بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة السابعة *
7
أعدَّ فيليب روندو تفاصيل ما سيقوله للترابي، وفكَّر في تقديم عرضٍ بصفقة واضحة لتسليم كارلوس، لكنه آثر أن يعرف اتجاهات الترابي وموقفه أولاً.. كانت تقارير الخطيب تتدفق بشكل يومي على مكتب حسب الله، وظلَّ ينصح بضرورة أن يُتخذ قرار عاجل ليبلغه الترابي للفرنسيين.. كان حسب الله وصلاح ضد موقف ونصائح الخطيب ولم يشاءا أن يرُدَّا عليه إلى حين اتضاح الصورة.
8
بينما كان صلاح وحسب الله يتأهَّبان للذهاب لمنزل كارلوس، وصلت رسالة عاجلة من لبنان ينصح فيها أبونضال بعدم تسليم كارلوس للفرنسيين!! وقال إنه بحسب معلوماته، إن الفرنسيين ضاغطون في هذا الاتجاه، ولكنه أكد أن إرسال كارلوس للخارج يعني نهايته، وأكد أن لبنان حالياً خطرة عليه بسبب الصراعات الداخلية للمنظمات الفلسطينية.. وكان الأمن السوداني قد بعث برسالة لجماعة أبونضال لقراءة موقفها من استقبال كارلوس بلبنان.
هكذا اكتملت الدائرة، فاليمنيون رفضوا، وكذلك الأردنيون، وحتى رفقاؤه من الفلسطينيين غير مستعدين لاستقباله.. كل الخيارات التي قرَّروها لا أمل فيها. يبقى الحل الأخير، وهو بيدي كارلوس، وبعد ذلك لا مناص من اتخاذ موقف في القضية بعد وضع كل المعلومات أمام القيادة.
- قال صلاح لحسب الله: "يا زول شيل مسدسك، الزول ده قبل كده كاتل ليهو ضابطين فرنسيين وهرب قبل أن يعرف قصتهم شنو"!!
- قال حسب الله: "وين دقشم ومركزو كوكو وجماعته؟! والله الاتنين ديل يخوِّفوا عصابة".
- قال صلاح: "كارلوس ده خطف ليهو عشرين وزير تحرسهم مخابرات الدنيا كلها.. أسمع، ما تنسى أنا اسمي (صدِّيق) وما عندي علاقة بالجهاز، ما تمشي تكشفنا.. خليني أنا بس من جماعة الترابي رغم أنه بالأمس قال لي إنه لم يعُد يثق به"!!
- قال حسب الله: "يعني هو هسِّع ما واثق في الترابي، كيف حيثق في كلامي؟!"..
- صلاح: "دي مهمَّتك يا بطل".
9
قدَّم صلاحٌ (حسبَ الله) لكارلوس قائلاً: "هو صديقي ويمكن أن تعتبره صديقك، وهو يملك كل المعلومات والصلاحيات للحديث معك. أعتقد أنكما ليسا بحاجة لي، ولذا سأغادر إذ عليَّ أن أذهب لاجتماع عاجل الآن ونلتقي غداً".
أنهى صلاح حديثة بسرعة وغادر مسرعاً وسط دهشة كارلوس الذي تركه مع شخص لأوَّل مرَّة يلتقيه. قصد صلاح أن يضع كارلوس وجهاً لوجه مع حسب الله حتى يسمع كارلوس صوتاً رسمياً آخر، أو كما يعتقد كارلوس.
- قال كارلوس لحسب الله: "علمت أن الترابي سيزور باريس قريباً، هل لهذه الزيارة علاقة بي؟".
- زلزلت هذه المعلومة أركان حسب الله، إذ لا يمكن أن يكون صلاح قد ملَّكه هذه المعلومة، فمِن أين له أن الترابي سيكون بباريس قريباً؟! لكنه سرعان ما تماسك، وقال: "لا شأن لي بالترابي، أنا أمثل جهازاً رسمياً لا علاقة له بتحرُّكات الترابي".
- ابتسم كارلوس: "حسناً، لنعرف الآن ما رأي الجهاز الرسمي".
- هذا المدخل الحاد هو ما فجَّر الحوار الصريح الذي دار بين حسب الله وكارلوس لمدة ساعتين.. قال حسب الله: "إن الجهات الرسمية بعد تقييمها للموقف رأت أنك وصلت إلى السودان دون إذن منها وهذا لا تقبله دولة ولكن تقديراً لظروف كثيرة تتعلق بمواقفك من القضية الفلسطينية، تحمَّلنا ضغوطاً كثيرة من أطراف عديدة في العالم تدعونا لاتخاذ إجراءٍ ما، ولكننا امتنعنا عن ذلك لشهور. ونتعرَّض الآن لضغوط سياسية واقتصادية في ظل العُزلة التي يعاني منها السودان الآن بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية وصون قراره المستقل.. الأوضاع هُنا لم تعُد آمنة، ولا يمكننا تحمُّل التبعات الأمنية والسياسية لوجودك في الخرطوم.. دعني أكون صريحا معك، لقد ظللنا منذ أواخر العام 1993 نتدارس الأمر، وظلَّ موقفنا هو الترحيب بك، ولكن لم يعُد ذلك ممكناً الآن في ظلِّ الظروف التي نعيشها.. ما سيجري نقاشنا حوله الآن هو تحديد الجهة التي تختار التوجُّه إليها، ثم ترتيب كيفية الوصول إليها.. ليس من صلاحياتي مناقشتك في أمر حسمته القيادة السياسية، ولكن أنا الآن معنيّ بتفاصيل التنفيذ فقط.. فأرجو أن ينحصر حوارنا في ما أبلغتك به".
كان كارلوس يُصغي بهدوء لحسب الله، ولم تبدُ عليه علامات التوتر ولا الانزعاج، بشكل أثار انزعاج حسب الله لردَّة فعل كارلوس.. حينما أنهى حسب الله هذا الجزء من حديثه أخذ كارلوس كوب الليمون الذي وُضع أمامه وطلب من حسب الله أن يأخذ كوبه.. مرَّت دقائق قبل أن يبدأ كارلوس في إفادته:
- "الآن قرَّرتم أن أغادر الخرطوم ولكنكم لم تحدِّدوا إلى أين.. حسناً، تودون رأيي في الجهة التي أفضل التوجُّه إليها.. ولكني قبل أن أسألك أود أن أقول لماذا لا يجري حوار؟ لماذا أنا بالأصل هنا؟ ولماذا أغادر أصلاً؟ وهل هو الخيار الوحيد؟ وهل إذا غادرت ستنتهي عزلة السودان؟ قبل أن نتحدَّث في ذلك، إذا رغبت طبعاً فإنني أسألك: هَبْ أنني وافقتُ على المغادرة الآن، فما هي الدولة التي تتوقعون أنها ستؤويني؟! هل طرحتم هذا السؤال على أنفسكم، أم أن ذلك ليس مهماً؟! إذا رتبتم أمر الدولة التي ستستقبلني فإن تلك الدولة قد لا تناسبني، فكيف بإمكاني أن أقبل المغادرة لدولة عدوَّة.. هل وضعتم ذلك في حساباتكم؟! أود أيضاً أن استفسر منك قبل أن أمضي في الحوار".
امتلأ حسب الله غيظاً من العنجهيَّة التي تحدَّث بها كارلوس، وكأن من واجب الدولة السودانية استقباله وحمايته، بل أحسَّ بأنه مُنكرٌ لحقها أساساً في طلب المغادرة.
- قال حسب الله لكارلوس: "أرجو أن تسمعني جيداً.. إن ما نقوم به الآن ليس مفروضاً علينا، لا أخلاقياً ولا دينياً ولا قانونياً، وعليه حين نتحدَّث معك فإننا نتحدَّث عن وضع مختل قانوناً ويُعرِّض مصالحنا للخطر. سؤالك إلى أين ستغادر، تركنا لك الخيار، وعليك أن تقرِّر إلى أين ستغادر".
- قال كارلوس بصورة عاجلة: "وإذا لم يكن هناك خيار؟ أي ليس هناك دولة أثق بها لأغادر إليها؟".
- "نحن لم نطلب إليك أن تغادر الآن، فقط أردنا أن نُعلمك بما توصَّلنا إليه لتقرِّر ما ستفعل".
- نظر كارلوس لحسب الله ملياً قبل أن يطلق سؤاله المفاجئ: "وإذا لم أرغب بالمغادرة؟!".
- وبنفس السرعة أجابه حسب الله: "عليك أن تتحمَّل تبعات قرارك".
- "ماذا تقصد؟"
- "أقصد ما قلته"
- "هل طُلب منك نقل تهديد مبطن لي؟".
- "لم يطلب مني أحد تهديدك، بل إخطارك فقط بالقرار وليس فيما قُلت أي تهديد".
- "إذن أنت تعتبر قرار طردي من السودان والقذف بي لأي دولة ليس بتهديد؟!".. قال كارلوس...
- "نحن لم نقرِّر ذلك.. قرارنا كان ترك الخيار بين يديك".
- قال كارلوس: "يبدو أنني ضحية لصراعات داخل حكومتكم".
- حسب الله: "ليست هنالك صراعات، وليس من حقك أن تتدخَّل في شؤوننا".
- قال كارلوس: "صحيح ليس من حقي، ويبدو لي أن اختياري المجيء للسودان باعتباره مظلة للثوريين العالميين لم يكن صحيحاً".
- قال حسب الله: "هذا تقديرك على كل حال".
- قال كارلوس: "بالفعل، ويبدو أني سأندم على ذلك، ولكن عليَّ أن أقول لك اعطني فرصة للتفكير لأردَّ عليك".
وقف حسب الله في تلك اللحظة قائلاً: "بالطبع هذا من حقك.. وكلمة أخيرة أودُّ أن أقولها لك، وهي أنك آمن في الخرطوم إلى أن تغادرها.. نعتبرك ضيفاً على السودان إلى الآن".
أطرق كارلوس برأسه موافقاً، وودَّع حسب الله على الباب.. ولم ينس أن يبلغه أنه يحتاج أن يرى (صدِّيق).. كاد حسب الله يقول له: من (صدِّيق) هذا؟، ولكنه في آخر لحظة تذكر أن (صدِّيق) هو (صلاح).. الله ستر
10
بدأ حسب الله وصلاح منذ الصباح يبحثان عن دكتور نافع لوضعه في الصورة، وبالفعل انعقد اجتماعٌ عاجل وتمَّ تنويره حول تطوُّرات الملف حتى مساء الأمس، حين قابل حسب الله كارلوس ورأيه في موضوع المغادرة التي بدا سلبياً حيالها، بل ورافضاً المغادرة من أصلها.. طلبا إليه أن يضع الشيخ في الصورة قبل لقائه مع فيليب روندو، ورأيا ألا يَتخذ قراراً قبل عودتهما ليكون القرار من القيادة السياسية والأمنية مجتمعة، ثم طلباً أن يُعقَدَ اجتماعٌ بباريس خلال الشهر القادم.. أصغى د. نافع لحديثهما، وردَّ قائلاً إن هذا القضية استغرقت وقتاً، وبدأت تفرض تداعيات خطرة على البلد، وبالتالي لابدَّ من حسمها.. وافق صلاح وحسب الله على رأي د. نافع بسرعة إغلاق الملف، واقترحا أن يكون القرار نهائياً بعد عودة الشيخ من إسبانيا وباريس
*
عذرأ فقد سبق أن أدرجت هذه الحلقة فى الحلقة السادسة سهواً
ولدواعى التوثيق قمت بفصلها كما جاءت فى مصدرها الأصل تماماً ،
|