شيخ (الشيخ) وعيسى .......
إنحنى (الشيخ) وهو يمسح مقعده ورجليه من لزوجة وهمية سالت عليهما ، وغشاء من الخزي يُغطي عينيه فتلمعان على قهرهما كما كل مرة . كان يأتيه بلا ميعاد ولا يملك هو إلا ان ينيخ جرأته ويتجرد له من رجولته ليعتليه . فكثيرا ما أتاه في مجلسه المحضور ليترك حُوارّه وزواره في إنتظار أن تنفض الحضرة المزعومة ، وتارة يوقظه من فراشه قاطعا عليه كوابيسه التي لاتنتهي وتارات أخرى ينزله عن اهله ليترك إحدى زوجاته وهي تعاني آلام الحوجة والحرمان ووحوحة لم تتم ، وبخطى ليل جديد أثقله شتاء قديم لفصل آخر من فصول القهر التي بدأت قبل حوالي ثلاثة عقود . يجرجر رجليه وخيبته ليدخل تلك الغرفة المظلمة بلا نوافذ او ضوء برائحتها الرصاصية الغريبة الخالية الا من صندوق صفيحي كبير وضع كالضريح في منتصفها تماما ، ليحل تكته ويخلع احدى نعليه تاركا عليها سرواله الأسود الكبير رافعا جلبابه ليعتلي الصندوق ليعتليه من بداخل الصندوق .
وفي تلك (العشة) التي يقابل فيها (الشيخ) زواره التحف احدهم الظلام وأنبطح على بطنه وتعالت انفاسه في متوالية ما قبل الشخير ، كان للوهلة الأولى نائما ، الا ان اصبعه الذي ينقر على حائط في الفراغ علق عليه باله متأملا فيه ما جعله مستيقظا سارحا في حاله ، فهو لم يكن يظن يوما انه سيعود لهذا المكان وهذه العشة تحديدا فمنذ ان قرر الهرب لينفد بجلد حياة يختارها لم يساوره شوق لهذا المكان الكئيب ولكن حالة صديقه ضابط الشرطة كانت تستحق اكثر من التنازل عن قرار العودة .
رفع (الشيخ) رأسه ورمى بقطعة القماش التي توهم بللها على الصندوق ومعالجا تكته ليلبس (فردة) نعاله مسدلا جلبابه على عرضا آخر من عروض التضحية لثلاث عقود مضت منذ ان اورثه والده شيخ (اسماعيل) المشيخة في تلك الطقوس العجيبة . فهو لايزال يذكر تلك الليلة التي ايقظه فيها وقاده الى تلك الغرفة التي كان يمنع عليه حتى مجرد الإقتراب منها ليدخل خلف والده الذي يأمره بإغلاق الباب والإقتراب منه وهو يفتح الصندوق ليخرج من وسط الدخان مسبحة طويلة يُحمِلها له ويُخرج كيسا ثم يغلق الصندوق في وجه الدخان . قرفصته هو والده لتلك (المدة) التي لاثواني تدور فيها ليعرف كم لبث ولا حركة الا دوران حبات المسبحة الألفية بلالوبها المستدير تكرارا خلف والده بتلك التعاويذ الغريبة التي استعصى نطقها في البدء ودوران التمر الذي يقدمه له في فترات متكررة ليأكل ويشرب ويقَر بطناً كلما هزّ والده جيبه فقد كان اللالوب غذاء الروح لتلك المدة والتمر للجسد ولا شيء آخر ، فلم يدر كم من الزمن مكثه ليتنصب شيخا ليحل محل والده بعد هروب (عيسى) الذي رفض المشيخة وغادر المكان .
يخرج الشيخ بعد ان لف عمامته السوداء متوجها نحو (عشته) ليدخلها من بابه الخلفي الخاص صائحا في أحدهم :
- أصحى ياعيسى هي ؟
يرد عليه المستلقي على بطنه :
- خلاس وروك ؟ سمح اديني شيتي الجيتلو خلني النمش
يرد الشيخ بحدة
_ ماني بديك شي قوم امش !!
يتبسم عيسى وهو يعتدل في وضعه وفي خاطره آخر محادثة بينهما حينما التقيا ذات صدفة وحاول الشيخ اعادته ولكن كانت ردوده سياط لامست اوجاع الشيخ في مألم .
فعيسى هو الوحيد الذي يعرف سر ما يجري داخل الغرفة حين يختلي (السفلي) بالشيخ في تلك الطقوس التي تمثل عهد تضحية وميثاق طاعة ، فهو الذي كان يفترض به ان يصبح شيخا رغما عن كونه إبن (حواء) التي كان جدها مملوكا لشيخ (الضو) صاحب المشيخة الأولى ، فكان واحد من العشرات الذين خرجو (مجانين) ولم يُكملو طقوس المشيخة ، فعندما بدأ (شيخ اسماعيل) في الورد الأخير من اوراد العوالم السفلية وبدأ الصندوق يرتفع من الأرض في دلالة على قدوم موكب (الخُدام) ، امره بأن يخلع ملابسه وإحدى نعليه ويعتلي الصندوق ليعتليه أحدهم في خطوة اولى من خطوات التواصل بينه وبين الجن فما كان من عيسى الا ان حمل حصى التمر الذي اقتات عليه طيلة ذلك الإسبوع راجماً الصندوق ليسقط من ارتفاع وازى السقف ويخرج ركضا من الباب مغادرا الغرفة ومغادرا المكان بأكمله . لتصبح (طفشته) سببا في موت شيخ اسماعيل حسرة على ابنه الأقرب الى قلبه .
_ شن بدّور ياعيسى مو قُت مابتجي ؟
أردفه الشيخ بسؤاله ليكمل اعتداله ويجيب في هدوء :
_ يعني عرفتني في الضُلُمة دي عيسى وماعرفتني جاي ليشنو ؟
عيسى يعلم تماما ان الشيخ يعرف سبب قدومه فلولا ان ذلك الضابط كان صديقا عزيزا عليه لما أتى الى هنا ولكن حالته جعلت العودة ردا لجميل قديم لصاحبه عليه .
_ جاي للإتا عارفو ياالشيخ .
ببروده الذي يغيظ الشيخ رد عليه فكتمت حقيقة رده الشيخ ، فقد أخبره قرينه انه حضر (ليفك) صديقه ضابط الشرطة الذي ربطته (مندلة) عند (أشيبي) بعد ان أحرق اندايتها وجلدها امام الناس فكتبت بدمها في سيارته (أصصصبر) وأختفت من المدينة لعدة شهور وأتت لتفتح إندايتها ويحرسها أمام الباب في ذلك الكرسي الضابط نفسه على مدار اليوم بتلك الهيئة المزرية .
_ طيب عندك شي والا نلفت ؟
سحب عيسى طرف (الجلابية) ومال يسارا ليدخل يده اليمنى في جيبه مخرجا فتيلا صغيرا مغلقا بكيس و(فُلة) مطاطية وناوله على قهر فهو يكره التعامل بتلك الأشياء ولكن الضرورة احكمت عليه ذلك فمن كُتب عند (أشيبي) النيجيري لا يفُكه الا الشيخ هكذا يعلم الجميع .
_ ان شاء الله مايكون زي الفات ؟
يسأله الشيخ بجدية فيهز عيسى رأسه نافيا وهو من حاول ان يخدع الشيخ في ذات الصدفة تلك ليعطيه فتيلا فارغا ويطلب منه أن يفك أبناء عشيرته الذين (ربطهم) الشيخ فأصبحو لا يستطيعون ممارسة الجنس خارج أسوار قريته محاولا منعهم من التزاوج بفتيات المدينة اللواتي يسرقن الرجال حد ظنه فكان الواحد منهم عاجز عن ذلك الا داخل حدود عشيرته . ولكن الفرق هذه المرة ان أمر صديقه لا يهم الشيخ كثيرا لذا كان الفتيل ممتلئا .
تبسم الشيخ وهو يحمل الفتيل ويمد يده في تلك الحفرة أسفل سجادته ليخرج (برطمانية) يمدها لعيسى .
وبعض لحظات كان عيسى يشق صفوف (الزوار) و (الحُوار) الجالسين خارج العشة في انتظار الشيخ وهو واثق من ان الشيخ لم يخدعه كالمرة السابقة فيرى بعين الخبير انتفاضة صديقه الضابط ويسمع بأذن العارف صرخته عندما يفتح البرطمانية داخل إنداية مندرة ..
|