صاحب الصوت بنظرة حانقة، وهو يقول: "فضلًا .. جيئ بي!" الأمر الذي دفع الضابط للسؤال عن سبب وجوده في المخفر. تقدم أحد العساكر وألقى التحية العسكرية مرة أخرى، وهو يقول: "لقد وجود وهو يحدث شغبًا في السوق."

بعد ساعات من التحقيق، أنهى الضابط المناوب الأمر برمته، بأن أجبره على التوقيع على تعهد كتابي بألا يكرر فعلته مرة أخرى، وختم كلامه قائلًا: "هذه القرية مليئة بالمعتوهين والمجانين، وليس ينقصنا عبء إضافي. اذهب ولا ترني وجهك هنا مرة أخرى." ولم يغادر كَاجُوُمِي قبل أن يصرح بملاحظته عن حرارة الجو داخل قسم الشرطة، وضرورة اقتناء مروحة سقف لتفادي هذه المشكلة، فنظر إليه الضابط المناوب، وهو يحاول التأكد من جديته حول هذه الملاحظة، قبل أن يشير إليه بيده إلى باب المخفر، ويطلب منه المغادرة، دون أن ينطق بحرف.

بدأ الأمر بما يشبه العبث الساخر، ولكنه فيما بعد جرى كقدر حتمي غير مدروس؛ إذ تحقق النصف الأول من أمنية كَاجُوُمِي بعد ثلاثة أيام من صيحته المشهورة، وتسبب صدع أرضي مفاجئ في إحداث خُوْر عملاق في القرية شقها من شمالها إلى جنوبها، أسموه (خُوْر أبْ قَرْفَة)، وأصبح فيما بعد اسمًا ثانيًا للقرية التي غادرها مغاضبًا ذات صباح بلا تخطيط مسبق. أصبح الجميع يرددون اسم خُوْر أبْ قَرْفَة بسلاسة وتلقائية وكأنه اسم تراثي عتيق.

الأطفال الذين ولدوا بعد رحيل كَاجُوُمِي بعشرة أعوام أو أقل قليلًا، خرجوا ليجدوا قريتهم بهذا الاسم، ولم يتساءل أحد عن سبب التسمية، إلا فيما ندر، بدواعي الفضول وليس بدواعي التوثيق المعرفي على أي حال. في المواسم الخريفية الماطرة يمتلئ الخور بالمياه ويستحيل نهرًا يستمر طيلة شهرين كاملين، ثم ينضب ليستحيل نهرًا في موسم الخريف التالي. تلك الحادثة كانت الأكثر إقناعًا لأهل القرية بأن عَبْد الوَاحِد رَحَمَة يمتلك موهبة نادرة ومخيفة، وكانت سبب ترسخ لقب كَاجُوُمِي والتصاقه به إلى الأبد.


نهاية الفصل الأول




imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 23-12-2012, 02:52 PM   #[9]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي


الفصل الثاني


عندما انتهت سيجارته تقريبًا، قذف بها بإصبعيه بعيدًا، وهو يقول بغضب: "ألم تجد غيره لتتزوج به؟" وقف قليلًا قبل أن يبصق لعابه الذي بمذاق النيكوتين الثقيل. مسح رأسه الأصلع بكفيه، وهو يتساءل كمن ينتظر إجابة من أحدهم: "ماذا لو كنت من السِّدْرَاب وليس من الرَّحَمَاب؟" واستشعر سخف السؤال وعبثية الإجابة في آن معًا. عاد إلى الحافلة التي بدأ سائقها بتنبيه الركاب بموعد الرحيل مستخدمًا بوقه المزعج. استقبله جاره في المقعد المجاور بابتسامة عريضة، وهو يعلق على ثرثرة النساء وقدرتهن الجهنمية على الكلام، في محاولة منه لتذكيره بأمر السيدة التي كانت تجلس إلى جواره من قبل. اكتفى كَاجُوُمِي برسم ابتسامة متعاطفة مع ابتسامته ومؤيدة لكلامه، وأسند رأسه على زجاج النافذة وتظاهر بالنوم. عندما حاول جاره الاستطراد في حديثه، قاطعه بسؤال مفاجئ:
- هل تدري لماذا أحلق شعر رأسي دائمًا؟
- ... ؟
- لأنه يزعجني!

كان تلميحه ذلك كفيلًا بإنهاء الحديث بينهما إلى الأبد. والأبد هنا يعني إلى أن وصلت الحافلة إلى الخرطوم، حيث داهمته حرارة الجو القاسية. كانت الساعة وقتها على وشك الإشارة إلى الثانية ظهرًا، والعرق يملء وجهه وظهره وينزلق إلى مؤخرته. وقف على إحدى الأرصفة، وهو يفكر فيما يمكن فعله، عندما اصطدم به أحدهم ووقع على الأرض. كان يفكر في مساعدته على النهوض قبل أن يكتشف تكالب الناس عليه، وراحوا يبرحونه ضربًا، وسمع أحدهم يصيح بهم: "خذوه إلى قسم الشرطة." انفض الناس من حوله، قبل أن يفهم ما يحدث، وبقيت سيدة لها بروفيل ثعلب إلى جواره، راحت تكيل له الشكر على إنقاذ حقيبتها اليدوية من يد السارق. لم تفهم مغزى جملته عندما قال لها: "أنا لم أفعل شيئًا." وأخذته على محمل التواضع المستحق للتقدير والإشادة، ولم يجتهد كثيرًا في توضيح الأمر؛ إذ بدا له غير ضروريًا. عندما أشار إليها البعض بضرورة المثول أمام الضابط لتحرير بلاغ رسمي حول حادثة النشل، بالكاد تركته وهي تدعو له بالتوفيق والسداد بنظرات بدت له خالية من حسن النية.

ظل كَاجُوُمِي واقفًا مكانه دون أن يعرف إلى أين يتوجه. أذهلته حرارة الجو، وجعلته يشعر باستياء بالغ. مئات الوجوه المتعرقة تعبر أمامه، وقد ارتسمت عليها ملامح البؤس والشقاء. الجميع هنا منشغلون بأنفسهم وبهمومهم الذاتية، ولم يعرف ما يتوجب عليه فعله. في جانب ما رأى طفلًا وقد وضع دلوًا مملوءًا بعصير مثلج، وهو يصيح: "بَرِّد .. بَرِّد". رأى قطرات الندى الباردة وهي تنزلق على الدلو من الخارج، فأحس بأنه المعني بذلك النداء. اقترب منه في هدوء وطلب كوبًا دون أن يعرف نوع المشروب ودون أن يسأل عن الثمن. ابتسم في سره، وهو يقول: "من يملك المال لا يسأل عن الثمن." شرب كوبه الأول بشراهة، وطلب كوبًا آخرًا، وشربه على مهل هذه المرة، وكأنه يتلذذ بكل رشفة. دفع بالنقود إلى الطفل، وقد استشعر بعض التحسن، ثم نظر إلى الطفل، وكأنه يراه للتو، وسأله: "أين نحن الآن؟" فأجابه الطفل باندهاش مأدب: "في السوق الشعبي، أمدرمان." شكره، وانصرف عنه غير بعيد، وراح يفكر فيما يتوجب عليه فعله.

فاجأته صورة والده أمامه، فشعر باستياء بالغ عبر عنه بأفأفة عالية ثم أسند جسده النحيل على جذع شجرة نِيِم عتيقة رمت بظلالها على بعض المكان. تذكر تلك الليلة التي قادته قدماه إلى غرفة نوم والديه، عندما سمع أنينًا مكتومًا يصدر من هناك، وفي ضوء فانوس شحيح رآى والده وقد اعتلى أمه عاريًا، وهي تئن تحته في لذة. لم يكن صغيرًا ذلك الوقت بالقدر الذي يجعله لا يفهم ما يعنيه ذلك، ولكنه شعر بتقزز من منظر الجسدين العاريين، وقد اختلطا ببعضهما في تمازج لوني رآه صارخًا وقتها: جسد أسود عار شديد القتامة والخشونة يعتلي جسدًا برونزيًا عاريًا شديد الليونة. إنها معركة لحمية مثيرة للتقزز، والضوء الشحيح المتوفر يترك ظلالًا على كتل اللحم المتعرقة فتعطيها لمعانًا شبحيًا يزيد من أسطورية اللحظة وهلاميتها. كانت تحتضن صدره المتعرق، وتمسح عرقه عن شعر صدره وجبينه دون أن يبادلها ذلك ولو بإبداء الامتنان. رأى والده وكأنه بلا أخلاق أو رحمة. لم يجد في تعابير وجهه تلك المحبة التي رآها في وجه أمه، فأحس بأنهما مختلفان ومتنافران.

كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها مشهدًا جنسيًا متكاملًا، وساءه أن يكون ذلك لوالديه، وعبر عن استيائه بأن أقفل باب غرفتهما بقوة وعاد مسرعًا إلى غرفته وتظاهر بالنوم. شيء ما سقط وانكسر، ولم يفلح في إصلاحه. شيء لم يتمكن من إمساكه ومعالجته، ولكنه بدأ يكره والده ويحتقر أمه. كره في أبيه فضاضته وقسوته ونهمه القروي للجنس، واحتقر في أمه قبولها بشخص كوالده. منذ تلك اللحظة لم يعد قادرًا على النظر إلى وجه أحدهما، وأخذ يتحاشى التقاطع معهما ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. هو نفسه اندهش من ردة فعله العنيفة إزاء ما رآه، فأن يتخيل الأمر شيء وأن يراه بأم عينيه شيء آخر، وكأنه تفاجأ بحقيقة العلاقة التي تربط أمه بأبيه، وما قد يحدث بينهما ليلًا عندما يأويان إلى غرفتهما ويغلقان الباب. تقافزت في ذهنه تساؤلات أخذت ضراوتها من سذاجتها وبداهتها: أهذا ما ظلا يفعلانه طوال ثلاث عشرة سنة؟ هذا الجنس المقزز كان يحدث كل ليلة طوال هذه السنوات؟ هل أنا فعلًا نتاج هذا الصراع اللحمي المتعرق؟ هل فعلًا تجد أمي متعة مع ذلك الشخص الهمجي الفظ؟



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 23-12-2012, 02:57 PM   #[10]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

في غمرة تساؤلاته تلك، تفاجأ بالمرأة الثعلب أمامه، وهي تنظر إليه بمكر مقزز، قبل أن تداهمه بسؤالها: "أمازلت واقفًا هنا أيها الوسيم؟" استغرب سؤالها أولًا ثم إنه هز رأسه مؤيدًا: "يبدو كذلك." فانطلقت المرأة في ثرثرة بدت له أنها بلا نهاية، تحكي له عن نفسها، ومن أين جاءت، وأين تقيم:
"اسمي نِعْمَات الزُّبَيَر، أصدقائي ينادونني نَعُوُمِي، وأنا أحب هذا الاسم كثيرًا. كنت في زيارة عائلية طارئة لأسبوع في نِيَالا، ولكنني أملك بيتًا في أمْبَدَّة. الجو حار اليوم! حر أمدرمان لا يطاق، أتدري لماذا؟ لأنها أرض حجرية ومحاطة بالجبال من كل جانب. لا أدري لماذا لم يفكروا بوضع مظلات لينتظر تحتها المسافرون والمودعون؟ لقد كتب على الشعب السوداني أن يعاني طيلة حياته."

بدافع رد الجميل، كما قالت، عبرت له عن استعدادها لاستقباله في منزلها حتى يعثر على أقاربه في الخرطوم، وعندما صرح لها بأنه لا يعرف أحدًا في الخرطوم، عرضت عليه بسخاء متهور الإقامة في الجزء الآخر الفارغ من منزلها. ابتسم كَاجُوُمِي في سخرية وهو يتذكر رزمة نقوده الورقية، وأجابها بشيء يشبه الخجل: "ولكني لا أملك مالًا كافيًا للسكن." عندها أمسكت المرأة بتلابيبه بيد ممتلئة، وهي تقول: "ما بين الخيرين حساب!" وانطلقت به إلى موقف سيارات الأجرة القريب.

سيدة في الرمق الأخير من خريفها الثالث، بملامح حادة وماجنة، شديدة التبرج، ممتلئة الجسد، متوسطة القوام، قمحية اللون، وبدت عليها علامات الثراء بوضوح لا تخطئه عين. سارت أمامه بخطوات واسعة وحثيثة، وهي تتكلم مع إحداهن في هاتفها النقال مطمئنة إياها بأنها وصلت إلى الخرطوم أخيرًا بعد رحلة مضنية. لاحظ اهتزاز أردافها المتوحشة، وحاول أن يمنع نفسه من النظر إليها ولكن دون جدوى. قال في سره أخيرًا: "إنها أرداف بحجم المكان!" سمعها تحكي لمحدثتها في الطرف الآخر من الهاتف عن قصة اختطاف حقيبتها اليدوية عند وصولها، واكتشف عندها أنها كانت تحوي مجموعة لا تقدر من الجواهر الثمينة والعملات الورقية، إضافة إلى بطاقة ائتمانية لم يعرف فيم تستخدم على وجه الدقة. قاطعت نظراته المتهكمة لأردافها، وهي تربت على كتفه قائلة عبر الهاتف: "إنه شاب وسيم وشهم، وممتلئ الرجولة." ثم أطلقت ضحكة ماجنة، وهي تضيف: "بالتأكيد، لا يمكنني أن أترك شخصًا مثله يضيع من يدي." وغمزته بطريقة ذات مغزى.

أحس كَاجُوُمِي أنه تورط في علاقة من نوع غريب مع هذه السيدة، ولكنه سار معها بطريقة قدرية للغاية. لم يجد أمامه حلًا آخر غير أن يتبعها وأن يصغي لما تقوله، وكأن ثمة علاقة حميمة قد بدأت بينهما للتو. قال في سره: "المضطر يركب الصعب." ووجده مبررًا كافيًا لمتابعتها بعميانية. لم يتكلم كثيرًا، واكتفى برسم ابتسامة ثابتة تعني القبول على كل شيء وأي شيء، حتى ولو كانت ملاحظة سخيفة وساذجة، اكتشف ذلك عندما أخبرته بطريقة سرية لا مبرر لها بأن الجو حار جدًا، فنظر إليها وابتسم ابتسامة لا تعني أي شيء. تعمدت كثيرًا أن تضع كفها على ركبته، وحاولت إظهار ذلك وكأنه يحدث بطريقة تلقائي غير مقصودة، كان وقتها قد تمكن من تخمين ما يمكن أن ينتهي إليه أمر هذه العلاقة الطارئة، ولكنه أصر على الانقياد لها برضوخ غريب حتى بالنسبة إليه.

انشغل لبعض الوقت بإلقاء النظر إلى بيوت أمدرمان ومحالها التجارية وشوارعها الضيقة والمزدحمة، كلابها، وأغنامها السائبة. كل شيء بدا بالنسبة إليه باهتًا وضبابيًا وكأنه في حلم غير واضح المعالم. تذكر قريته الصغيرة القابعة بهدوء وجودي قاتم، بأرضها الترابية الرطبة محاطة بكثبان رملية مجنونة وثائرة على الدوام. حين تتشبع الأرض الترابية بالمياه الباردة، وتبصقها وحلًا في أقدام العابرين، تعالج كيمياء المطر بطريقة ساذجة ومزعجة للغاية، تستحيل إلى مستنقع طيني يعج بالبشر والضفادع. يعمد الأطفال إلى الضفادع، ويربطون قوائمها الخلفية بخيوط رفيعة وطويلة ويسوقونها، وهي تتقافز أمامهم مذعورة أو يتسابقون بها في خط طيني طويل، وعلى الفائز أن يطارد البقية بكرات طينية يلطخ وجوههم بها. تذكر تلك المشاهد التي قفزت فجأة إلى مخيلته، وهو يرى مجموعة من الأطفال يلعبون السيجا في إحدى الطرقات، فارتسمت في وجهه ابتسامة هادئة كأنه لم يقصدها. انتبه فجأة مستشعرًا يد السيدة الثعلب تمسح عرق جبينه، وهي تقول: "ما الذي جعلك تبتسم؟"

كانت عربة الأجرة وقتها تخترق أحشاء أمدرمان برشاقة، فانتبه إلى مكانه كائنًا له وجوده الآني. نظر من حوله قبل أن ينظر إليها مباشرة، وهو يقول: "هل ابتسمت فعلًا؟" استمرت السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر في مسح عرق جبينه دون أن تكترث كثيرًا لوجودهما في الشارع. فكر إن النساء يثيرهن رؤية الرجال متعرقين كأنهم يفرزون مع عرقهم روائح هرومانتهم الذكورية التي تحرك فيهن الكوامن. أحس بنفسه قطًا مدلًا، وهي تمسح عرقه من منبت شعره ورقبته، ولم يعجبه ذلك الإحساس كثيرًا، فدفع يدها عنه بعنف، فنظرت إليه بزهو بالغ، وأبدت إعجابها بعنفوانه، وهي تقول: "قوي وجامح كخيل أصيلة." لاحظ أن سائق عربة الأجرة يراقبهما من خلال مرآته الأمامية بشيء من الفضول والإزدراء في ذات الوقت، فبادره بسؤال له مغزاه: "هل نحن في الطريق الصحيحة؟" فلم يجبه السائق وإنما اكتفى بالتوقف عن مراقبهما والتركيز على الطريق.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 23-12-2012, 03:01 PM   #[11]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

توقفت عربة الأجرة أخيرًا. كانت بالنسبة إليه دهرًا كاملًا من الانتظار والتعرق والتأمل والتقزز من السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر وتصرفاتها التي اعتبرها صبيانية من ذلك النوع الذي لا يطاق. عندما نزل من العربة فتح أزرار قميصه ليسمح للهواء الخفيف بالدخول وتبريد جسده المبلل بكامله بالعرق. نظرت نِعْمَات الزُّبَيَر إلى صدره وعضت شفتها السلفى بطريقة ماجنة، وأسرعت لمحاسبة السائق. في المنزل من الداخل، والذي كان يعبق برائحة غريبة لم يتعرف إليها، طلبت منه السيدة نِعْمَات الجلوس على الأريكة وانطلقت إلى الداخل. عندما عادت بدأت تحكي له عن حياتها البائسة بدون مقدمات:
"هل ترى هذا المنزل الكبير؟ أعيش فيه لوحدي منذ ثلاث سنوات، تحديدًا عندما توفي زوجي في حادث سير على طريق مَدَنِي-الخرطوم. ليس لدي أطفال كما ترى وأعيش وحدة قاتلة. أحاول قتل هذا الملل بالاختلاط بالناس والضحك دائمًا، ولهذا يعتقد الكثيرون أنني سعيدة، ولكنني لست كذلك. لسبب ما لا أعرفه شعرت براحة غريبة تجاهك عندما رأيتك في الحافلة. كنت أراقبك طوال الطريق، ولكنك لم تنتبه لي. شعرت بشيء من السعادة عندما صددت تلك المرأة التي كانت إلى جوارك، وحاولت أن ألفت انتباهك أكثر من مرة، ولكن دون جدوى. زاد إعجابي بك بعد موقفك النبيل والشجاع، عندما أوقفت ذلك السارق، وعرفت أن الله أراد أن يعطني فرصة أتقرب من خلالها إليك. أنت تعجبني. لا تندهش لصراحتي فأنا لا أحب أن أخفي مشاعري أبدًا. نحن نعيش حياتنا مرة واحدة فقط، ومن الغباء هدر العمر في الحياء والخجل الذي لا طائل منه. هذا المنزل مجزأ إلى قسمين، بإمكانك أن تأخذ القسم الآخر إن أردت، وسأكون سعيدة بذلك غاية السعادة: أن تكون إلى جانبي دائمًا. لا تقلق بشأن المال، فهو آخر ما أفكر به، ولكني فقط أريدك أن تتقبل وجودي في حياتك. لأنك قدري."

توقف كثيرًا عند جملتها الأخيرة، وتساءل ما إذا كانت هي قدره كذلك. هل كان ذلك هو سبب قبوله وانقياده الأعمى لها منذ البداية؟ هل ساقها القدر في طريقه لسبب لا يعلمه؟ أم هي محض مصادفة ربما لا تعني شيئًا على الإطلاق؟ إننا نعلم أن القدر ليس سوى سلسلة من المصادفات المتناغمة بلا وعي لتخلق في النهاية مصيرًا فارقًا في حياة أحدنا. هو إنما نتاج حركتنا وحركة الآخرين داخل دولاب الزمان والمكان، وليس ثمة سبب أو مبرر بعينه يجعلنا نجزم بكونه جيدًا أو سيئًا في ذاته، لأنه، ببساطة لا يقصد أن يكون هذا أو ذاك، نحن الذين نقيس ارتباط حدوثه بمصالحنا. القدر محايد تجاهنا تمامًا، فهو لا يجتهد لجعلنا سعداء أو تعساء ولا يكترث لذلك، إنه يحدث وحسب.

إنما هي صدفة محضة تلك التي جعلت الفلاح ينسى باب مخزن الغلال مفتوحًا ذلك اليوم، وهي ذات المصادفة التي استفاد منها جرذ متسول، وتسلل إلى المخزن، وأكل حتى امتلأ وشبع، ثم إن كل ذلك صب في مصلحة أفعى جائعة كانت تبحث عن فريستها، عندما وجدت أمامها جرذًا سمينًا خارجًا للتو من مخزن الغلال الذي نسي الفلاح أن يغلق بابه. ثم هي مرة أخرى مصادفة خارقة أن يعثر نسر جائع على أفعى تزحف متخمة بعد أن أكلت جرذًا سمينًا خرج من مخزن الغلال الذي نسي الفلاح أن يغلق بابه. وهي ذات المصادفة التي أنقذت طفلًا كان على وشك أن تلدغه الأفعى المتخمة التي اختطفها نسر بعد أن أكلت جرذًا سمينًا خارجًا للتو من مخزن الغلال الذي نسي الفلاح أن يغلق بابه، وبالتأكيد كان من المصادفة أن ذلك الطفل لم يكن سوى ابن ذلك المزارع آخر الأمر.

انغمس في تساؤلاته الخاصة، وراح يفكر حول ما قد يعنيه قبوله لعرضها، هذا الذي قد لا يتوفر له في أي مكان آخر ولو اجتهد، قبل أن يدرك أنها أطبقت على شفتيه، وراحت تقبله بشغف لم يختبره من قبل. كل ما خشيه ذلك الوقت أن تكون علاقته مع السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر حائلًا دون تحقيق أمنيته التليدة، ولكنه وجد نفسه مضطرًا لقبول عرضها، لأنه لم يكن شيء أنسب منه؛ بل كانت بالنسبة إليه فرصة لا تعوض. عرف أنه ربما سيقضي عمره كله إلى جوارها إن لم يضع أمنيته نصب عينيه أو يلتزم بنصيحة والدته بالعودة إلى القرية، وقبول الأمر الواقع. بوقاحة أثارت دهشته طلبت منه أن يمارس معها جنسًا كاملًا، وظلت تنظر إليه بنظرات لا تخلو من رغبة وتحد لم يجرؤ على مقاومتهما. أجابها بكل بساطة: "إن كان هذا سيجعلك سعيدة فلا مانع!"

ثلاث سنوات مرت دون أن يعرف كيف له أن يحقق أمنيته اليتيمة. تلك الأمنية التي ظلت عصية على التحقق. ثلاث سنوات من الأسر الرحيم لدى السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر ورغباتها الجسدية التي لا تنضب. كان يعلم أن شباب الحي يتحدثون، في غيابه، عن علاقته بها، وربما يزدريه البعض لأجلها، في حين يحسده البعض الآخر عليها. تلك الأمسية اختفى خلف مجموعة من مداميك الطوب الأحمر المتراصة، يسترق السمع إلى صديقين يتحدثان عنه:
- هل تعرف ذلك الشاب الذي جلبته السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر معها من سفرها الأخير؟
- لا، ولكن لا يبدو مختلفًا عن سابقيه.

شعر بالخزي حين سماعه ذلك، ولكنه لم يجرؤ على فعل شيء. أحاطت به السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر إحاطة السوار الصدئ بالمعصم، ولم يتمكن من الإفلات من قبضتها. كان معدمًا ويائسًا ولم يعرف ما قد يفعله إن هو قرر ترك منزلها ومغادرته إلى الأبد. اكتشف أن قراره بترك بيت أبيه كان أسهل بكثير. باستطاعته هنا أن يأكل ويشرب ويجد مكانًا ينام فيه دون أن يدفع مالًا، ولكنه عوضًا عن ذلك دفع أكثر من ذلك بكثير. لم يكن يتخيل أنه سوف يتصالح مع جسده بعد تلك الليلة المشؤمة، وهو الذي ظل يتقزز من الجنس، ويعتبره عملًا شيطانيًا يستوجب الاحتقار. وجد كَاجُوُمِي نفسه أمام سيدة شبقة ومستعرة الرغبات بإمكانها أن تشبع ثكنة عسكرية بأكملها، وبدا أن الثمن الذي ارتضاه أكثر بكثير مما توقعه ومما يقدر عليه، ولذا حرصت نِعْمَات الزُّبَيَر على الاهتمام بصحته وتغذيته جيدًا. ثلاث سنوات من علاقة لم يستطع أن يجد لها تسمية ملائمة ومحترمة، ولكنه آخر الأمر أقنع نفسه بأنه يتبع قدره المرسوم له، وأن كل هذا سينتهي يومًا ما ولاشك.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 23-12-2012, 03:05 PM   #[12]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

بدأ أهل الحي يتعرفون على موهبة كَاجُوُمِي الجهنمية عندما تمنى أن ينكسر زير عَبْد الهَادِي مَحْجُوب (إمام الحي) الذي لا يحبه أحد، عندما نهر مجموعة من المراهقين، حين ساقهم الظمأ إلى مزيرته المنتصبة أمام باب بيته: "هذه المزيرة لعابري السبيل، ولست خادمًا لدى أحدكم حتى أملأها كلما أفرغتموها." فما لبثت أن انكسرت أمام مرأى الجميع، وأخذ ماؤها يتدفق كالسيل، وتجمعت مجموعة من القطط والكلاب يشربون منها، وكأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة منذ زمن طويل. في البدء تعجبوا وضحكوا، وأخذوا الأمر على أنها مصادفة غريبة يصلح التندر بها لبعض الوقت، ولكن الخوف ملء قلوبهم عندما انهار السايفون، وغرقت إيمان دَفْع الله داخل كومة من الروث البشري، بعد أمنية تمناها لها كَاجُوُمِي تحققت كما أرادها تمامًا.

يومها حاولت إيمان دَفْع الله مغازلته بطريقة خفية بينما كان جالسًا أمام دكان الحي الفقير مع بعض شباب الحي، وهم يتحدثون عن الفتيات وخبثهم، عندما أشار إليها، وقال: "كهذه الفتاة التي تتغزل بي وتظن أن بوسعها أن تمتلك قلب أي رجل فقط لأنها أنثى. إنها لا تفعل شيئًا غير أن تثير تقززي وحسب!" أخذ الشباب يضحكون من كلامه، ما جعلها تثور غاضبة، وهي ترمي رهط الفتيان بما تناولته يدها من حصوات صغيرة. نظرت إليه مباشرة، وهي تقول: "انظر إلى نفسك أيها الأسود الحقير. من أنت حتى تتغزل بك فتاة مثلي. ألا ترى نفسك في المرأة أولًا؟ لو كنت مكانك لتواريت خجلًا يا من تعيش على كاهل النساء." فما كان من كَاجُوُمِي إلا أن وقف وقد علاه الغضب، وبدأت أطرافه ترتجف وكأنه على وشك أن ينقسم على نفسه، تمامًا كما كان يفعل عندما يناديه أحدهم بنصف اسمه. أزبد فمه وهو يحاول ألا يبدو منفعلًا، وقال: "إن كنت معجبة بنفسك إلى هذا الحد فإني أتمنى أن تغرقي في الروث، فهذا هو مكانك الطبيعي أيتها الساقطة." فحدث ما تمناه ولم يستطع أحد أن ينتشل جثتها من كومة الروث البشري التي غرقت فيه.

تلك الحادثة البشعة أثارت الرعب في قلوب أهالي الحي، وبدأوا يخشون كَاجُوُمِي وغضبه، وبعضهم آثر الابتعاد عنه نهائيًا، فكانت الوحدة تحيط به من كل جانب، فيما عدا قلة من أصدقائه النادرين الذين أطلقوا عليه لقب (كَاجُوُمِي) تمجيدًا لحظه الذي كان قد أصبح مصدر إلهام للكثير من أهالي أمْبَدَّة. ذلك ما جعله قليل الخروج إلى الشارع والاختلاط بالآخرين، فاعتاد المكوث في البيت والتمدد على أرجوحته التي لا يتمكن أحد غيره من النوم عليها باستقرار، مرتديًا فنيلته الداخلية السوداء المميزة، وسرواله المقلّم القصير، ورش كامل جسده النحيل متوهج السواد، ورش فناء الدار ذي الأرضية الترابية.

ذلك النهار كان قد أخذ وضعيته المفضلة لديه، وأطلق مجموعة الدواجن من أقفاصها، وانشغل بملاحقتها بماء الخرطوم وراح يفكر في مصيره وقدره الذي قاده إلى الخرطوم بين أحضان السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر التي شغفت به حبًا إلى حد أشعره بالاختناق. إنها تبدو ماجنة إلى الحد البعيد: في لبسها وعطرها الذي تغرق نفسها به، وحتى في شغفها بالممارسة والتصريح برغباتها المحرمة، وسمع عنها من بعض أصدقائه قصصًا تؤهلها لأن تكون مومسًا محترفة، ولكنه لم يقدر على النظر إليها كمومس رغم كل ذلك؛ لاسيما بعد تلك الليلة التي نزعت فيها ملامح التبرج والمجون وبدت إنسانة أخرى، تستحق الشفقة أكثر من أي شيء آخر.

ليلتها ساقته من تلابيبه إلى غرفتها، وقد ارتدت ملابس نومها الخفيفة التي أظهرت جسدها الممتلئ كشحنة إسفنج معدة للتصدير. قذفت به على سريرها الوثير حد الترف، وراحت تنزع عنه ملابسه حتى لم يتبق منه شيء، ومارست معه جنسًا محتدمًا استمر لثلاث ساعات، شعر فيها كَاجُوُمِي بالإرهاق وتعرق مثلما لم يتعرق من قبل. أخذت تمسح العرق عن جبينه وعن شعر صدره في الوقت الذي شعر فيه بالإرهاق الشديد، ولم يستطع فعل شيء غير الاستلقاء إلى جوارها في إعياء. تذكر تلك الصورة المقززة التي احتفظ بها لوالديه وهما يمارسان الجنس مع بعضيهما، ووجد نفسه لا يختلف كثيرًا عن والده، ذلك ما جعله يبكي بحرقة دون أن يعرف سببًا لذلك. احتضنته نِعْمَات الزُّبَيَر بقوة، ووضعت رأسه بين نهديها العملاقتين، وراحت تمسح على رأسه الأصلع متعجبة مما انتهى إليه الأمر: "ما بك يا حبيبي؟ لقد أبليت حسنًا هذه الليلة." ولكنه لم يقو على الكلام.

ربما استغرق الأمر ساعة أو أقل من ذلك، قبل أن يفيق كَاجُوُمِي من نوبة بكائه تلك، ليجد نِعْمَات الزُّبَيَر إلى جواره كأم رءوم، وقد اختفت عنها تلك الملامح الماجنة التي لطالما أشعرته بالتقزز منها. رأى دموع أثرية على عينيها لأول مرة. بدت كالأطفال وقد اختفى كبرياؤها الباذخ الذي توحي به مساحيق التجميل المتكلفة. سألته عن سبب بكائه، فلم يستطع الإجابة عن سؤالها بشيء، فقط اكتفى باعتذار لا معنى له على الإطلاق. نظر إليها جيدًا قبل أن يسألها بالمقابل: "وما الذي أبكاك؟" عندها أسندت نِعْمَات الزُّبَيَر رأسها على صدره، وشرعت تبكي من جديد. لم يجد كَاجُوُمِي ما يفعله غير أن مسح على كتفها برفق لم يعتد عليه، وحاول تهدئتها فلم يستطع. كانت كأنها تنتظره ينتهي من بكائه حتى تبدأ نوبتها. قالت وهي تبكي: "يجب على أحدنا أن يتحلى بالجلد عندما ينهار الآخر!"



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 23-12-2012, 03:11 PM   #[13]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

كانت نوبة بكاء صادقة وطويلة، حتى أنه في نهاية الأمر بدأ يشعر بالملل والخدر في يده، فتوقف عن ملاطفتها وتهدئتها، وغفا قليلًا قبل أن ينتبه على سؤالها المباغت: "عَبْد الوَاحِد، هل تحبني؟" فأجابها بكل هدوء ودون تردد أو حتى دون أن يجهد نفسه في البحث عن طريقة دبلوماسية: "لا!" نظرت إليه بعمق في عينيه، ولكنه بدا صادقًا فيما قاله، فشعرت بخيبة أمل جارحة جدًا ثم إنها أعادت رأسها على صدره وسألته مرة أخرى: "إذًا فماذا تسمي علاقتنا هذه؟" انتظرت أن تسمع منه إجابة صادقة كسابقتها، ولكنه لم يفعل. ظل صامتًا ينظر إلى سقف الغرفة، وكأنه غارق في التفكير:
- أهو سؤال صعب إلى هذا الحد؟
- ليس كذلك، ولكن أعتقد أنني لا أملك أن أسمي هذه العلاقة.
- من يجب عليه تسميتها إذًا، أنا؟
- هل يتوجب علينا فعلًا تسميتها؟
- أحب أن أعرف كيف تنظر إليّ. أعني هل تزدريني، تحتقرني؟
- وأنتِ هل تشفقين عليّ أم تحبينني؟
- لِم أنت حاد في ردودك هكذا؟ أنا لا أشفق عليك، ولكني لا أعرف حقيقة شعوري تجاهك. لم أختبر هذا الشعور من قبل، ولهذا طلبت مساعدتك.

لم يجبها على الإطلاق، وظل مطرقًا وواجمًا، وكأنه لم يسمع منها شيئًا. حتى هي نسيت الأمر برمته، وعادت تسند رأسها على صدره، وهي تقول: "أنت قاس جدًا." ساد صمت ثقيل وكأنهما قررا عدم مواصلة الحديث، وكانت الحركة الوحيدة التي تبادلاها ذلك الوقت هي التدخين بشراهة. تأخذ نفسًا عميقًا من التبغ، وتعطيه إياه، ليأخذ نفسًا عميقًا ويعيده إليها مرة أخرى، عندما انتهيا، نهضت نِعْمَات الزُّبَيَر عن صدره، وتمددت إلى جواره، وبدأت تحكي:
"أتدري، في صغري كنت أحب اللعب مع الأولاد كثيرًا، ولكن أبي لم يحب ذلك. يقول إن البنات لا يجب عليهن اللعب مع الأولاد، وأن لكل منا لعبة خاصة به. كنت أحب اللعب بالكرة والسَّكَّجْ بَكَّجْ ، ولم أجد متعة في ملاعبة العرائس، رأيتها لعبة سخيفة. لا أذكر أنها أغوتني يومًا. ألعاب الأولاد بها إثارة وحركة وتفاعل، بينما ألعاب البنات تفتقر إلى كل ذلك. كنت بدينة جدًا بالنسبة إلى فتاة في سني، وتعرضت كثيرًا إلى السخرية من الأطفال. عشقت الشكولاتة ولم أستطع أن أتوقف عنها، رغم معرفتي بأنها السبب في بدانتي. بدا الأمر بالنسبة إليّ أنني سوف أموت إن توقفت عن أكلها، فآثرت الحياة ببدانتي على الموت! بسبب بدانتي فقدت الكثير من التجارب التي تعيشها الفتيات عادة، فلم أعش قصة حب عنيفة كما حلمت دائمًا. كم تمنيت أن تكون لي مغامرات عاطفية، وقصص أحكيها لصديقاتي اللواتي كن يحكين لي عن قصص جديدة كل مرة. أحببت أن أشعر ذلك الشعور الغريب: أن أمتلك سرًا خاصًا بي وحدي، ولكن فتيان الحي نظروا إليّ كواحدة منهم. بعضهم كانوا يستخدمونني كمراسلة أنقل رسائلهم إلى صديقاتهن. ذات يوم قررت أن أقرأ إحدى الرسائل، وعندما قرأتها بكيت كثيرًا، وحسدت صديقتي على ما كتب فيها. هل تدري: تمنيت أن يقبلني أحدهم، أن يغازلني أي شخص، أن يُتحرش بي ككل الفتيات. إنه شعور جميل بالفعل. لا تصدق فتاة عندما تغضب لأن شخصًا ما تغزل أو تحرش بها، لأن ذلك يعني لها أنها فتاة مرغوبة ومثيرة. أجل، كل الفتيات يعجبهن أن يكن مثيرات للرجال، وإلا فما قيمة الأنوثة إذًا؟
لم تكن لي قصة عاطفية أنشغل بها؛ فكرست وقتي وجهدي كله للدراسة وتفوقت فيها. عندما كبرت والتحقت بالجامعة لم يتغير شيء في حياتي قط. رأيت وسمعت ذات القصص التي افتقدت إلى مثلها، ولكنني لم أحظ بفرصة لتجربة واحدة منها. ذات يوم، أذكر أننا كنا نستعد لامتحانات آخر العام الدراسي، قررت الذهاب إلى مكتبة الجامعة والانكباب على القراءة، عندما سمعت أصوات بشرية خافتة تأتي من بين الأشجار الكثيفة. اقتربت بحذر شديد فرأيت شابًا ممسكًا بفتاة وهو يقبلها بشغف ويتلاطفان جسديًا. وجدت نفسي واقفة أختلس النظر إليهما حتى أحسست بأن قدماي غير قادرتين على حملي. لا أخفي عليك، فقد تمنيت أن أكون مكان تلك الفتاة ولو للحظات قليلة. أسرعت إلى المكتبة، وكأنني أحاول الهرب من تلك الصورة التي ظلت عالقة بذهني. حاولت التركيز في القراءة، ولم أستطع. انتهى بي الأمر أخيرًا وأنا أمارس العادة السرية في إحدى دورات المياه. هل تصدق ذلك؟
لا أعرف إن كان والدي راهن على رفضي، أم إنه أراد أن يتخلص مني عندما دخل علي ذلك اليوم ليخبرني أن رجلًا طلب يدي للزواج. الحقيقة أنني شعرت بفرحة غامرة لم أشعر بها في حياتي، حتى قبل أن أعرف من هو هذا الرجل. أخذت الأمر بسذاجة متناهية للغاية: ذكر يريد أن يتزوجني، هذا يعني أنني سوف أمارس الجنس أخيرًا. هذا كل ما فكرت به وقتها. أخذ يتحدث لي عنه وعن ظروفه الاجتماعية ووضعه الاقتصادي، ولم انتبه لشيء من ذلك على الإطلاق، رحت أفكر في تلك اللحظة الوردية الحالمة التي تسمى (ليلة الدخلة). أخيرًا سوف يحتضنني رجل ما، ويقبلني ويداعب جسدي. أخيرًا سوف أمارس الجنس! كان الجنس بالنسبة إليّ أسطورة خرافية، أو حلم محرم بعيد المنال.
عندما جاء العريس لوضع اللمسات الأخيرة على ترتيبات الزواج رأيته لأول مرة، وذهلت مما رأيت: إنه ببساطة رجل قرر أن يتزوج قبل أن يموت، كأنه خشي أن يقابل الله أعزبًا؛ فقرر أن يتزوج من أي فتاة قبل أن يداهمه عزارئيل. قلت لنفسي: "شيء خير من لا شيء."
كان واضحًا بالنسبة إليّ أنني لن أحظى بفرصة أخرى للزواج إن أنا رفضته. عرفت أنه فرصتي الوحيدة والأخيرة لأحظى بما أريده. ما هي احتمالية أن يأتي رجل آخر ليطلب يدي للزواج في ذلك الوقت. أقول الحقيقة إنها، بقليل من التفاؤل الإيجابي، احتمالية تقترب من العدم. أعتبرت الأمر وكأنه قدر فرض علي، وتوجب علي قبوله والتماهي معه. ومنذ الليلة الأولى لزواجنا عرفت أن فكرة التعري أمام رجل هي أصعب ما قد تقوم به أنثى على الإطلاق. تطلب الأمر بعض الوقت حتى استشعر ذلك الإحساس الذي تمنيته ووافقت على الزواج من أجله. شعرت بالتقزز لمنظر جسده المجعد، وتورم عانته المشحمة، وكرشه التي كظهر فرس نهر، وملمس يديه المتقشرتين، ورائحة فمه المعبقة بالنيكوتين. عندما قبلني لأول مرة أوشكت على التقيؤ، وأمضيت وقتًا طويلًا في التسوك تلك الليلة. هل تصدق إنني اضطررت إلى تعلم التدخين للتخلص من هذا الأمر؟
عندما صارحت أمي برغبتي في الطلاق من زوجتي لأول مرة، رمتني بنظرات ساخطة كأنها عيني إله غاضب، ولم تكترث كثيرًا لما حكيته لها من معاناتي معه، قالت إنني فتاة مدللة ووصفت أسبابي التي شرحتها لها بأن أسباب تافهة، ولا تستحق أن تهدم فتاة بيتها من أجله، إلا إن كانت بلا عقل. كان علي أن أخوض محنتي وحدي، دون أن أجد من أحد أي تعاطف ولو على سبيل المجاملة. هل تدرك قساوة ذلك؟
لحسن الحظ فإنه لم يعش طويلًا بعد زواجنا، وترك لي ثروة هائلة. عرفت أن الله حاول تعويضي عما عانيته معه بتلك الثروة، لأنه إن كان من الصعب بالنسبة إلي الحصول على زوج من قبل، فقد أصبح ذلك في حكم المحال، فمن سوف يرغب في الزواج من أرملة بدينة يتناقل عنها الناس إنها قتلت زوجها لترثه؟ حتى أهلي صدقوا تلك الإشاعات التي أطلقها بعض أقارب زوجي، ورفض والدي أن يقبل أي دعم مادي مني بحجة أنها أموال حرام، وتبرأت مني أمي أمام نساء الحي؛ لاسيما عندما اكتشفت وجود علبة تبغ في حقيبتي. قالت عني علانية إنني فتاة ساقطة، وأن المال الحرام جعلني أنحرف. هل تصدق ذلك؟ ظلت تصفع وجهها بلا رحمة، وتقول بأنها لم تحسن تربيتي! منذ ذلك الحين قررت أن أعيش حياتي وأن أستمتع بها متقبلة كل ما فيها. أحاول دائمًا أن أحتفظ بتعاستي لنفسي وألا أظهرها للآخرين، ولهذا تراني أضحك باستمرار. لا أحد يستحق أن أفقد حياتي من أجله. إنها حياتي أنا، ويحزنني كثيرًا أن البعض ينظر إليّ كمومس فاجرة، ولكن ذلك لن يجعلني أتوقف عن عشق الحياة، ولن يقتل فيني رغبة أن أكون كما أحب أنا وليس شخص آخر.
"

كان كَاجُوُمِي يستمع إليها وكأنه لم يتوقع أن تكون حياتها قاسية على الإطلاق. أدهشه أن يجد خلف ذلك الوجه المتبرج الضاحك إنسانًا منكسرًا يعج تاريخه بالنكسات والمحن المتكررة. نظرت إليه مطولًا وكأنها تختبر قدرة قصتها على خلق تغييرات جذرية في ملامح وجهه. قبلته في ذقنه ومرغت وجهها في لحيته ثم انطلقت في نوبة من الضحك الهستيري الذي انتهى في النهاية ببكاء حار. وضع رأسها على صدره، وراح يربت على كتفها برفق وحنو حقيقيين هذه المرة. مرر كفه على جسدها الممتلئ العاري وأحس بشهوة عارمة ورغبة في مضاجعتها. عندما أحست نِعْمَات الزُّبَيَر بعدم براءة لمساته، رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين تحملان معان يعرفها تمامًا، نظر إليها بالمقابل، وقال لها: "لا شيء سوف ينسيك هذا الحزن إلا جنس عنيف." ومددها إلى جواره ثم اعتلى جسدها وغابا في صراع لحمي شبق.


نهاية الفصل الثاني



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 24-12-2012, 11:02 PM   #[14]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي


الفصل الثالث


في طفولته التي لا يتذكر منها الكثير، وجد كَاجُوُمِي نفسه مضطرًا إلى اكتساب العدوانية للدفاع عما رآه مساسًا بكرامته، عندما اضطر والداه للانتقال للعيش في دار خؤلته بإلحاح من جده لأمه الصَّادِق ضَوْ البَيَت بحجة أنه لم يتمكن من الاستغناء عن ابنته المدللة؛ لاسيما عندما أحس بدنو أجله، وأرد أن تكون إلى جواره في أيامه الأخيرة، وقدم لهما عرضًا سخيًا لم يكن في مقدور والده عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة رفضه على الإطلاق؛ إذ ترك لهما بيت العائلة الكبير، المكون من خمس غرف، وحمامين، وفناء واسعًا استغله في زراعة الحناء والليمون والسدر، وكأنه كان يعرف أن ابنته سوف لن تتوقف عن الإنجاب قبل وفاته، وسوف تملأ البيت بالأطفال، بينما اكتفى هو بالسكن في البيت الصغير الملاصق له مباشرة، والذي كان في الأصل جزءًا من بيت العائلة، قبل أن يقرر فصله ليزوّج فيه ابنه مَسْعُوُد الصَّادِق ضَوْ البَيَت الذي كان من المتوقع أن يعود بعد إنهاء دراسته الجامعية في إحدى الدول الأسكندنافية، قبل أن يخيب الأخير ظنه ويخبره في برقية من سطر واحد بأنه تزوج من أجنبية وقرر الاستقرار هناك، وحرص على أن يكتب البرقية باللغة الإنكليزية مما اضطره للبحث عن شخص يترجم له فحوى البرقية، ولم يكن ذلك بالأمر السهل في تلك الضاحية البائسة على أي حال.

قال الجميع بأن صحة الصَّادِق ضَوْ البَيَت بدأت تتدهور منذ تلقيه تلك البرقية المزعجة؛ لاسيما وأنه كان قد أذاع بين الناس بشرى التغيير الجذري الذي ستحمله عودة ابنه ظافرًا بشهادته ودرجته العلمية التي لم ينلها أحد من أبناء الضاحية والضواحي المجاورة قط. وفي لحظاته المفضلة لتناول الشيشة والثرثرة اعتاد تكرار جملته التي بدت أحد أهم أسباب ضيقه وانزعاجه من البرقية المشؤومة: "فقط لو أنه كتبها باللغة العربية، ابن الكلب، لما عرف أحد، من خارج الأسرة، خيبته الكبيرة!" ويهز رأسه باستياء أبوي بالغ، وهو يقول: "فضحنا ابن الكلب وخيب أملنا." لم يستطع أحد إخراجه من تلك المحنة التي غرق فيها حتى ذقنه، وانشغل بها عن أي شيء آخر؛ لاسيما وأنه لم يكن قد أنجب من الذكور غيره. أسند يده القوية على كتف صديقه المقرب مَسْعُوُد الطَّاهِر، وهو يُسر إليه بأكثر مخاوفه إلامًا: "لن يمهلني الموت أكثر من ذلك، فقط أخشى أن أترك ورائي ابنتين بلا رجل." فضحك صديقه، وهو يحاول تذكيره بأنهما متزوجتان، وأنهما في عهدة زوجيهما، عندما هز رأسه ساخرًا: "هل تقصد زوج امْتِثَال السكير؟ أم زوج نِعْمَات الذي تعرف أني لا أثق به؟ لم يخطئ الله في حقك أن جعلك أعورًا."

مازلت صورة الصَّادِق ضَوْ البَيَت واضحة في ذهن كَاجُوُمِي بقوامه المعتدل، وبنيته القوية، وشعره الأبيض الذي يضفي عليه وسامة لا ينالها الكهول عادة، وأسنانه التي حافظ عليها سليمة حتى مات. كان له شبه كبير بويلسون مانديلا لولا أن الصَّادِق ضَوْ البَيَت كان أطول قليلًا، حتى أن والدته اضطرت إلى استخدام صورة مانديلا، مؤقتًا، عندما لم تجد صورة مناسبة لوالدها لتعليقها في غرفة الجلوس الرئيسة، إلى أن تمكن أحدهم من تكبير صورة للصَّادِق ضَوْ البَيَت بحجم صور جواز السفر التقليدية، وبروزها في إطار من الخشب المطلي بماء الذهب المغشوش. ويذكر عنه أنه لم يكن يحب تناول الأدوية والعقاقير الطبية. ظلت حكمته الأثيرة، حتى موته، أن الطبيعة تهب كل شيء، وأن من يسلم جسده للأدوية فإن روحه تعتل ولاشك.

في مرضه الذي مات به حاول الجميع إجباره على تناول الدواء الذي وصفه له الطبيب، ولكنه رفض بشدة، ولم يتمكنوا من إقناعه بأن الدواء قد يهبه الشفاء. قال، وهو يغالب سعاله الحاد: "أي دواء إن لم يكن سيطيل عمري؛ فهو بلا جدوى!" قاوم مرضه ليضحك ضحكته الأخيرة، وهو يقول: "هل سيعرف الطبيب عني أكثر مني؟" ثم إنه ألقى قنبلته الموقوتة في الوقت الذي رآه مناسبًا بعد سنوات من الانتظار، عندما حاولت ابنته نِعْمَات تذكيره بأن عمل الطبيب هو الكشف عن المرض ومعالجته، وبأنه طبيب مشهود له بالمهارة، فقال بنبرة لا تخلو من مسحة سخرية: "أنى لعبد أن يفلح وإن كان إله الأطباء!" شعرت بالحرج البالغ لرده ذلك؛ لاسيما وأن زوجها عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة كان واقفًا إلى جوارهما، وشعر بغضب شديد، غير أنه تظاهر بعدم الاكتراث. ليلًا، وعلى السرير، حيث يتم طرح أغلب المشاكل الزوجية وحلها، حاولت نِعْمَات الصَّادِق الاعتذار لزوجها عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة عما قاله والدها: "إنه رجل مريض ولا يعي ما يقول، ولا تنس أن الشيخوخة لها تداعياتها كذلك." ولكنه لم يشأ التحدث عن الأمر، واكتفى بهز رأسه ونام.

حزنت نِعْمَات الصَّادِق كثيرًا عندما مات أبوها، وبكت كما لم تبك من قبل، وأعدت مناحة تليق بمكانته لديها ولدى أهالي الضاحية الذين أعتبروه كأب روحي لهم. حتى عندما اختفى عن الضاحية قبل سنوات وعاد بعدها وقد أضاع بهائمه التي كانت كل رأس ماله، لم يدخر جهدًا في توفير ما يلزمه ويلزم أسرته. قال ذات يوم محاولًا إشباع فضول القرويين: "غرقت بهائمي في النهر؛ فاحتسبتها جميعًا لوجه الله، وما عند الله لا يضيع." خرج بعدها إلى السوق وحمل غرائر الفحم والصمغ التي أعدها أصحابها لتباع في الخرطوم. عمل في مشروع منجم الفوسفات الحكومي الفاشل ناقلًا للحجارة، وسمسارًا للأراضي، وتاجر في السمسم والقطن حتى أعاد ثروته بعدها بسنوات قليلة مما زاد من احترام الناس له ولجهده غير المسبوق. كان يقول دائمًا: "من أراد أن يرتاح فعلًا يتوجب عليه أن يتعب أولًا، ومن وجد نفسه مرتاحًا بلا تعب فعليه أن يتوقع زوال نعمته عاجلًا."

فعل عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة كل ما في وسعه ليقوم مقام الابن الغائب مَسْعُوُد الصَّادِق في استقبال الضيوف والمعزين الذين توافدوا من جميع الأصقاع، حتى إن بيت العائلة الكبير لم يسعهم جميعهم فاضطروا إلى استخدام بعض البيوت المجاورة، واستمر العزاء لأكثر من أسبوع دون توقف. سمعها ذات ليلة، بعد أن قل عدد المعزين، وهي تسر إلى أبيه عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة: "لو كنت فقط أعلم عنوانًا لأخي مَسْعُوُد الصَّادِق لبعثت إليه أخبره نبأ وفاة والدنا." وحملت الجملة عتابًا أكثر منه تساؤلًا رءومًا.

غضب عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة كثيرًا عندها، واعتباره جملتها من باب عدم الثقة به، وعبر عن ذلك بقوله: "ألا تعتبرينني فردًا من العائلة؟ ألا أقوم مقام أخيك؟ أم لا ترين ذلك؟" حاولت نِعْمَات الصَّادِق تهدئته، وتوضيح الأمر كما تراه: "إنه فقط يحزنني أن يكون ابنه الوحيد غائبًا في مناسبة كهذه." ثم إنها بدأت تكيل له العتب لأنه اختار الوقت غير المناسب لتوبيخها ومحاسبتها، ولم ينته الأمر حتى دخلت امْتِثَال الصَّادِق لتنبههما بأن صوتهما مرتفع ومسموع في الخارج. عندها فضل عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الخروج والبقاء في غرفة الجلوس والمبيت هناك على أحد الأرائك التي رآها مناسبة.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 24-12-2012, 11:06 PM   #[15]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

اعتاد كَاجُوُمِي اللعب مع أبناء خالته امْتِثَال الصَّادِق التي كانت تسكن ذات الضاحية، غير بعيد عن بيت العائلة الكبير مع زوجها أحْمَد خَيَرِي السكير الذي يعشق الخمر أكثر من زوجته وأبنائه. إنما هي لحظات نادرة ويمكنه تذكرها بسهولة تلك التي رآه فيها معتدل المزاج وبكامل وعيه، بخلاف تلك اللحظات التي يكون فيها نائمًا. وحتى عندما انتقلوا إلى قرية أم لَبَخَة بعد خلاف نشب بين والده عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة وبين خالته امْتِثَال الصَّادِق بسبب لا يعرفه على وجه التحديد، ظل كَاجُوُمِي يتردد على أبناء خالته في السِّدِرَاب ويقضي معهم أيامًا ثم يعود إلى أم لَبَخَة مرة أخرى، قبل أن يختفوا في ظروف غامضة وتنقطع صلة كَاجُوُمِي بهم إلى الأبد.

ومما يتذكره كذلك إنهم قبل أن يهيلوا التراب على قبر جده الصَّادِق ضَو البَيَت فرشوا اللحد بورق السدر الرطب حتى فاحت رائحته، تحقيقًا لوصية كان قد أوصى بها قبل وفاته بأيام قليلة كعادة درج عليها أسلافه ممن سبقوه؛ ولذا فقد أطلقوا عليه (الصَّادِق السِّدِر). عُرف أفراد عائلة الصَّادِق ضَوْ البَيَت باسم (السِّدْرَاب) منذ أزمنة سحيقة بسبب تلك العادة الغريبة والفريدة، والتصقت بهم إلى الأبد. حتى أنه كان يسمع أمه في مطبخها تغني لنفسها قائلة:
"أنَا بِتْ المَبْرُوُكَة القَالُوا لَيْهَا "أفُو"
وفِي هَوايَ شِيَخ قَبِيِلْتُه وِدِر
أسَد البَرَارِي البِسَوِّي الخَو
أخُوُي .. وأبُوُي الصَّادِق السِّدِر
"

كان لابد له في تلك القرية أن يكتسب بعض العدوانية ليدافع عن نفسه وعن كرامته التي عبث بها أطفال الضاحية الذين اعتادوا على مناداته بنصف اسمه استهزاءًا به، ورغم مكافحته المستميتة إلا أن لقب (أزرق) التصق به، ولم يعد أحد قادرًا على التعرف إلى اسم عَبْد الوَاحِد إلا مقرونًا بلقبه الجديد، ويكفي أن يقول أحدهم (أزرق) ليعرفوا أن المقصود هو عَبْد الوَاحِد عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة، ولا أحد غيره.

اعتاد العودة إلى المنزل غارقًا في دمائه أو دماء غيره، واعتاد والده تلقي الشكاوي من الجيران الذين يأتون برفقة أبنائهم المتضررين والمجروحين، ولا يجد حلًا سوى ربطه إلى عمود خشبي غليظ في فناء البيت، تستخدمه أمه لتمديد حبل الغسيل، وجلده بالسوط حتى يتعب، ولكنه لم يستطع إجباره على التوقف عن الاعتداء على أطفال القرية. أحد أصدقاء العائلة المقربين نصحه بأن يتوقف عن معاقبته لأن ذلك من شأنه أن يزيد من عناده أكثر فأكثر، ووجد عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة نفسه في مواجهة أزمة تربوية حادة، وظل يردد دائمًا: "كيف لا أتمكن من ترويض ابن الفرطوسة هذا؟" واعترف آخر الأمر بأن التربية شأن ليس باليسير على الإطلاق، وإنها تحتاج إلى شخص له أكثر من عمر لمجابهتها والتصدي لها. في جلسة يتبادل فيها الأباء شكاواهم من أبنائهم وتربيتهم، صرح عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة بمتاعبه الخاصة مع ابنه، وختم حديثه بحكمة بدت غريبة وساخرة في الوقت ذاته: "واضعوا النظريات التربوية هم على الأرجح من المحرومين من نعمة الإنجاب."

ذلك اليوم الذي جاء فيه أحد الجيران شاكيًا ممسكًا بابنه الذي كانت الدماء تنزف من رأسه وتغرق جانبًا من وجهه، استدعى ولده وسأله عن ذلك فأخبره بكل فخر:
- أجل، أنا ضربته لأنه نعتني بالأزرق.
- وماذا في ذلك؟ أنت أزرق بالفعل. هل تعتقد أن هذا أمر معيب؟
- أجل إنه أمر معيب، وإلا لما نعتني به ليضحك الآخرين عليّ.
- لا، إنه ليس أمرًا معيبًا على الإطلاق. إنها مشيئة الله، ولا يمكن أن تكون مشيئة الله أمرًا معيبًا. يجب أن تخرج هذه الأفكار السيئة من رأسك.
- إذًا لماذا غضبت عندما تكلم جدي عن الطبيب الأسود بتلك الطريقة، إن لم يكن أمرًا معيبًا؟

اندهش عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة مما قاله ابنه، ولم يكن يتوقع أنه قد لاحظ الأمر، ولكنه أمسك به وربطه ثانية إلى عمود الغسيل الخشبي، وبدأ يجلده من جديد. لم يعرف عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة كيف يمكنه أن يخرج تلك الأفكار من رأس ابنه الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، وخشي أن يكبر الأمر معه، ولكن بدا أن الخيوط كانت تفلت من يديه شيئًا فشيئًا، دون أن يتمكن من فعل شيء حيال ذلك. كان يقول دائمًا: "تربية القطط أفضل بكثير من تربية الأطفال." ولكنه أحب عَبْد الوَاحِد كثيرًا لأنه كان أكبر أبنائه وأكثرهم شبهًا به.



imported_هشام آدم غير متصل  
 

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 12:13 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.