عاد قبل أيام الصديق والشاعر الجميل نصَّار الحاج من صنعاء، حيث شارك في "ملتقى صنعاء الثاني للشعر الجديد في الفترة من (22 – 26/04/2006)" ..... هذي هي الشاركة الثانية له في ذات الملتقى وكانت الأولى السنة الماضية .... وهنا إضاءةٌ بطعم نصَّار لذلكم المشهد الجميل ....
مفتتح
تلك مدينةٌ
لِي
لِلهِ
سترفع نارَ لِسانِيَ
لدراويشِ العُشَّاقِ
كتاباً أبدياً.
" لسان النار / قصيدة كتابٌ أبديٌّ – أحمد الشهاوي "
جمالية المشهد
للمرَّةِ الثانية خلال عامين، صنعاء تُقدِّم للعواصم العربية، رؤيا جديدة وأفقاً جديداً في السعي نحو توفير أجمل الفضاءات للكتابة الشعرية وتأسيس روح جديدة للشعر والكتابة والمعرفة وتكريم الرموز الإبداعية ممن لهم مساهمتهم المغايرة في الكتابة والتفكير الإبداعي الحر عبر مبادرتها والتزامها الجميل بانعقاد ملتقى صنعاء الثاني للشعر الجديد في الفترة من (22 – 26/04/2006) إستمراراً لما حدث في أبريل 2004 عبر الملتقى الأول للشعراء الشباب العرب (التسعينيون وآفاق التجربة الشعرية) .
كأي عمل ثقافي أو أي عمل على خريطة الكون، ليس من الإنصاف السعي لاصطياد الثغرات هنا وهناك لوصمِ التجربة بالخذلان والفشل كما يحدث في بعض المقالات الإخبارية التي كانت ترصد المشهد، بل يجب النظر لهذا كجزء من المشهد الكلي، والاستمرار في التجربة هو الكفيل بمعالجة كل هذه الملاحظات ولا يجب أن تقود الملاحظات لإيقاف التجربة (ملتقى صنعاء للشعر الجديد) ووصفها بالفشل، مثلما أشار البعض إلى حضور القصيدة العمودية التقليدية المهتمة بالقضايا والأفكار واللغة المتوارثة والبناء الأثري للقصيدة غير المستجيب لأي تحولات حداثية ولو على مستوى الموضوعات، قصيدة ما زالت تشتغل على الشعارات والهتافات والتصفيق وتقليدية الهموم، إضافة إلى حضور قصيدة التفعيلة التقليدية بغزارة بشكل يطوق قصيدة النثر في المنبر بين هذين النموذجين في ملتقى للشعر الجديد . هذا المزج بين الخيارات الإبداعية جزء كبير مما رأى بعض الكتاب انه نقيصة في ملتقى أريد له أن يكون مكرساً للشعر الجديد، وربما أنسب إجابة لهذا هي التي أشار لها الشاعر والناقد احمد السلامي في ورقته النقدية ضمن فعاليات الملتقى بأن مشكلة المشهد الشعري اليمني والكتابة الشعرية الجديدة في اليمن تتمثل في هذا التصالح الغريب بين الخيارات الشعرية وهذه بالتأكيد إشارة نقدية جميلة ومهمة في سبيل تناول المشهد الشعري اليمني وتحويل هذه الحالة إلى حالة تحاور بدلاً من إنها حالة تصالح تبقى الفعل الإبداعي راكضاً ومتفقاً عليه . هذا التصالح يقود في إلى مهادنة وصمت في عملية التناول النقدي لتجربة الكتابة التقليدية تحديداً من قبل النقاد المستوعبين والمهتمين بالتجارب الجديدة في الكتابة الشعرية والتنبيه إلى مدى تراجع الكتابة الشعرية التقليدية وتوقفها شعريا وجمالياً، تحديداً القصيدة العمودية بكل حمولاتها المتوارثة والنماذج التي سمعناها منها في هذا الملتقى . وبالمقابل النقاد اليمنيين المنحازين للقصيدة التقليدية كانوا اشدَّ شراسةً ورداءةً في تناولهم للقصيدة الجديدة مما حدا بالشاعر المصري الجميل احمد الشهاوي للصعود للمنصة وإبداء وجهة نظر مرتجلة لكنها كانت عميقة وقوية جداً في هذا النموذج من النقد الموجه للقصيدة الجديدة ووصفه الشهاوي بالنميمة والضعف حتى على مستوى الكتابة ناهيك عن كونه يمثل نقداً وتناولاً للنصوص . بالتالي كما أرى من خلال هذا المشهد أن التصالح الذي أشار له الناقد احمد السلامي، يبدو انه حادث بدرجة اكبر من جهة كتاب القصيدة الجديدة والنقاد المتابعين لتطورها وإنجازاتها الذين اختاروا منطقة التصالح مع تلك النماذج وكذلك اللجنة المشرفة على هذا الملتقى معظمهم ينتمون للحساسية الجديدة في الكتابة الشعرية وأتاحوا لهذه النماذج الحضور بغزارة كبيرة مما أكد حالة التصالح الغريب المشار إليها بينما التيار التقليدي الآخر لا يعيش هذا التصالح بل كان واضحاً ومقصوداً رغبته في مصادمة القصيدة الجديدة . طبعاً ليس المطلوب إقصاء هذه الخيارات التقليدية من الكتابة الشعرية طالما هي جزء من المشهد حتى الوقت الراهن، بل المطلوب حضور الأكثر تميزاً وجدة وجمالية وسط حركة شعرية وكتابة إبداعية تنتمي للعصر الراهن وتنظر للمستقبل برؤيا أكثر حرية وإنسانية.
إذن. هذا واقع ثقافي يومي يحدث هناك في اليمن، لا يمكن تحميل كل إفرازاته لهذا الملتقى، ولا تتم زحزحته أو تطوير أدواته وتقنياته الإبداعية إلا بعمل ثقافي جاد ومغاير ومختلف مثل هذا الملتقي الذي قدم قراءات ونصوص شعرية تنتمي لخيار قصيدة النثر وبعضها لقصيدة التفعيلة بجمالية عالية في مواجهة تلك النصوص التقليدية وقدرات التذوق المغلقة لعدد من الحضور مما يعني أن هذا الملتقى نفسه فعل يسعى ويعمل على رفدِ حركة الكتابة الجديدة عبر النص الشعري وبعض الأوراق النقدية المتميزة في رؤيتها وطرحها لجماليات الكتابة الجديدة.
كذلك استمرارية مثل هذا الفعل الثقافي وبروح التجديد التي تشكل غالبية متنه، هي التي تشكل عنصر مقاومة ومواجهة لدعوات واتهامات التكفير التي تطال الشعراء باليمن والعالم العربي، .مثل هذا المشهد والمخرجات المرتكزة على جمالية الكتابة الجديدة ووصولها للمتلقي هي التي تزحزح حالات التذوق والتلقي التقليدية التي تدفع بمثل هذه الإشارات التكفيرية، وهذا النشاط الجديد والمغاير هو الذي يهدم ويهزم هذه الذهنيات التقليدية التي تسعى لوضع الإنسانية في قفص الخوف والطاعة الخجول، وأي محاولات تعمل على تدمير هذه الجهود الجميلة للاستمرار في ملتقى صنعاء للشعر تعني حالة من التواطؤ مع هذا الاتجاه التكفيري والتقليدي والرافض لأي شكل من أشكال التحولات والحداثة والنظر للمستقبل بروحٍ أكثر وعياً وحريةً وإنسانية وشعرية.
أيضاً عدم قراءة ثلاثة من أجمل شعراء اليمن الذي يكتبون قصيدة النثر، أعني (نبيل سبيع، فتحي أبو النصر و محمد محمد اللوزي) لم يكن جميلاً، رغم أن لهم أسبابهم بالطبع ومبرراتهم التي قادتهم لهذا الموقف، مع أنهم كانوا في حالة حضور الدائم وتواصل جميل مع الشعراء المشاركين وهذا يؤكد جماليتهم أكثر، لكن كان مهماً جداً قراءة قصائدهم في داخل هذا المشهد الذي يحاول إقصائهم ومصادرتهم بأشكال مختلفة والتخفيف من حدة هذا الحضور الشعري للنص التقليدي الذي يسعى لطردِ قصيدة النثر وإقصائها من المشهد الشعري. مثلما شارك الشعراء عمار النجار ومحي الدين جرمة وإن بكلمات أو قصائد مقتصدة جداً لكنهم بشعرية جديدة وجميلة عبرا عن موقفهم، وفي ذات الآن سجلا مشاركتهم ضمن تيار الكتابة الجديدة، لذلك كان من الجميل أن يشارك اللوزي وسبيع وابوالنصر، وربما قصيدة الشاعر محي الدين جرمة القصيرة جداً رغم أنها تأخذ شكل الاحتجاج لكنها كانت نقداً لهذا المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي التقليدي الذي يحاول محاصرة العمل الإبداعي والثقافي الحر إلى جانب شعراء آخرين من اليمن والدول العربية الأخرى يكتبون القصيدة الجديدة بمهارة وجمالية عالية. أيضا افتقدتُ مشاركة آخرين من اليمن ، ابتسام المتوكل، علوان مهدي الجيلاني ومروان الغفوري وماجد المذحجي.
ملتقى صنعاء الثاني للشعر الجديد في مجمل ما قدمه وأنجزه كان إضافة حقيقية للحراك والتواصل الشعري ولهذه المدينة الموغلة في العراقة والإرث الإنساني الباذخ عبر كل تفاصيلها وعبر كل كائناتها، وبتحدي جميل وثقةٍ ماهرة بدأت هذه المدينة في إنجاز مشاريع هامة بوعي فذ يتمثل في عدد من الأنشطة والمبادرات الفكرية والثقافية التي أنجزتها خلال الأعوام الماضية، وبذات الطموح وذات التحدي وذات الثقة استضافت صنعاء هذا الملتقى حيث شارك شعراء وشاعرات من كل إنحاء الأرض العربية بجانب عدد كبير من شعراء وشاعرات اليمن .
عن موقع "جهة الشعر" /
http://www.jehat.com/Jehaat/ar/Mahra...mai_salam3.htm