منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-11-2026, 07:51 AM   #[1]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا

بسم الله الرحمن الرحيم
ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا
كما لو أنني أفتح درجاً قديماً في قلبي درجاً امتلأ بالأغنيات التي لم تكن موسيقى فقط بقدر ما هي ذاكرة كاملة تمشي على قدمين. الحزن القديم، أقابلك، شجن، الحب والظروف، ذات الشجون، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، الى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، يا أعز الناس، الذكريات، قصتنا، ضنين الوعد، حبيبة عمري، حسنك أمر، ليلة السبت، الذكريات، والله مشتاقين، كلمة، الزول الوسيم، وكت الليل يفلل، في سكون الليل، عذارى الحي، من زمن، سيد الاسم، في الليلة ديك، قف تأمل، شن طعم الدروس، الطير الخداري، كسلا، هل تدري يا نعسان، خداري، هوج الرياح، أغنيات من ذكريات ارتبطت بمكان ما وزمان ما وحبيب ما وأخرى بفرح ما وأخرى بأحزان وجراح
هذه ليست قائمة أغنيات لكنها خريطة حياة فكل أغنية منها تحمل مكانا، زمنا، وجها، لحظة، جرحا، فرحا، طريقا مشيته، ونافذة وقفت عندها ذات مساء
هذه الأغاني ليست صوتاً وليست ذكريات فقط هي جسر معلّق بين ضفتين داخل الروح ضفة يسكنها الذي كنتَه. ذلك الذي كان يمشي بخفة ويحلم دون خوف ويحب دون حساب ويغضب بسرعة ويسامح بسرعة أكبر ويظن أن العالم قابل للترميم مهما انكسر وضفة أخرى يسكنها الذي أنتَه الآن. هذا الذي يعرف معنى الفقد ويحمل في صدره طبقات من الصمت ويخاف على قلبه أكثر مما يخاف منه
في الغربة يصيبك الضعف في لحظات استماعك لتلك الأغاني التي ارتبطت بأفراحك واحزانك وارتبطت أيضا بأزمان العمر المختلفة. يصيبك الضعف ويأخذك الخيال بعيدا حد ان تحس بصعود الغصة اعلى الروح وتحس بانقباضات الخلايا داخل الجسد المرهق والمثقل بحمل ذكريات تداهمك كالحمى
ليست مجرد أغنيات إنها أرشيف الروح وهي الصندوق السري الذي يفتح نفسه عليك كلما ظننت أنك تجاوزت ما كان وهي الشيء الوحيد الذي يذكرك بأنك لم تفقد كل شيء وأن جزءاً منك ما زال سليما وما زال قادرا على أن يحب وأن يتذكر وأن يعود والأغاني التي ترتبط بأفراحك وأحزانك لا تعود كصوت فقط لكنها تعود كـزمن كامل ينهض من بين خلايا الذكرة وكأن العمر نفسه يضغط على صدرك ليذكرك بأنك كنت هناك وأنك ما زلت تحمل ذلك المكان وذلك الزمان وتلك اللحظة في قلبك مهما ابتعدت.
هي شكل آخر من أشكال العودة حين تستمع لـشجن، الحب والظروف، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، إلى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، ذات الشجون، قصتنا فأنت تسمع روعة ضحكة كانت على مقعد ما وارتباك خطوة في شارع تعرفه جيداً ووجه حبيب لم يعد في الصورة لكنه ما زال في الذاكرة وعشرة ونسة كنت فيها أقرب إلى نفسك مما أنت عليه الآن ونزف جرح لم يلتئم لكنه صار جزءاً من حكمتك
هذه الأغنيات ليست موسيقى إنها أطراف الروح التي تركتها في أماكن بعيدة والتي ما فتئت تعود إليك كلما حاولت أن تكون قوياً أكثر مما ينبغي. والغربة لا تربكنا بالأغاني فقط ولكنها تعيد ترتيبنا بها حد ان نحس بأن الغربة ليست المكان فقط بل هي أن تسمع أغنية كانت تشبهك فتكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كان يغني معها ولا الشخص الذي كان يبكي بسببها ولكنها ما زالت قادرة على أن تهزك من الداخل كأنك تعود للحظة لم تعشها كاملة. فالأغاني التي ترتبط بـمكان ما وزمان ما وحبيب ما أو جرح ما هي في الحقيقة تفاصيل فصل صغير من حلم العودة. ليس لأن هذه الأغنيات جميلة فحسب بل لأنها تحمل الطريق الذي خرجت منه والطريق الذي تحاول أن تعود إليه ولو في الخيال. هي فصل من حلم العودة الى تفاصيل ازمان العمر المختلفة فصل ينهض كلما سمعت صوتاً يشبه شبابك أو نبرة تشبه نساء الوطن أو حزناً يشبه رجال الطرقات القديمة في اقصى شمال القلب.
هي ليست مجرد أصوات تعبر الأذن ثم تمضي إنها أرشيف حي ومستودع للزمن ومخزن للوجوه التي عبرت حياتك ثم تركت ظلالها معلّقة على مراجيح الذاكرة. فكل أغنية هي باب صغير تفتحه فينهض أمامك المكان الذي ظننت أنك نسيته شارع عبرته في ظهيرة بعيدة أو ركن بيت كان يضج بالضحك أو حبيبة كانت ترفع شعرها بطريقةٍ عفوية تشبه بداية ترنيمة طار أو أصدقاء تفرقوا لكن أصواتهم ما زالت داخلك
حين تسمع أغنية ارتبطت بفرحٍ قديم تشعر أن قلبك ينهض من سبات طويل وحين تسمع أغنية ارتبطت بحزنٍ ما تتسلل إليك تلك الانقباضات التي تشبه الحمى وكأن الروح تتذكر فجأة أنها كانت مكسورة في يوم ما وأن الكسر ما زال هناك متمسك بخلايا جسدك حد ان صار جزءاً من جمال مدارك الذي تتحرك فيه كل تفاصيلك القديمة طفولتك وارتباكك الأول وخوفك الأول وحبك الأول وجرحك الأول وحزنك الأول
الأغنية هي رحلة العودة الوحيدة التي لا تحتاج فيها إلى جواز سفر فالأغاني التي ترتبط بمكان ما تعيدك إلى ذلك المكان دون أن تتحرك خطوة. تسمع كسلا فتشمّ رائحة التراب بعد المطر وتسمع إلى مسافرة فتشعر بارتباك الوداع تسمع الطيف فتتذكّر وجه من رحل وتسمع خاف من الله فتتذكّر حبيبا سقط اسمك من ذاكرته دون أن يقصد.
هناك أغنيات لا نسمعها فقط ولكن نعيشها من جديد. أغنيات تنهض فينا حياة كاملة وضحكة كنت قد نسيتها أو دمعة لم تكن تعرف أنها ما زالت موجودة أو حلما صغيرا كنت قد خبأته في جيبك ثم نسيته هناك. أغنيات تمنحك حياةً ثانية حياة تعاش في القلب حيث لا أحد يراك ولا أحد يحاسبك ولا أحد يعرف كم أنت هش حين يبدأ اللحن.
الأغنية ذاكرة لا تشفى والأغاني هي الطريقة التي نتذكر بها دون أن ننهار ونبكي دون أن نهزم ونعود دون أن نغادر والأغنية التي أحببتها في لحظة عشق ما تعود إليك كـامرأةٍ كاملة بضحكتها وبمزاجها وبغضبها الجميل وبتلك العيون التي لا تشبه عيون الآخرين. الأغنية التي ترتبط بحبيبٍ ما لا تموت ولكن تتحول إلى حضور خفيف يمرّ في صدرك كلما مرّ اللحن وتربّت على روحك حين تتعب فحين تسمع ضنين الوعد تنهض ابتسامتها القديمة وتسمع الحب والظروف فتعود إلى تلك اللحظة التي وقفت فيها على حافة الوداع وتسمع الذكريات فتشعر بأن قلبك يعود إلى مكان لم يعد موجوداً إلا فيك وتسمع قصتنا فتتذكر أن الحكاية لم تنته بل توقفت في منتصف جملة لم تكتب فالأغنية التي ترتبط بحبيب تصبح مرآة للروح ترى فيها ما فقدته وما احتفظت به وما تمنيت لو بقي.
فجأة تكتشف بان أغنيات مثل زاد الشجون والحزن القديم والود ونظرة يا لسمحة ام عجن وبرضي ليك المولى الموالي ويا النازلة وحنيني اليك والحزن القديم وقلت أرحل أصبحت جزءاً من تكوينك ومن طريقة مشيك ومن طريقة صمتك ومن طريقة حزنك ومن طريقة انتظارك.
في الغربة لا أحد ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا أحد يفهم لماذا ترتجف عند نغمة معينة ولا أحد يدرك أن هذا اللحن ليس لحن فقط هو ماضيك الذي يمشي معك في الطرقات البعيدة وهو فرحك وحزنك الذي يعاودك من حين لآخر
الأغنية في الغربة تصبح وطناً صغيراً وحبيباً كبيراً ومسافة تختصر كل المسافات والأغاني التي تحمل رائحة البلاد لا تسمع فقط ولكن تعاش فحين تبدأ الأغنية تنهض في صدرك أرض كاملة وتراب تعرفه وسماء كنت ترفع رأسك إليها في لحظات الحاجة والحمد وأشجار وبيوت كانت تلوح لك في طريق المدرسة ونساء مثل قمر 14 كن يملأن الشوارع بضحكات تشبه بدايات القصائد وشباك يفتح فجأة على بيت كنت تظن أنك نسيته أو على شارع كنت تمشي فيه بلا خوف وعلى طفولة لم تكن تعرف أنها ستصبح أغلى ما تملك.
تسمع طال علينا فراقكم فتشم رائحة الدعاش في المغارب وتسمع غاية الآمال فتشعر بأن يد الوطن يربّت على كتفك. تسمع سفري السبب لي ازاي فتتذكر أن السفر لم يكن خياراً وأن العودة كانت دائماً حلمك الأول تسمع الرحيل فتنهض وجوه الذين رحلوا عنك وكأنهم يقفون عند باب البيت ينتظرونك.
فالوطن ليس المكان فقط هو الطريقة التي يخفق بها قلبك حين تسمع أغنية تشبهه فالأغنية تحفظ تفاصيله الصغيرة في رائحة شاي الصباح وفي صوت المؤذن وفي رنة الطمبور وفي ضحك الجيران وفي ذلك الضوء الذي كان يدخل من نافذة البيت ويجعل كل شيء يبدو ممكناً.
تسمع أنا سوداني فتشعر بأن الوطن يقترب ويدنو حتى يصبح في صدرك وحتى يصبح في دمك ثم يمضي الى تلك المنطقة الصغيرة التي لا يراها أحد. الأغنية تعيدك إلى الوطن حتى لو كنت في أبعد نقطة من العالم تعيدك إلى أمّك وإلى اهلك وإلى أصدقائك وإلى طفولتك وإلى نفسك التي تركتها هناك.
هناك نسخ منا لا تموت لكنها تختبئ خلف ارهاق العمل وخلف التزام المسؤوليات وخلف خيبات الحياة وخلف المدن التي عبرناها دون أن نحبها. والأغنية هي المرآة التي تعيد تلك النسخ إلى الضوء فتريك نفسك كما كنت لا كما أصبح وتريك قلبك قبل أن يتعلم قراءة الخسارات وخطواتك قبل أن تثقلها الطرق الطويلة. وفي الغربة لا شيء يرافقك كما ترافقك الأغنية ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا شيء يفتح باب الوطن لك كما تفعل الأغنية فالأغنية تصبح وطناً صغيراً تحمله في جيبك وتفتحه حين يضيق صدرك وتغلقه حين تستطيع التنفس

الرياض أغسطس 2026



Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2026, 07:54 AM   #[2]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

ليست مجرد أغنيات

النازلة ماشة على البحر – حين تتحوّل الأغنية إلى ذاكرة تمشي على قدمين

هو لقاء السحاب، التقاء حدربي محمد سعيد… شاعر الترابلة والمعوزين البسطاء كما وصفه حسن الجزولي، شاعر الذين يمشون حفاةً على الأرض ويعرفون أسماء الشجر والحجر كما يعرفون أسماء أبنائهم وحسن بابكر… زكريا أحمد السودان، الملحن الذي يعرف كيف يجعل النيل آلة موسيقية ومحمد ميرغني… الصوت الذي يشبه ظلّ نخلة باذخة الطول، رحل جسده وبقي صوته يلمع في ذاكرة الناس.
هؤلاء الثلاثة لم يصنعوا أغنية فقط بقدر ما صنعوا لوحةً من حياةٍ كاملة. لوحة فيها النيل والبنات والقماري، وفيها اعراس الشمال ورائحة اللوبيا والليمون… وفيها أنا وكل من كان هناك
النازلة هنّ البنات اللاتي كنّ يردن الماء في العصريات بفساتينهنّ الملوّنة كأنها قطع من الغروب، وطرحهنّ فوق رؤوسهنّ كتيجانٍ صغيرة، يمشين في طريقٍ يعرفهنّ ويحفظ أسرارهنّ، طريقٍ يزلن منه جريد النخل ليفسحن لأنوثتهنّ طريقاً نحو النيل.
يمشين على القرمصيص المصنوع من أزهار الطلح، المعطّر برائحة اللوبيا المتشابكة في جروف النيل وكأن الأرض نفسها تتزيّن لمرورهنّ. يتدلّى لهنّ سبيط التمر وتألفهنّ أسراب القماري وطيور الدندريس وكأن الطبيعة كلّها تعرفهنّ بالاسم وتعرف خطواتهنّ وتعرف أنهنّ يحملن الماء ليصنعن حياة البيوت.
أغنية النازلة ليست مجرد كلماتٍ تغنّى… إنها ذاكرة تمشي، ذاكرة لها جسد ورائحةٌ وخطوات على الرمل، ذاكرةٌ لها لون فستانٍ وطرحةٍ تُرفع قليلاً حين تهب نسمة من جهة النيل. وحدربي لم يكتب عن فتاةٍ واحدة لكنه كتب عن القرية كلّها وهي تنزل إلى النيل. كتب عن ذلك الطقس اليومي الذي يشبه الصلاة، حين تمشي الفتيات في الصباح لحلب الأغنام أو في العصريات نحو النيل لجلب الماء، يحملن جرارهن وتحيط بهن رائحة الليمون واللوبيا والبرسيم،
كان حدربي يرى ما لا يراه الآخرون، يرى أشعة الشمس الذهبية وهي تتسلل بين الغصون ويرى الندى وهو يلمع على خضرة الدرب ويرى أشجار الطلح وهي تفرش زهرها قرمصيص تحت الأقدام كأنه بساطٌ من ذهبٍ أخضر، ويرى السبيط وهو يتدلّى على رؤوس النازلات كأنه تاجٌ من ضياء. حدربي كان ابن تلك الأرض وابن ذلك النسيم وابن تلك الخطوات التي يعرفها الدرب كما يعرف اسم صاحبتها. لذلك استطاع أن يكتب الأغنية كأنها مشهدٌ يُرى لا يُتخيّل.
النازلة هي لحظة الانحدار نحو الماء، لحظة التقاء الجمال بالضرورة، لحظة أن تحمل الفتاة جرّتها على رأسها كأنها تحمل حياة البيت كلّه. هي لحظة أن يفسح الجريد الطريق وأن يبتسم السبيط وأن يوشوش اللوبيا وأن يرقص الضوء على الندى. هي لحظة أن يصبح النيل أباً والجروف أماً والطريق ذاكرةً تحفظ أسرار البنات.
وتبقى اللوحة باذخة البهاء حين يصف لحظة شرود النيل من ضفافه حين ينسحب النيل قليلاً، تاركاً وراءه جزر الرمل التي تتخللها المياه كأنها كبة عسل في صينية فطور العريس. هذا التشبيه وحده يكفي ليقول إن حدربي لم يكن يكتب شعراً… ولكن كان يكتب حياةً، كان يكتب طقس الصبحية وطقس الفرح وطقس الضحك من الأعماق وطقس الأكل الذي يُرسل كعربون محبة وطقس الزغاريد التي تفتح الصباح مثل نافذةٍ على الفرح.
هكذا وجدت نفسي أكتب ليس عن الأغنية ولكن اكتب عن طفولتي وعن مكاني هناك وعن النسيم الذي لا يزال يسكنني وعن الأزهار في موسم الازهار وعن القماري وعن الطرحة الملونة التي رأيتها ولم تغادر ذاكرتي. نعم وجدت نفسي أكتب عن الزمن الذي مضى وبقيت رائحته. هو ذلك الشعور الرائع بأن الحياة كلها تمشي أمامي بخطواتٍ هادئة وأن الجمال ليس فكرة بل هو امرأة تمشي نحو النيل.
أغنية النازلة ماشّة على البحر ليست أغنية فقط بقدر ماهي ذاكرة وطنٍ صغيرٍ على ضفة النيل. هي لوحةٌ من الضوء والندى والقماري والناس. هي حياة كاملة كانت هناك… وبقيت في قلب من عاشوها يعودون اليها كلما ضاق بهم العالم
القرى في الشمالية تتذكّر النازلة كما تتذكّر النيل. تتذكّر لون فستانها وتتذكّر طرحتها، وتتذكّر طريقة قدلتها وتتذكّر كيف كانت تزيح الجريد بيدها وكيف كانت الطيور تألفها فلا تطير من عشّها حين تمرّ.
النازلة كانت جزءاً من طقس يومي، طقس يشبه الصلاة فيعرفه الدرب ويحفظه مثل سرٍّ قديم.كل بيتٍ في تلك القرى كان يعرف النازلة ويعرف صوت خطواتها ويعرف وقت نزولها ويعرف الطريق الذي تسلكه ويعرف كيف يعود الماء معها ليملأ الأزيار.
في تلك القرى كانت المرأة هي التي تحفظ الماء واللبن وهي التي تحفظ البيت وتحفظ الإيقاع اليومي للحياة.النازلة كانت رمزاً لأنوثة تتزيّن بعلاقتها بالأرض والماء.كانت لا تمشي نحو النيل فقط لكن كانت تمشي أيضاً نحو دورها الأعمق، دور التي تحمل الحياة على رأسها ويديها وتعيدها إلى البيت.
مضى الزمان… رحل حدربي ورحل حسن بابكر ورحل محمد ميرغني، لكن اللوحة بقيت في ذاكرة الذين عاشوا تلك اللحظة، بقيت في صدور الناس. لحظة تعود إليهم كلما سمعوا تلك الأغنية، تعود كنسيمٍ محمّل برائحة أزهار الليمون، ورائحة البراسيم، ورائحة اللوبيا التي كانت تتدلّى على جروف النيل مثل ابتسامةٍ على شفاه طفلة.
كل حرف في هذه الأغنية يعيدني إلى هناك… إلى النيل والأرض وإلى الطفولة التي كانت تمشي على الأرض المفروشة بأزهار الطلح والسنط واللوبيا، إلى ذلك النسيم الذي لا يشبه أي نسيم آخر، إلى المكان الذي لا يغادر القلب مهما ابتعد الجسد.

يا النازلة ماشه على البحر.. ساعة الحلب
ساعة الشمس يادوب بتطلع....
و الشعااع من بين فتيحاات الغصون
رقرق على قش الدرب....
مااع الندى
وقع متل خرز السبح خيطو انقطع....
......................
السمحة بى وسط التمر..دائما تفوت..
يتنى بى فوقها الجريد..يلمس سبايب فى الشعر..
و القمرى من عش ما بيطير..اعتاد عليها و والفها..
حتى السبيط..مد الشخاليب و ابتسم..
مرات تقيف..منو وتشيل ..
مرات تكون مشغولة بى شيتا كتر..
........................
شدر الطلح رمى البرم..
اصفر تحت اقدامها مفروش قرمصيص
اللوبا فى صدر الجرف..من عرقو فجالها الدرب
و نوارو ماال..
مال فى الدرب ..
وسوس و قاال..
السمحة جات
و لما انشبك نوارو فى توبها الجديد..
ماالت بشيش..
السمحة.. مالت فكتو
شان لا تحت نوارو..
لا تقطع صفق..
........................
شوفى البحر..يا السمحة يتقطع ترع
اصبح بعيد..
و الترع وسط الرملة..ذى كبة عسل..
جابوها فى صينية ليك..فطرة عريس..
حاشاها ما قالت بعيد..
السمحة مهما كان ترد..شان تسقى شتلاات الحياة..
شان تسقى فى البيت الأهل..



Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2026, 11:00 AM   #[3]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي


ليست مجرد أغنيات

الدنيا ليل غربة ومطر ...مصطفى سيد احمد وعبد العال السيد وليلة العيد في هلسنكي ذات شتاء استثنائي


لم يكن في هلسنكي ما يشبه العيد، إلا ذلك الضوء الخافت الذي ينعكس على الجليد كأنه يحاول أن يتذكّر لون الشمس. كنت واقفاً أمام محطة السكة الحديد في انتظار بص الساعة الحادية عشرة. ذلك المكان الذي لا يَعِدُ أحداً بالبقاء ولا يعتذر لأحدٍ عن الرحيل. وهلسنكي صامتة لكن صمتها لم يكن فراغاً … صمتها كان ممتلئ بي وبالحنين والشوق الحارق
ثلاثون درجة تحت الصفر والبرد يلتف حولي كما لو أنه يعرف اسمي ويعرف تاريخي ويعرف تلك الليلة التي لم يكن فيها أحدٌ في انتظار البص غيري. كنت وحدي المؤلف والمخرج والممثل والجمهور الذي يصفّق لنفسه كي لا ينهار.
وصوت مصطفى سيد أحمد في الدنيا ليل غربة ومطر. ذلك الصوت لم يكن يأتي من السماعة، ولكن كان يأتي من غرفةٍ قديمةٍ في القلب لم أغلق بابها منذ أول مرة سمعت فيها الدنيا ليل غربة ومطر كان صوته مبللاً بالدعاش، كأنما عبر آلاف الكيلومترات ليصل إليّ دون أن يفقد رطوبته ودون أن يفقد قدرته على أن يوقظ في دواخلي شيئاً كنت أحاول أن يظل نائماً.
السماء كانت تمطر جليداً، وكأنها كانت تبكي نيابة عني. وكأنها كانت تؤدي دور ي وأنا أحاول أن أكون صلباً بما يكفي لأنجو من تلك الليلة، ولم أنج
يأتى صوت مصطفى وكأنه خيط رفيع بيني وبين النجاة، كان نصف حزن ونصف دفء وكان أيضا نصف محاولة للخروج من العمق. كنت أقبض على نبراته كما يقبض الغريق على أي شيءٍ يطفو، لا ليتشبث بالحياة، بل ليتشبث بما تبقى من نفسه. كان صوت مصطفى يدخلني كما يدخل الضوء من شقٍ صغير في نافذةٍ مغلقة لا يستأذن ولا يعتذر ولا يخفف من حدة وقعه
كانت بيدي بوجهٍ معكّر وبخصرٍ بين الأشقر والأسود وكأنها تحاول أن تكون شيئاً ثابتاً في ليلةٍ لا ثبات فيها. القهوة صديقة نعم، لكنها ليست وطناً بقدر ما هي مجرد هدنة قصيرة بيني وبين الصداع وبيني وبين الحنين الذي ينهشني كما لو أنه يعرف نقاط ضعفي كلها.
تلك القهوة هي أيضاً غريبة. وأنا أيضاً غريب وصوت مصطفي غريب في مدينة كتلك والغرباء لا يصنعون وطناً لكنهم يستطيعون ان يصنعوا لحظةً دافئة فقط… لحظة تكفي لتأجيل الانهيار لا لمنعه.
هو الحزن… ذلك الكائن الذي لا يقبل القسمة على أي شيء ...قالتها الأيوبية في عتابها الحزين ليست للقسمة دخل في غيابك وانت لم تحدد للحزن في غيابك عمقاً ثابتاً، فصار يتنقّل فيك وفينا كما يشاء، مرةً في القلب و مرةً في الذاكرة... قالتها في مرافعتها ضدي وضد كل الغيابات التي كانت
وصوت مصطفى جرح في شتاء وصمت هلسنكي حين تمطر جليداً. تلك اللحظة كانت قدراً، وكان القدر أكبر من كلمةٍ تُقال في لحظات محاولة يائسة للهروب.
ترُى هل كان من الممكن تفادي كل ذلك قبل النوم؟
لا أظن لأن ما كان في قلبي ليس شوقاً عابرا ولا حنيناً مؤقتاً ولا حزناً يمكن التفاوض معه، ما كان فيه كان ذاكرة كاملة ومدينة كاملة وأغنية كاملة وصوتٌ كامل لمصطفي، صوت كان يعرف كيف تخترق نبراته قلبي
لم يكن الليل تلك اللحظة في هلسنكي يرحم أحداً ولكن تلك الليلة كانت ليلة عيد الفطر، كانت ليلة أكثر قسوة مما ينبغي. المدينة تمطر جليداً وأنا أمطر حنينا وذكريات وصوت مصطفى، ذلك الصوت الذي يعرف طريقه إلى أعماقي دون أن يضل، كان يواصل انحداره في القلب كأنه يؤدي مراسم حضوره الأخير.
في البص مددت يدي نحو مشغل الأسطوانة لأخفض الصوت قليلا كي أتنفس. اسمع صوت الجليد وهو يرتطم بنافذة البص لكن ارتطامه لم يعد يشبه البكاء، صار يشبه وجعا يمكن احتماله. عدت وعادني الصدى وهاجمتني الذكريات في لحظةٍ كانت كل الأشياء فيها تميل نحو الانهيار. تذكرت أمي والأيوبية وأطفالي وصوت مصطفى لا ينطفئ، لكنه يبتعد قليلا لكنه لا يغادر ... يتخللني أشعر بأن الحنين ما زال هناك ولكن حدّته لم تعد كسكين ولكن صارت كذكرى دافئة، ذكرى يمكن أن تحمل دون أن تجرح.
كنا أربعة انا وارهاق الحنين ووجع الغربة وصوت مصطفى سيد أحمد في الدنيا ليل غربة ومطر، الحنين ذلك الذي لا ينام.. هو ذاكرةٌ لها قدما، يمشي نحوك كلما حاولت أن تهرب ويجلس قربك كلما حاولت أن تنام ويضع رأسه على صدرك كلما حاولت أن تكون قوياً.
وجع الغربة… ذلك الذي لا يتقن الرحمة هو امتحان طويل في الصبر وهو أن تستيقظ في مدينة لا تعرف اسمك وتحاول أن تقنع قلبك بأنك بخير بينما كل شيءٍ فيك يقول العكس. هو أن تمشي في شوارع لا تحفظ خطواتك وتجلس في مقاهي لا تحفظ وجهك وتكتب نصوصاً لا يحفظها إلا أنت. هو أن تحمل وطنك كجرح لا يلتئم وتحمل نفسك كحقيبة لا تغلق في سفر ولا تفتح في وصول
وصوت مصطفى… ذلك الذي لا يتركك ...هو ليس صوتاً فقط هو ذاكرة موسيقية لزمن قادم. حين يغني الدنيا ليل غربة ومطر هو لا يغني عنك ولكن يغني فيك ومنك ويدخل إلى خلاياك كما يدخل الضوء إلى الماء، يوقظ ما ظننته مات ويعيد ترتيب حزنك كما يعيد الموج ترتيب الرمل. صوته ليس عزاء ولا مواساة ولا بكاء، صوته حقيقة أنك ما زلت تحب وما زلت تشتاق وما زلت غريباً رغم كل السنوات. صوته يذكّرك بأنك لم تنسَ ولم تتجاوز ولم تتصالح وأنك مهما حاولت ما زلت ذلك الواقف أمام محطة السكة الحديد في هلسنكي، والسماء تمطر جليدا والقلب يمطر حنيناً وذكريات
وفي النهاية…تغلق عينيك. لا لأنك جاهز للنوم لكن لأنك جاهز للاعتراف بأن الحنين جزءٌ منك وأن الغربة ليست عدواً وأن صوت مصطفى ليس عبئاً ولكن هو رفيق يمشي معك نحو نفسك. تغلق عينيك وتترك الصوت يخفف عنك ويتخللك وتترك القلب يعبر على صدى الدنيا ليل غربة ومطر
الدنيا ليل غربة ومطر حين أسمعها الآن تسحبني من يومي كما يُسحب الضوء من آخر النهار وتعيد ترتيب الزمن أمامي هلسنكي: الجليد الذي كان يسقط ومحطة السكة الحديد وذلك الوقوف الطويل الذي لم يكن وقوفاً بل اعترافاً بأنني غريب وممتلئ بالحنين حتى النخاع.
صوت مصطفى في الدنيا ليل غربة ومطر … ذلك الذي لا يسمح للذاكرة أن تنام لا يعود بي إلى هلسنكي فقط ولكن يعود بي إلى الرجل الذي كنتَه هناك ذات شتاء استثنائي. يعيدني إلى نفسي وإلى ذلك الجزء الذي لم يغادر السودان رغم كل الرحيل، إلى ذلك الجزء الذي لم يتصالح مع الغربة لكنه تعلّم أن يمشي معها دون أن ينهار.




Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2026, 11:03 AM   #[4]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي


ليست مجرد ذكريات.

شمبات: خضر بشير حين يغني برضي ليك المولى الموالي

هذا الكتاب يبدأ من هنا من فكرة أن الحنين ليس ذاكرة ولكنه موسيقى. وأن العودة ليست حركة في الجغرافيا بقدر ماهي حركة في الروح تبدأ حين نسمع الصوت المناسب في اللحظة التي نحتاج فيها أن نعود. وهي الآن العودة إلى كلية الزراعة بشمبات وصوت خضر بشير واغنية برضي ليك المولى الموالي.
كلية الزراعة بشمبات ليست مجرد مباني ولا قاعات ولا مجرد منطقة على ضفة النيل أو كلية بجامعة الخرطوم هي الآن طبقة من الذاكرة وطبقة من الطين الذي تعلّم كيف يغنّي قبل أن يتعلّم. وهي المكان الذي إذا مرّ به صوت خضر بشير يصبح الهواء نفسه طرباً وتتحول الضفاف إلى مسرح صغير يصفق فيه الماء والقلوب والشجر.
شمبات في حضرة خضر بشير هي المكان الذي يعلّمك أن الوطن ليس حدوداً وانما هو لحظة طرب وصوت مغن يعرف كيف يوقظ ما ظننته مات فيك. وهي المكان الذي إذا مررت به تتذكر أنك لم تفقد كل شيء وأن بعض الأماكن تحفظك أكثر مما تحفظ نفسها.
مسرح كلية الزراعة بشمبات وليال الطرب والحضور البهيج والمعتاد لخضر بشير على المسرح وحين يغنّي خضر بشير هناك لا يكون الصوت صوتاً فقط بقدر ما يصبح مناخاً ويصبح تلك الرجفة التي تأتيك حين تتذكر شخصاً أحببته ولم يعد. صوت خضر بشير في شمبات يشبه صلاةً تقال بلا كلمات ويشبه أن يقف الزمن دقيقة احتراماً ويشبه أن يفتح النيل باباً سرياً في الماء ليدخل منه الشجن.
خضر بشير على ذألك المسرح يتحول الى درويش في حضرة محراب ضريح من فن وابداع وحين يغني تتغيّر حركة الناس وتهدأ الأنفاس. صوته يسكن في الصدر ويفتح باباً في القلب ليعيد ترتيب الحنين بطريقة لا يفهمها إلا من عاش هناك بشمبات وعلى ضفة النيل.
حين يغنّي خضر بشير يتوقّف الزمن قليلاً وتصعد أقصى الروح ذكريات الشلة وجلسات الأمسيات على شاطئ النيل بشمبات حين كانت شمبات تتّسع لنا وكان النيل يقترب منا وكأنه يريد أن يسمع أفضل وكانت الجلسات تتحول إلى وطن كامل من الطين والغناء والونسة. وطن لا يطالبنا بشيء، وطن يكفيه أن نكون معاً ليكتمل.
لم تكن الشلة مجرد مجموعة أصدقاء، ولكنها كانت وحدة قياسٍ للفرح وكانت شمبات هي المكان الذي يتسع للشلة كما لو أنه يعرفنا واحداً واحداً. يعرف ضحكة عمر ويعرف صمت كمال حين يفكّر ويعرف طريقة جلوس عميري ويعرف تلك اللمعة في عيون أزهري حين يبدأ الحديث ويعرفني حين أحاول أن أحفظ تلك اللحظة من الضياع ويعرف عبد اللطيف حين يسخر من كل شيء.
كنا هناك أنا وعازف العود عمر إبراهيم وكمال ساتي والفاتح العمير وأزهري حسن وعبد اللطيف وجلسات الانس والطرب. شلة الأصدقاء التي كانت لا تحمل في لحظات كتلك هموما أو ضجر. رغم التباين يجمعهم الود وحب الغناء والشعر والضحك البريء ونصف البريء أيضا. ذكريات تقف عارية عند سماع أغاني خضر بشير. أزهري كان اروعنا فغيبه الرحيل عنا ولم يجمعنا عزاؤه بعد ان فرقتنا الدروب، كمال اخذته الغربة منذ امد بعيد وآثر اوجاعها رغم انه كان يأتي من حين لآخر، عبد اللطيف بقي كما هو ولا زال عمر كذلك، عميري وانا اخترنا طريق البقاء بالسودان لفترة واخترنا لاحقا طريق الغربة أيضا.
على ضفاف النيل كانت الجلسة تبدأ بلا إعلان يكفي أن يجلس واحدٌ منا حتى يعرف النيل أن الليلة ستكون أطول وأن الطرب سيأخذ دوره وأن الونسة ستفتح أبوابها كما تفتح المدن أبوابها للغرباء.
كان عمر إبراهيم يحمل العود كأنه يحمل ذاكرة الجماعة لا يعزف فقط، بل يربط الشلة بخيط من نغم وغناء جماعي يعرف طريقه إلى القلب. وكان كمال ساتي يضحك ضحكةً تشبه السفر، ضحكةٌ فيها شيء من الغربة قبل أن يغترب، وفيها شيء من العودة قبل أن يعود. وكان الفاتح العميري ثابتاً مثل حجر في ضفة النيل لا يتغيّر ولا يتبدّل وكأنه جزءٌ من المكان نفسه. أما أزهري حسن فكان أجملنا حضوراً وكان الضوء الذي يسبق الكلام وكانت غيبته لاحقاً فجوةً لم يملأها إلا صوت ذكرياتنا معه. رحل أزهري لكن بقيت ضحكته معلّقة في الهواء وبقيت قصصه تمشي بيننا كأنها لم تفقد صاحبها بعد.
كنا نصنع وطناً صغيراً على ضفة النيل، وطناً لا يحتاج إلى علم ولا إلى نشيد فقط يكفيه أن يجلس عمر على الرمل وأن يمدّ كمال رجليه نحو الماء وأن يضحك أزهري وأن يصمت عميري وأن يسخر عبد اللطيف وأن أرفع انا رأسي نحو النيل
تفرقنا وبقي صوت خضر بشير يوقظ فينا تلك الذكريات ويعيدنا لزمان احببناه واخترناه وعشناه كما نهوى
ثم لماذا أغنية برضي ليك المولى الموالي دون بقية الأغنيات التي يلبسها صوت خضر بشير ثوبا صوفيا من البهج المريح والبهاء
تلك أمسية لا تشبه بقية الأمسيات، هي حكاية امرأةٍ وعاشقٍ وأغنيةٍ واحدةٍ كانت أكبر من قلبيهما وأكبر من الفراق وأكبر من تلك الأمسية التي مرّت كأنها لم تمرّ لكنها بقيت. بقيت في برضي ليك المولى الموالي وجعلت من تلك الأغنية قدرا صغيرا يمرّ في حياة العاشقين ثم يترك أثراً لا يزول.
كانت امرأةً تعلّمت أن تُخفي قلبها كما تُخفي النساء جرحاً قديماً في طرف القلب. في تلك الليلة وحين صعد خضر بشير إلى المسرح لم تكن تبحث عن شيء لكن الأغنية بحثت عنها. وحين وجدتها فتحت فيها نافذةً صغيرةً على الضوء، نافذةً لم تكن تريد فتحها، ولكن الصوت كان أقوى من إرادتها. كانت واقفةً كأنها تستعيد جزءاً من نفسها وجزءاً لم تعد تعرف أين وضعته وجزءاً يشبه ابتسامة قديمة لم تعد تستخدمها.
أما هو، فكان يحمل فراقه بطريقةٍ مختلفة لم يكن يخفيه، ولكن كان يبتسم به ابتسامة يعرف أنها ليست شجاعة بل هي محاولةٌ أنيقةٌ للنجاة. حين رآها في تلك الأمسية لم يفكّر في العودة ولم يفكّر في الماضي فكّر فقط في تلك اللحظة التي مرّت بينهما كأنها آخر ما تبقّى من علاقةٍ لم تستطع أن تعيش خارج الأغنية.
وحين غنى خضر بشير: برضي ليك المولى الموالي حدث ما لا يحدث إلا مرةً واحدة في العمر. تغيّر الهواء وتبدّل المسرح وصارت شمبات مناخاً داخلياً ورطوبةٌ خفيفة في القلب ورجفة تأتيك حين تتذكر من رحل وصلاة بلا كلمات وصمت يقف احتراماً لصوتٍ يعرف كيف يعيد ترتيبك من الداخل.
التقت عيناهما فابتسمت ابتسامة من تعرف أنها لا تملك الغد ولكنها تملك تلك الدقيقة التي مرّت بينهما كأنها هدية من القدر قبل أن يغلق الباب نهائياً ثم غادرت تاركة خلفها الأسئلة التي لا جواب لها أو تلك التي لا نريد سماع جوابها.
بعد عشرين عاماً وحين حكت له عن تلك اللحظة وهي تضحك، لم تكن تحكي عن أغنية، ولكنها كانت تحكي عن نفسها وكانت تحكي عن قلب توقّف عن النشر ثم عاد قليلاً وعن فراق لم يلتئم وعن رجل ابتسم لها رغم أن الطريق بينهما كان مغلقاً.
كانت عيناها مشبعتان بذلك البريق القديم ذلك البريق الذي لا يعود إلا حين يمر صوت خضر بشير في الذاكرة مثل نسمة تعرف اسمك وخصوصا جدا حين تسمع برضي ليك المولى الموالي.




Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2026, 11:07 AM   #[5]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي


ليست مجرد أغنيات

إلى اسحق عمر وعايد عبد الحفيظ

عدى فات ..... حين تبكي الروح فراق الأحبة

عدى فات هي واحد من أجمل قصائد صلاح حاج سعيد التي غناها مصطفى سيد احمد (رحمهما الله وادخلهما فسيج جناته) وهي اغنية تفتح في دواخلي كل منابع الحزن والشجن والذكريات التي كانت يوما ما هناك. أغنية تفتح أبواب الدموع وتجعل من البكاء علاجا للروح التي فقدت احبتها.
كل حرف في هذه الأغنية يأخذك الى حيث الفقد. عدّى فات أغنية تفتح بوّابة في الروح كانت مغلقة هي ليست أغنية تسمَع هي أغنية تُسكَن. أغنية إذا مرّت على القلب لا تتركه كما كان ولكن تعيد ترتيب حزنه وتعيد تعريف وحدته وتعيد إحياء وجوه رحلت ولم تترك لنا سوى ظلّها.
هي أغنية عن الغياب حين يصبح قدراً والفقد حين يتجاوز حدود الجسد ويستقر في العظم وهي تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن الذين أحببتهم رحلوا فعلاً وأنك بقيت بعدهم في مواجهة ذاكرة لا ترحم.
عدّى فات أغنية تشبه بكاء الروح تفعل شيئاً لا يفعله غيرها تأخذك إلى اللحظة التي تغير فيها كل شيء الضحكة التي كانت سهلة صارت بعيدة والابتسامة التي كانت تلقائية صارت تحتاج شجاعة والأماكن التي كانت عامرة صارت أطلالاً والأحبة الذين كانوا يملؤون المكان صاروا ذكرى تداهمك كالحمّى.
مصطفى حين يغنّي عدّى فات لا يغنّي نصاً بقدر ما يغني الزمن الذي خذلك والأحبة الذين غابوا والأمان الذي كان والحضن الذي كان ملاذاً والعيون الألفة التي كانت تعرفك قبل أن تتكلم. كل حرف في هذه الأغنية يشبه يدًا تربّت على كتفك وتخبرك أنهم رحلوا ولن يعودوا أبدا وأن بكاءك عليهم ليس ضعفاً فقط ولكنه طريقة الروح في أن تبقى حيّة.
تلك الوحدة التي تعتريك حين تسمع عدى فات ليست وحدة المكان ولكن هي وحدة القلب حين يفقد من كان يضيئه وهي تلك اللحظة التي لا يعود فيها الضحك ممكناً ولا يعود فيها الفرح كما كان ولا يعود فيها الزمن كما عرفته.
الصبر حين يطول يتحوّل إلى حملٍ ثقيل يضغط على القلب حتى ترى وجوه من رحلوا عنك في كل انحاء هذه الأغنية ، في صوت مصطفى وفي رائحة المطر وفي شبابيك السفر وفي ليلات المواني وفي قلق المواعيد وفي سحر العيون وفي الاحتراق وفي النوم الخزاز وفي الشقي المتمدد في العمر.
هذه الأغنية لا تعيدك إلى الماضي فقط هي تعيدك إلى اللحظة التي أدركت فيها أن الفقد أكبر من حدود خلاياك. هي اغنية تواجهنا بحقيقة أننا نعيش على أطلال زمنٍ أحببناه ولن يعود، أغنية تمنحنا إذناً بالبكاء والذي هو آخر ما تبقّى لنا من الأحبة.
عدّى فات ليست أغنية حزينة فقط هي وثيقة الفقد وهي سيرة الذين رحلوا وسيرة الذين بقوا يحملونهم في القلب وسيرة الذين لم يجدوا ملاذاً إلا الدموع.
لم أكن أظن أنني سأكتب يوماً بهذه الطريقة وبهذا الانكسار الذي لا يختبئ وبهذا الصوت الذي فقد نصف قوّته حين فقدت أحبة كانوا هناك.
عدى فات هي اغنية تجبرني على الاعتراف بأنني لم أعد ذلك الشخص الذي كان يضحك بسهولة ولا ذلك الذي كان يظن أن الزمن مهما قسا سيترك له شيئاً يتكئ عليه. تجعلني أعترف أن الأغنية التي كنت أسمعها لأتذكّرهم صارت الآن تسمعني لأتذكّر نفسي لأعرف كم تغيّرت وكم انكسرت وكم بقيت واقفاً فقط لأن الوقوف كان آخر ما أستطيع فعله.
تجعلني أعترف أن الذين رحلوا أخذوا معهم شيئاً لا يستعاد ولا يسمّى وأعترف أنني اشتقت إليهم بطريقة لا تشبه الشوق ولكن بطريقة تشبه العجز… عجز اليد حين تمتد ولا تجد كتفاً وعجز القلب حين ينادي ولا يسمع أحداً وعجز الروح حين تبحث عن ظل كان يرافقها فاختفى.
هي أغنية تجعلني أعترف بأنني لم أعد أخاف من الفقد ولكني أخاف من أن أتعود عليه وأخاف من أن يصبح الغياب جزءاً من يومي وأن يصبح الصمت لغةً ثانية وأخاف من أن يصبح الحنين عادةً لا شفاء منها.
وتجعلني أعترف أيضا بأنني كلما سمعت مصطفى يغنّيها أشعر أن الأغنية تعرفني أكثر مما يعرفني الناس فهي تعرف وجعي وتعرف وحدتي وتعرف أنني بقيت هنا وحدي أحمل أسماء من فقدت في صدري كشيء مقدس.


عدى فات زمن العيون الالفة
والحضن الملاذ
ورهافة الحس البلون
ضحكة الناس العزاز
بعد الحنان الكان زمان
إستوطن المطر الحراز
روح زماني وفي رجاك
عانيت قساوة الانتظار
في ضل شبابيك السفر
صادقت ليلات المواني
الساكنة في بحر الاماسي...بتنتظر
لو يوم طيوف لحظك تقوت
تعبر خيآلاتك تمر
قلق المواعيد الضجر
سحر العيون والإحتراق
واتعزز النوم الخزاز
واتمدد الشقي في العمر
مليت تبآريح الجراحات
البقت بعدك اسي
وزمنا قسا وحالا أسيف
ومشيت افتش عن خطاويك القبيل
واضاري من زمنا وراك ملاني خوف
إحتجت ارتاح في عيون
فيهن ملامحك ذاتا من غير اي زيف
وإشتقت لي ضحكه صباحك والدعاش
عطر رزاز مطر الخريف
انا وانت والدنيا الأمان
والناس وفا وخـــــوة صفا
ودفء المشاعر الشاتية صيف
انا وانت والدنيا الزمان
زمن الغناوي الطالعه من قلبا رضى
وحسا ندى وزوقآ رهيــــــف
انا وانت والدنيا الأمان
ما العمر شتان بين اوان زمنا حبيتو
وعمر ما بتقدر بتعرف
بكره يصبح حالو كيف



Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 03:52 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.