بدأ الأمر برمته قبل سبع سنوات، بمصادفات يمكن تصنيفها على أنها متجاوزة للعادية؛ من حيث أنها جاءت متسلسلة ومتتالية، عندما وجد كَاجُوُمِي نفسه أمام حقيقة مخزية، توجب عليه حلها بشكل نهائي وحاسم. غير أنه، آخر الأمر، وجد نفسه محاطًا باحترام فرضته موهبته الجهنمية النادرة. كانت الساعة توشك على التاسعة صباحًا عندما أتلف جهاز والده اللاسلكي الذي يستخدمه في عمله كناظر في محطة الكهرباء، وتمنى لو يتوقف الزمن ولو لساعة واحدة، ليمنحه وقتًا إضافيًا يمكنه من إصلاح اللاسلكي، عندما تلا المذياع قرارًا رئاسيًا يقضي بتأخير التوقيت الرسمي للبلاد ساعة كاملة، ليتماشى مع توقيت مكة المكرمة. أصابته الصدمة، وقتها، حيال تلك المصادفة الغريبة؛ بل وشبه المستحيلة، ولكنه انشغل عن التفكير في ذلك بإصلاح جهاز والده، حتى انتهى من ذلك آخر الأمر في الوقت المحدد. وحتى عندما تمنى أن يتوقف عن الذهاب إلى المدرسة ولو مؤقتًا، أغلقت المدرسة أبوابها لعام دراسي كامل إثر إنهيار عظيم أحدثه فيضان النيل ذلك العام، وجرف معه الطاولات والكراسي وأتلف الأوراق الرسمية، ولم يعد بالإمكان إصلاح كل ذلك إلا بجهد بيروقراطي طويل الأمد.
ذلك النهار الخرطومي الحار، الذي لم يكن يوحي بشيء غير استشعار مادية البؤس والكآبة، تمدد كَاجُوُمِي على أرجوحته المعلقة بين عارضتين خشبيتين. تلك الأرجوحة التي لا يتمكن أحد غيره من النوم عليها باستقرار. مرتديًا فنيلته الداخلية السوداء المميزة، وسرواله المقلّم القصير، بعد أن رش كامل جسده النحيل متوهج السواد، وأمسك خرطوم المياه، وراح يرش فناء الدار ذي الأرضية الترابية. كان وقتها قد سرّح مجموعة الدواجن، التي تعود ملكيتها إلى السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر صاحبة المنزل، وأطلقها من أقفاصها التي من خشب السرَّوج المعمِّر، والمحاطة بسياج سلكي سداسي الشكل. بدا، في منظره ذلك، كبحّار عجوز، قرر استهلاك ذاكرته، في لحظة استرخاء نادرة، في تذكر مغامراته البحرية. انشغل لوقت طويل برش الماء من حوله، في محاولة للتحايل على حرارة الطقس، وفي أحيان قصيرة ومتقطعة ينشغل بملاحقة الدواجن بماء الخرطوم، والتمتع بمنظرها، وهي تحاول الفرار بريشها من هذا المطر البشري الكثيف.
لا أحد يعلم متى أو كيف يتحوّل مزاجه، وليس بإمكانه، هو نفسه، أن يتوقع خطوته التالية؛ لذا لزم الأمر أن يشعر، باستمرار، بالانزعاج من المكوث الطويل على حالة واحدة مستقرة. في لحظة ميتافيزيقية عابثة سمعه أحدهم، وهو يقول: "ابتلاني الله بنفسي، فلا شيء يتعبني غيرها." راح يستعرض الأمنيات التي طلبها منه أصدقاؤه، وشعر بسخرية بالغة تجاه سخافتهم، وبطريقة عشوائية، خلت من مفاجأة أو حتى بوادر ترحيب، تذكر أمنيته الأثيرة التي لم تتحقق بعد. تلك التي صرح بها أواخر موسم خريف ماطر، لمجموعة من الأصدقاء في لحظة ميتافيزقية متناهية السكر. أمنية مركبة، اعتبرها الكثيرون مستحيلة لفرط سخافتها، غير أن بعضهم آمن بتحققها يومًا ما. قال في نفسه، وكأنه يتحدى شخصًا ما: "لن أموت قبل أن تتحقق هذه الأمنية." ولكنه لم يعرف كيف لأمنيته تلك أن تتحقق.
بدافع الغضب، أكثر مما هو بدافع الشغف، قرر كَاجُوُمِي النزوح شرقًا إلى الخرطوم، بحثًا عن شيء ما. شيء قد يخصه، أو يفتقده. شيء مستحيل، ولكنه ظل، بالنسبة إليه، حميمًا وعزيزًا، رغم أنه لا يدركه. تحاشى رؤية والده وتوديعه، لأنه اعتبره السبب في محنته تلك، ولكنه قبّل أمه على مضض، لأنها حضرّت نفسها لتلك القبلة. منذ الأمس وهي تجهز نفسها لهذا الوداع غير المبرر. لم تنم طيلة الليل، ظلت مستيقظة حتى الصباح كي لا تفوتها هذه اللحظة. مسح بأصابعه على وجهها البرونزي الهادئ، وكأنه يريد أن يرسم صورتها في خياله، حتى لا يحتاج إلى تذكره لوقت طويل. ورغم أنها قد آلت على نفسها ألا تبكي ثانية، بعد وفاة والدها، وقررت إدخار دموعها لوفاة زوجها أو أحد أبنائها، إلا أنها بكت ذلك الصباح، لأنها كانت تعلم أنه لن يعود ثانية. دفعتها غريزتها اللاعقلانية لصياغة جملتها الأخيرة، وهي تراه يحمل حقيبته القماشية على كتفه بإصرار مخيف ومقلق: "لا شيء قد يتغير! ولكن عندما تكتشف ذلك بنفسك أرجو أن تعود."
اختبأ والده خلف باب غرفته، وراقب لحظات الوداع الأخيرة والسريعة بحزن وقور. تحايل كثيرًا حتى لا يبكي، ولكنه لم يستطع؛ فسقطت منه دمعات حارة ومؤلمة، واستقرت في لحيته معتدلة الكثافة، بينما امتلأت عيناه بدموع أكثر تماسكًا وكبرياء، وعندما انتهت من توديعه ودخلت غرفتهما تغالب بكاءها، كان قد عاد واصطنع النوم، وهو يسمع حسيس بكائها المكتوم. اضطجعت إلى جواره بحذر حتى لا تزعجه بالحركة، وتقابلا بظهريهما، وراح كل منهما يبكي في صمت. كان لابد لتلك اللحظة أن تأتي. الكل عرف ذلك، ولكن لم يتوقع أحد مدى صعوبتها، ومذاقها الحقيقي المر.
والد كَاجُوُمِي الذي وضع نقودًا ورقية في حقيبة ولده ليلًا دون أن يشعر، بدافع الإشفاق الأبوي الخالص، ساءه كثيرًا أن ينتهي الأمر على هذا النحو، ولم يعرف إلى أي مدى قد يكون قرار ولده بالرحيل مصيريًا وحاسمًا بالنسبة إلى كليهما. الجانب الأناني في أبوته دفعه إلى رفض فكرة الرحيل جملة وتفصيلًا، والجانب الواقعي فيه دفعه للتفكير مطولًا في اتخاذ تدابير بديلة عن مخططاته التي كان كَاجُوُمِي طرفًا فيها لتسيير نفقات عائلة مكونة من ستة أبناء، وتسديد الديون المتراكمة. ورغم ذلك اضطر إلى اللجوء إلى علبة الماكنتوش المخبأة بعناية في خزانة الملابس، والتي هي بمثابة بنك العائلة، حيث يدخر فيها ما يتمكن من إدخاره، بعد دفع النفقات الأساسية والضرورية، وأخذ منها مبلغًا من المال ووضعه في حقيبة ابنه سرًا. لاحقًا عندما اكتشفت زوجته اختلال المدخرات، اختلق كذبة أقنعها بها أنه قام بتسديد دين قديم منسي لم يكن في الحسبان.
|