سسيولوجيا العالم الإفتراضي، الذكورة والأنوثة خلف أقنعة الكيبورد
لأقل من عقد من الزمان كانت منظومة القيم التقليدية سابقاً هي النمط الرئيس إن لم نقل الأوحد في التفاعل الإجتماعي بين الرجال والنساء في المجتمع السوداني. وهي منظومة ذات آليات راسخة ومعقدة لها أبعادها السيكلوجية والإقتصادية والإجتماعية، يستمد فاعليتها من وعي ترسخ عبر قرون بعيدة، تفاعلت فيها سلباً وإيجاباً مع مؤثرات ثقافية ودينية بدرجات متفاوتة مع الجغرافيا والتاريخ مشكلة ملامح وأهداف ومحددات هذه العلاقة. يأخذ التقسيم الجنسوي بعد وجودياً بالإضافة إلى بعده الإجتماعي في المجتمع السوداني. ويصبح مرتكزاً لا يمكن تجاوزه في وعي (الذات) وعلاقته (بالآخر).
فالمرأة بالنسبة للرجل هي محل (الشرف) و(العرض) ويربط المجتمع بشكل صارم بين إلتزامها بمنظومة القيم ومكانة الرجل الإجتماعية الذي يحكمه أيدولوجيا العيب والشرف ويمكن وصف وعيها. بالتناسلي حسب التقسيم الفاعلي.
ورغم التغيرات الهائلة التي طرت على الحدود والمفاهيم والقيم التي تؤطر لعلاقة الرجل بالمرأة، وتغيير جغرافيا المكان من ركن منزوي ومن باب خاص بالمنزل، إلى ساحات الميادين وردهات المؤسسات وقاعات الدرس، ومن أعداد محدودة من أقارب الدرجة الأولى من الرجال إلى آخرين تربطهم مفاهيم جديدة كالزمالة، الحزب، النقابة، وغيرها من الروابط المدنية التي بدأت تأخذ مكانها في إطراد بدلاً عن أو مع المؤسسات التقليدية.
الأ أننا لن نجانب الصواب إذا وضفنا المجتمع السوداني بـ (الذكوري) والذي تسيطر عليه قيم الأبوية ويتمتع فيه الرجال بسلطة شبه مطلقة .
حركت ثورة الإتصالات عجلة الزمن بسرعة مذهلة وأصبحت حواجز التعبير والإتصال القديمة في مهب الريح وكان من نتائجه خلق مجتمعات إفتراضية ذات خصائص نادرة لا نظير لها في التاريخ البشري، مجتمعات تتمتع بإمكانيات واسعة في حرية التعبير قضت فيها على نمط الفوارق النوعية، في نقلة أسطورية رهيبة. وأصبح إمكانية الهمس والجهر لمكنونات الدواخل ميسورة لحد الدهشة مقارنة بالماضي القريب.
والمثير حقاً، أن تنهار الأغلال والقيود الخارجية وعوامل الحراك الإجتماعي المطرّد مع حركة التحديث الجارية بقوانين تشبه إلى حد كبير حركة الآلة الأتوماتيكية، مرسبة في أغوار اللاوعي البعيدة أشباح الماضي صانعة واقعاً دراماتيكياً أشبه بالمثال السيكولوجي دكتور (هايد) ومستر (جيكل).
بالعودة إلى السلطة الذكورية بالمجتمع الأبوي ومدى قدرتها على إعادة إنتاج سلطتها في الفضاء الإسفيري لمجتمع إفتراضي، تسفر الملاحظات الأولية لمواقع المنتديات، المنابر... الخ عن تشابه يصل لدرجة التطابق أحياناً، بين الواقع الإجتماعي وعالم الأسافير الإفتراضية.
نتابع...
|