تحياتي المحسي.
كم كنت أتمنى أن يكون وجدي صالح ثائرا حقيقيا وصادقا في أمر العدالة، ولن اجعل الله عُرضة لايماني ولكن ثق بأنني كنت ولم أزل أرجو وأسعى إلى محاسبة كل من أثرى بلا وجه حق وأفسد بإسم المنهج الذي أنذر نفسي ويراعي له.
كنت سعيدا يوم رأيت أول لقاء صحفي للجنة تفكيك التمكين، يومها تحدث وجدي صالح، تفرست في وجهه مليا واستمعت إليه بشغف، ثم توضأت وأوترت ثم تلوت الواقعة وتبارك استنانا ورقدت، فإذا بي وكأني أواصل مشاهدة وجدي واستمع إليه خلال منامي، وإذا بي أراه يستحيل إلى شخص آخر!، وعندما سألت قيل لي بأنه روبسبير!، نعم ماكسيميليان دو روبسبير، وهو كما تعلم أشهر زعماء الثورة الفرنسية.
روبسبير هذا قالت عنه المؤلفة الفرنسية روث سكور بأنه شخصية متداخلة تجمع بين الريبة السياسية والذكاء الحاد، بالإضافة إلى العداء لكل من حوله، هكذا صورت روث شخصية روبسبير الذي سبقها وصور نفسه إنسانًا لا يخطئ أبدًا وأنه مصدر القانون الذي يجب أن يسير عليه البشر كافة!
وعندما سألت عن وجدي صالح دُهشتُ حقا للتطابق العجيب بينه وبين شخصية روبسبير!
لقد ولد روبسبير في فرنسا بمدينة آراس عام 1758م، وقد نشأ في أسرة فقيرة للغاية، حيث كان والده عاطلاً عن العمل في ذلك الحين، وتوفيت والدته وهو مازال في عمر الست سنوات، فكانت طفولته بائسة ولم يمر بمرحلة الشباب مثل غيره كما قالت عنه شقيقته فيما بعد.
كان روبسبير ذكيًا ومتفوقًا، حتى أنه اختير من بين الطلاب الذين يلقون بكلمة إبان تتويج الملك لويس السادس عشر عام 1775م، وقد عاش روبسبير مثله مثل باقي أطياف الشعب من الفقر المدقع والظلم وضيق الحال، وكان يرغب في المساواة والعدالة مثلهم تمامًا.
أنهى روبسبير دراسته لل(قانون) وأصبح محاميًا شهيرًا وواحدًا من ممثلي الطبقة الثالثة في أرجاء قصر فرساي، وتميز روبسبير بأنه كان أنيق الملبس والحديث، وكان يتمتع بقدرة هائلة على الخطابة.
وهنا يمكننا التوقف برهة قبل ان نقرأ الذي أصبح عليه (روبسبير)!
ثم ترقى الرجل في سلم الثورة الفرنسية فأصبح أول مندوب لمدينة باريس في المؤتمر القومي الفرنسي الجامع، فإذا بروبسبير يطالب بشدة بإعدام الملك لويس السادس عشر وعائلته كاملة!، وقد أثار ذلك دهشة كل من حوله، فقد كان روبسبير يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام، وبالفعل تم اختراع مقصلة تحصد الرؤس بسرعة من خلال نصلها الحاد، وتم إعدام الملك.
عقب ذلك تم انتخاب روبسبير رئيسًا للهيئة التنفيذية العليا والأمن العام، فعسى جاهدا لإزالة كافة معارضيه لينفرد وحده بالسلطة، وقام بالمطالبة بإعدام زعماء الثورة الفرنسية مثل ديمولان ودانتون وهيبير مدعيًا بأنهم يطالبون بمصالح شخصية وليسوا بحريصين بمطالب الشعب، وتم تنفيذ حكم الإعدام بهم جميعًا.
وارتكب روبسبير الكثير من المجازر والأهوال في عهده، فأعدم الكثيرون من خلال مقصلة متحركة، وكان يتم إعدام أكثر من اثنين وثلاثين شخصًا في اليوم الواحد وكل ذلك بإسم الثورة!، ليسجل روبسبير عصرًا جديدًا من الإرهاب والدموية اخترع فيه روبسبير تهمًا غريبة لم يسمع بها أحد قط من قبل!، فالرجل كان يحفظ تفاصيل الاجراءات القانونية عن ظهر قلب، وقد إلى ذلك ليخرج حكم الإعدام دون أية مطالبة بتخفيفه أو عدم تنفيذه، ومن السياقات التي كان يستخدمها (التقاعس عن تنفيذ مطالب الثورة)، أو (التعرض للثورة بالسب والقذف)، و(بث روح التشاؤم وتعكير طهارة الثورة)! وكانت كلها اتهامات عقوبتها قطع الرؤس.
ولم يتوقف روبسبير عند هذا الحد، بل امتد جنونة إلى إلغاء التقويم العادي فجعل التقويم في فرنسا يبدأ بتاريخ اندلاع الثورة الفرنسية، وأبدل أسماء الشهور والأيام بأسماء غريبة، ثم أنهى الأمر بفكرة جنونية أخرى ألا وهي اكتمال ما يحدث بديانة جديدة من اختراعه، وتم تحويل 2400 كنيسة في عهده إلى ديانة عبادة العقل.
النهاية:
ما فعله روبسبير انتهى بمصير يشبه أفعاله، فقد ذاق من نفس الكأس بعد أن سعى إلى رفع الحصانة عن أعضاء المؤتمر ليبدأ في التخلص منهم جميعًا وينفرد وحده بالسلطة، فقاموا بالاجتماع خوفًا على أرواحهم وقرروا الإطاحة بروبسبير، وطلب المجتمعون من قوة عسكرية الذهاب إلى مقر إقامة روبسبير وأطلقوا عليه الرصاص، فأصابت إحداها فكه، وتم إلقاء القبض عليه وسجن في غرفة ضيقة، ثم حكم عليه بالإعدام بنفس المقصلة التي استخدمها لقطع الرؤوس، وبالفعل اقتيد روبسبير إلى المقصلة، وانتزع الحارس الضمادة عن الجرح الذي أصابه في فكه فصرخ روبسبير ألمًا، وتم إحاطة عنقه بحبل المقصلة ثم شنق ومات، وبذلك انتهى عهد ماكسيميليان دو روبسبير.
|