منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-02-2009, 11:28 AM   #[46]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

(.......)
هو صديق (طفولة) لن أنساه ماحييت!...
أدين لصديقي هذا بفراسخ من سوح الوضاءة في فكري وأنهر من ألوان سقى دفقها غرس تذوقي للحياة...
الرجل له من السنوات مايفوق أصابع الكفين والقدمين... منذ أن فارق أرض السودان...
أعتدت زيارته (كلما جابني الدرب) حيث كان يقيم في أحدى الدول الأوربية...
كنت أجده يأطرني أطرا الى تغيير مجرى الحديث كلما سألته عن السودان وأخباره!...
وظل طوال سنواته تلك يرسل -شهريا- الى أمّه وأخواته اللاّئي تزوج ثلاثتهن فيما بعد مايفي ويزيد عن متطلبات الحياة (من خلالي)!...
كان صديقي قد أخذ عليّ عهدا بأن لاأخبر مخلوقا عن مكانه -حيث كان-وقد أوفيت بوعدي ذاك !...
وكنت دائم الأستغراب عن عزوف أمّه من السؤال عن مكان أستقراره ...أذ كانت (فقط) تبكي وتسألني أن كان بخير أم لا!...
قبل سنوات وصلتني منه رسالة! ...
(صديقي الذي أحب عادل
أستودع الله دينك وأمانتك
أنا في طريقي الى مكان آخر في مناكب أرض الله
لا تنشغل بي ياعزيزي فسأكون بخير بحول الله
سأسعى للأتصال بك يوما ما
لا تنساني من صالح دعاك ياصديق
صديقك (.......)!!
مضت مذ ذاك سبع سنين (حزينات) وأنا في الأنتظار...
قابلت في أحدى أجازتي اللاحقة أمّه واستحلفتها بأن تضئ لي ماعتم من جوانب الصورة...
رفضت أمّه (الكبيرة في سنّها) وأجهشت في بكاء أندمني على سؤالي ذاك!...
بعد أيام ...أتصلت بي أخت صديقي الكبرى ورجتني أن أزورها في دارها!...
في البدئ أخذت منّي موثقا بأن لا أخبر أمّها وأن لا خبره هو أن جمعني الله به...
فأقسمت لها بالوفاء...
قالت وهي تبكي ...
أمي قد تبنّته (من جهة ما) وأسمته باسم زوجها (أذ لم تكن تدري بحرمة التبنّي حينها)...
كبر صاحبك والتحق بالجامعة ...وخلال ذلك أحب أبنة عمنا...
وتخرّج بتفوق وحضّر الماجستير وعُيّن معيدا في ذات الجامعة ...
ظلّ أبي يحاول جهده ان يثنيه عن فكرة الزواج من أبنة أخيه دون جدوى...
كان يخيّل اليه بأن أبي يتأبّى عليه لحالنا أذ كنّأ فقراء دون حال أسرة عمّي الغنية...
فماكان منه ألاّ أن ذهب لوحده الى بيت عمي...
وعلمنا من بعد سفره بأنه قد قابل زوجة عمّي التي واجهته بالحقيقة...
أقسمت لي بأن صاحبي لم يبد لهم شيئا في المنزل يومها وقام بأجراءات سفره دون علمهم ثم انقطعت أخباره الاّ من خلالي!...
...
..
.



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2009, 06:57 PM   #[47]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

(.......)
كانت تسكن مع والديها المسنين على طرف غير بعيد من الحي...
هي وحيدة أمٍّ تعمل في دباغة الجلود لتحيلها الى(سعون) تحفظ الماء وتبرده,
وأب يعمل في صناعة الفخار ليحيله الى (أزيار) و(قلال)...
استقوت عضلات زنديها وكتفيها لانشغالها الدائم بمساعدة أبويها في مهنتيهما...
ولم يُقسَم لها نصيب من جمال الشكل...ففات قطارها أو أوشك.
لكنها كانت جميلة (الروح والوجدان)...
لقد كُتِبَ لها القبول في الأرض!
تجدها دوما تخِفُّ عند الفزع وتنأى وتنزوي عند الطمع!
كانت تحرص على الأتيان بجل أطفال المرغنية لتذاكر (لنا) دروسنا بما في ذلك اللغة الأنجليزية التي لم نكن قد وصلنا بعد الى مرحلة دراستها!...
في مساء خميس ...سلمني الوالد مبلغا لأعطيها اياه...
بعد أنتهاء الحصة قادتني وأتت الى منزلنا وسألت الوالد عن المبلغ ...
قال لها (هو مساهمة في جهودك الخيرة ياأبنتي) ...
قالت (والله ياعم حسن أنا حالفة ماأشيل قرش في الموضوع دة ...أنا عاملاه لوجه الله)!...
هذه الوضيئة...
في أحدى ثورات القاش بدأت بعض بيوت (حي الجسر) في الأنهيار ليلا وشرع الناس في طلب يد العون والنجدة ...
وعندما أصبح الصباح اذا بالأخبار تنعي لنا تلك الأستاذة (الوضيئة)...
يومها (مسخت عليَّ الدنيا)...
وبكيت لأول مرة على فقد أنسان عزيز...
قلت لأمي لماذا لم تمت جارتنا (...)؟!
انتهرتني أمي وقالت (ياولد استغفر الله)...فاستغفرت في سري ولكن بقيت في حلقي غصة...
قيل ...لقد أنهار عليها منزل أمرأة عجوز وحيدة! ...
سمعتُ تلك العجوز تبكي عليها(بحرقة) وتقول ...
حملتني بيديها الى خارج المنزل ودخلت لتخلي بعض الأثاث فانهار عليها المنزل...
لم يزل قلبي يدعو لها مع خاصتي من الأموات...
اللهم ارحمها رحمة واسعة
واجعلها رفيقة لعائشة وفاطمة وحفصة في أعالي الجنان
أنك ياربنا وليُّ ذلك والقادر عليه.



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2009, 09:55 PM   #[48]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

الحبّوبة...
لم يُقدّر لي الله بأن ارى واعايش واحدة من حبوباتي!...
واحسبني قد فاتتني بذلك الكثير من الاضافات الوجدانية ...
ولكن قدّر الله بأن يتزوج جدي بعد تجاوزي العاشرة بأمرأة من منطقة تجاور البركل...
كان اسم من أضحت جدتي تلك...(العُسفان)!
سألتها عن أسمها فقالت لي ...هو أسم للمنطقة التي هاجر منها الصحابة لأول مرة من ال(سعوديّي) للحبشة!...
أحسب بأن (العُسفان) قد (أضافت) لي الكثير من عناصر القوة في ثنايا شخصيتي!...
لأن نسيت فلن أنس (ابدا) وصيتها لي (ياعادل ياوليدي اللّسَد مشِيتو واحدي واحدي وزعلو ماااااهو قريب...وان نوى علي صيدتو ياهو الجايبا)!!
كانت تصنع للبيت (السعون)... من جلود مايذبح داخل (حوش ود عسوم) ...
سألتها مرة (أنتي السعن دة قعد تسوّي كيفن)؟!
قالت لي (تعال قنّب هني وما تسعلني فرِد سعال وشوفني قع اسوّي كيفن)!!
كبرتُ ...فاذا بالمعلومة التي يتحصّل عليها التلميذ بنفسه تكون (ارسخ) في وجدانه عن تلك التي تقال وتلقّن له!!
لا مني قلبي كثيرا...لِمَ لم أتزوّد منها بالكثير من قبل أن تستعلي وتغادر الى السماء؟!!...
اللهم ارحم العسفان رحمة واسعة
وأجعل نزلها في عليّين
وابن لها بيتا في لحظتها هذه في أعالي عليّين
انك ياربنا وليّ ذلك والقادر عليه
...
..
.



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-02-2009, 09:37 AM   #[49]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

ميري...
أبتعدتُ عن الغبار الذي أحدثه أنزال العمال لبعض (طوب) و(تراب) و(أسمنت) لأستعصم بمكان يجاور (راكوبة) منصوبة أمام منزل آخر قيد البناء...
سمعت صوتها نديا ريانا وهي تخاطبني في مودة...
-أتفضل ياعمو بي جاي
ألتفت فاذا بها...
صبية ممشوقة لاتزيدها عن الثمانية عشر ربيعا...
أبتسامتها الناصعة البياض وصدق الترحيب البادي على محياها ساقني سوقا الى (عنقريب) لا يوجد عليه سوى (مخدة) و(كرّاس) فوقه قلم...
سلمت عليها فمدت لي يدا وامارات الِبشر والترحيب تصطرخ من وجهها الطفوليُّ البرئ...
جلست وكان ثمة أطفال يلعبون بالجوار ...ما أن رأوني حتى جاؤني يستجدون...أدينا قروش ياعمو...
أنتهرتهم (البنيّة) فرجوتها بأن لاتفعل ...وأدخلت يدي في جيبي وناولتهم مبلغا وطلبت من أكبرهم سنا أن يوزعه عليهم بالتساوي...
أخذ (سايمون) المبلغ باندهاش وقال لي بلهجة عربية (طلقة)!
-ياعمو دة كتييييير؟
وأردفت (البنية)
-أيوة والله ياعمو القروش الأديتم ليها دي كتيرة شديد.
قلت لها
-لا ما كتيرة ولا حاجة ...خليهم يفرحوا شوية...
دخلت (البنية) وأتتني بكيس مهترئ فيه حلاوة (كرملّة) وناولتني أياها وهي تضحك معليش أمي والدة ليها يومين وهسي أبوي وداها تقابل الدكتور عشان شوية تعبانة...
-أنتو طبعا دينكا؟
أجابتني بابتسامة فيها مودة بائنة
-أيوة ...ماباين علينا والاّ شنو؟
-لا ...العفو ...لكن بصراحة لهجتكم ب...
-ياعم أنا أتولدت في الكلاكلة ...و من جينا سكنا هنا في المعمورة دي بس لينا سبعة سنة...
وأردفت
طبعا شكلك كدة صاحب المبنى القدامنا دة؟
-بالظبط كدة
-وشكلك مغترب كمان؟
-صاحب المبنى قلنا ممكن تخمنيها لكن مغترب دي عرفتيها كيف؟
-ياخي بالله دي كمان دايرا ليها درس عصر
تصفحت ال(كراس) فوجدته مكتوب على جانبه (بخط جميل ونظيف)
المادة:الأنشاء
الأسم:ميري وليم مجوك
قلبت الصفحة الأولى فاذا بموضوع عن (وطني السودان)...
صدقوني أبداع من حيث اللغة (العربية) والأسلوب والخط!
جلست قبالتي على (عنقريب آخر) وقالت
-انشاالله يكون الكراس عجبك؟
-دة عجبني شديد والله...بتاع منو دة؟
-شنو يعني أنا ماعاجباك واللة شنو؟
بالله أنتي الكتبتي الكلام دة؟
-أيوة والله ولو عاوزني أسمعو ليك ماعندي مانع ...وضحكت
صدقوني طفرت من عيني دمعة!!
ميري دينكاوية ريانة بكل هذا الألق برغم البيت الراكوبة والحال الذي يغني عن السؤال !!
قلت في نفسي...
بصدق السعادة نبع بالدواخل ...ولا دخل لها بمال أو جاه!!!
والسودان وطن جميل...!
نواصل بحول الله عن ميري



التعديل الأخير تم بواسطة عادل عسوم ; 07-05-2009 الساعة 11:40 AM.
التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-02-2009, 09:44 AM   #[50]
قمر دورين
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية قمر دورين
 
افتراضي

عاطر التحايا أخ عادل

هناك ذكريات وملامح قد ننساها... أو نتناساها... أو (لا ولن ولم) ننساها!
نعم!! كثيرون تركوا بصماتهم في حياتنا
وجميل هو... الوفاء


تقديري لك



التعديل الأخير تم بواسطة قمر دورين ; 16-02-2009 الساعة 02:56 PM.
قمر دورين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-02-2009, 12:53 PM   #[51]
عزيز أرنتى
:: كــاتب جديـــد ::
الصورة الرمزية عزيز أرنتى
 
افتراضي

[align=center]يا أستاذي عادل عسوم أيها الشايقي القح
كلماتك إن جاز لي ك
حامل المسك إما أن يحذيك أو تبتاع منه أو تجد عنده ريحا طيبة
من أين لك بمعسول الكلام .... تجدني دائما متلبش عندما أقرأ لك ..... صحيح أنه الجمال شايقي وبرضو الكلام كمان ولا شنو .
لا أدري إن كان الموضوع في نفس سياق البوست ...... أخشى أن إنحرف قليلا
قرأت وأنا في الصف الخامس الإبتدائي مقالة الأديب معاوية محمد نور ومنئذ لم تفارق مخيلتي وفرضت نفسها علي حتى الآن ولا أدري سببا بعينه لذلك إليك المقالة ودايرك بما لديكم من ملكات أدبية تشريحها .
==================
هذا النوع من الفن القصصي ليس مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الإجتماعي ولا إستجاشة الإحساس والعطف القوي على الخلائق ? وليس الإحساس والتفكير عند شخص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح وإتجاه الوعي ? وهو لذلك الجانب الغامض في تسلسل الإحساسات وإضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص واحد من الأشخاص ? كما أنه يصور ما يثيره شئ تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعي الخواطر وقفز الخيال وتموجات الصور الفكرية 0
***********
فتح مذكرته التي يدون فيها خواطره وأسماء الموضوعات التي يود الكتابة عنها فقرأ فيها أسماء هذه الموضوعات :
(1) حماسة شاعر مصري (2) هكذا نحن
(3) حرفة الكتابـــــــــــــة (4) الأولاد الأشقياء في الليل
(5) إحساس بالمكان
ووقف عند هذا الموضوع الأخير يديم النظر فيه ويفكر متى كتبه ? إستجاش إحساسه بالمكان ? وأستولى عليه شعور قوي لتدوين ما يحسه تجاه هذا المكان .
فذكر أنه وهو طفل صغير لم يتجاوز الرابعة من العمر، كان قد أخذه والده الى بيت زوجته الثانية لكي يلتحق بالخلوة ? وبقى زمناً في ذلك المكان ? كانت أعجب الظواهر العقلية عنده أنه حالما يستيقظ من النوم مبكراً على صياح الديك يذكر أهله وبيته ? لكن شيئاً واحدا أعجب له وظل يعجب له طيلة إقامته هناك وهو أنه خيل إليه أن عنده مفتاحاً سحرياً يعرض أمامه السوق التي كانت تقع بالقرب من بيتهم في كل حركتها وصخبها وحيويتها ولم يبق له كي يصدق خياله إلا أن يشتري من ذلك البائع أو يضرب ذلك الرجل !! فلما كبر قليلا ظن في نفسه أن هذه الظاهرة غريبة فيه وأنه يجدر به أن يسأل الناس إذا كانوا يحسون ويتخيلون مثلما يحس ويتخيل ? ولكنه لم يفعل ولعل شيئا من الإشفاق على نفسه والخوف من الضحك عليه منعه من السؤال 0
وكبر مجدي فأدخله والده المدرسة الابتدائية فكان يرى حوائط المدرسة حينما تقترب العطلة الكبرى باهتة شائخة ويعاوده شئ من الإشفاق عليها فلا يترك المدرسة يوم العطلة إلا بعد أن ينظر الى كل حائط وكل شق ويذرع الحوش ثم يودعها ويلبث ينظر إليها وهو في الطريق الى أن تغيب عن نظره 0
ثم راح مجدي الى المدرسة الثانوية في الخرطوم ? فكان وهو في حجرة الدرس يكتب أو يستمع الى المدرس تقفز به الذاكرة من غير أن يشعر الى خرائب رآها قبل عشر سنوات في القرية ! ولا يعرف ما علاقة تلك الخرائب والأطلال التي لم يقف عندها في يوم من الأيام باللحظة الحاضرة وما لها تلح على خياله وتصوره وتحتلها من غير أن يناديها أو يفكر فيها أو يفكر في القرية كلها – وبعد جهد ليس بالقليل يستطيع صرفها والانتباه الى حاضره 0
فإذا ذهب لينام في الليل وسمع صوت البوري الذي يضرب عادة لعشاء الضباط الإنجليز ذهب خياله توا الى من فقد من أهله وقرابته 0
وأغرب من ذلك كله أنه كان لا يسمع صوتا إلا ويعطيه لونا خاصا فصوت البوري أصفر باهت وصوت البص اسود عامر السواد ويتشائم من البعض الآخر ? ويعطي الأرقام ألوانا : فالثمانية والأربعة أرقام عامرة طيبة والخمسة والتسعة أرقام باهتة صفراء لا يرتاح الى رؤيتها أو التيمن بطلعتها 0
وكان صوت ذلك البوري دائم الإقتران بصورة خاله الذي مات وهو لا يذكر ذلك الخال حينما يذكره إلا على صورة واحدة ولو أنه رآه في مختلف الصور والأشكال يذكره حينما كان معه في المولد النبوي في ليلة مقمرة في حركة وإتجاه واحد بعينه دائما !
وهذه الظاهرة هي الأخرى لا يستطيع لها تفسيرا ? فإنه قل أن يذكر الناس الذين عرفهم ممن ماتوا من أهله أو من هم بعيدون عنه إلا في هيئة الحركة وفي أغلب الأحيان في حركة بعينها وفي مكان بعينه ويوم وساعة بعينها – فلا يذكر قريبته التي ماتت، في مكان من الأماكن التي طالما رآها فيها ? ولكنه يذكرها في مكان بعيد كان برفقتها فيه . في مكان قفر بالقرب من النيل بعيدا عن القرية وفي خطوة وإيماءة من غير قصد وفي هيئة محددة 0
وهكذا فالصور التي رأى فيها والده مثلا كثيرة ? ولكنه قل أن يذكره في غير صورة واحدة وحركة واحدة ومكان بعينه 0
وكان إذا قرأ عن مكان أو سمع به تخيله ورسمه في مخيلته ? فإذا ما ساعدته الظروف وذهب الى ذلك المكان رآه مثل ما تخيله ? وقد يدهش أحيانا حينما يزور مكانا لأول مرة فيخيل إليه أنه قد عرف هذا المكان قبل الآن في حياة أخرى والكل يظهر أمامه كحلم غريب 0
ويرى مجدي أن بعض أحلامه تتكرر فيرى أمكنة غريبة في بلاد لم يعرفها ? فلا يمر عام أو عامان حتى يسافر الى بلد من البلدان يرى فيه نفس المكان الذي رآه في حلمه من قبل أعوام 0
ولمجدي عادة تقلقه ولا تريحه لكنه يحس في ممارستها والشوق إليها راحة وطمأنينة فهو إذا لم يضع ملابسه وكتبه وسريره في أمكنة بعينها وفي أوضاع خاصة لا يرتاح باله قط .
وقد يلح به هذا الإحساس المكاني في ساعات تيقظه الى ما هو اغرب من ذلك ? فإذا مر بالسوق لج به الخاطر أن حياته لا تكمل إذا لم يرى بعض الدكاكين والشوارع . فإذا فرغ من هذه العملية ود لو في إمكانه أن يدخل كل الحوانيت ويرى من قرب حوائطها الداخلية وزواياها وترابها ? كأنما لكل تلك الأشياء قصة معه ? وهو لا يعلم من أمر تلك القصة سوى هذا الإحساس العارض الذي يقلقه ولا يرتاح ضميره إلا حين ينفذه 0
إستعرض مجدي كل تلك الذكريات والصور والأسباب في خياله في لحظة واحدة من الزمان وظل يفكر ..... ويفكر ......! ما معنى كل ذلك ولم يهتدي الى شئ يطمئن له وظل يردد معناه ..... معناه .... ماذا يهمني معناه هذه هي الحياة وكفى ... وليس من معنى لأن نعتقد أن وراءها معنى..! معناها إنها الحياة ويكفيني أن أصور الحياة كما أراها وليس من مهمتي أن أفسر كل ظواهرها ? فلعل هذا الإضطراب وعدم مقدرتنا على ردها الى سبب واحد هو من خواصها الأساسية 0
وإرتاح الى هذا التفكير كثيرا وإبتدأ يلملم أطراف موضوعه تهيؤاً للكتابة النهائية فخط في وسط السطر ( إحساسي بالمكان ) وكتب :
1. كيف أنني أذكر الأشخاص الذين عرفتهم دائما في مكان بعينه ويتكرر ذلك المكان كلما ذكرهم 0
2. كيف أنني في ساعات الدرس والتحصيل تلح في ذاكرتي صور وخرائب وأمكنة رأيتها منذ عشرات الأعوام فتزورني من غير أن أناديها 0
3. كيف أتخيل بعض الأمكنة ومواقعها قبل أن أراها فلما تسعدني الظروف برؤيتها تكون وفق ما تخيلت في أغلب الأحيان 0
4. كيف أن خاطري في بعض الأحيان يلح بي لكي أذرع حوائط الدكاكين الداخلية التي لا أعرفها وأتمعن في ترابها وزواياها كأني قد تركت روحا هناك 0
بعد أن كتب هذه الأشياء شعر بأنه تعب وفتح مذكرته التي يدون فيها خواطره وأسماء الموضوعات التي يود الكتابة عنها فقرأ فيها هذه الموضوعات :
(1) حماسة شاعر مصري (2) هكذا نحن
(3) حرفة الكتــــــــــــابة (4) الأولاد الأشقياء في الليل
(5) إحساسي بالمكان
فقام فجأة من الكرسي ثم رأى وجهه في المرآة ثم إبتدأ ينظر الى الأفق من الشباك واراد أن يفكر غير أنه أحس أن رأسه اصبح فراغا مطلقا 0

المؤلف : معاوية محمد نور[/align]



عزيز أرنتى غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-02-2009, 07:08 PM   #[52]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قمر دورين مشاهدة المشاركة
عاطر التحايا أخ عادل

هناك ذكريات وملامح قد ننساها... أو نتناساها... أو (لا ولن ولم) ننساها!
نعم!! كثيرون تركوا بصماتهم في حياتنا
وجميل هو... الوفاء


تقديري لك
باذخة المرادات قمر دورين
بالفعل ياأخية...
مخطئ من يستصحب الذكريات كمذكيات لعواهن الماضي...
ومخطئ من يفصل ما بين ماضيه وحاضره...
ومخطئ من يضع الرتاج على باب قلبه لينسى أو يتناسى تلك العوالم الموحية...
هي ذكريات لشخوص مروا خلال زخم حياتنا...
هي ومضات من ضوء ألهم دواخلنا جميل المشاعر...
ووحي يخاطب فينا كل فضاءات القيم ...فالقول قولك بأن
اقتباس:
(لا ولن ولم) ننساها!
...
لنغني سويا:

[align=center][flash=http://www.youtube.com/v/VOPKQ9ivF7c&hl=en&fs=1" type]WIDTH=400 HEIGHT=350[/flash][/align]
[align=center](ثم بصوت أسرار)[/align]
[align=center][flash=http://www.youtube.com/v/r0z1Mbpi_fc&hl=en&fs=1" type]WIDTH=400 HEIGHT=350[/flash][/align]



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-02-2009, 12:54 PM   #[53]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عزيز أرنتى مشاهدة المشاركة
[align=center]يا أستاذي عادل عسوم أيها الشايقي القح
كلماتك إن جاز لي ك
حامل المسك إما أن يحذيك أو تبتاع منه أو تجد عنده ريحا طيبة
من أين لك بمعسول الكلام .... تجدني دائما متلبش عندما أقرأ لك ..... صحيح أنه الجمال شايقي وبرضو الكلام كمان ولا شنو .
[/align]
عزيز المستظلة بمائسات النخيل ...الوادعة ...أرنتّي
ياخي تسلم ياابن الملوك...
صدقني ياعزيز...
لأن كان في رفدي ما يرتقي ليعجب ...فالشكر من بعد الله لأفاضل من بني السكوت والمحس أفرغو في دواخلي قناني من حب تليد لهذه اللغة الباذخة!
هي لغة أجدك (بصدق) تجيد البوح بها بسياق ماتع كم أطرب له ياصاحب.
التحية ياعزيزي لموركة ولجزيرة صاي وكل الأحباب هناااااك حيث تشرق شمس المحبة ...
وتخضرُّ سوح الوئام...
وتزهر أغصان الجمال.
كم تجدني أيها الحبيب سعيد بأن نالت بضاعتي المزجاة بعض رضاء لديكم.
أما أمر معاوية محمد نور ...ذاك الأترجّة الذي شرفتني بأهدائي لمقاله الرصين ...فأعدك ب(عوادت) أسبر فيها -معك- أغوارا أتلمسها في دهاليز كلماته الماتعة ونقاط أنتهاء مراداته البهية!...
اليك منّي مودة تنأى عن حملها الأحرف ياعزيز



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 18-02-2009, 03:26 PM   #[54]
الأغبش
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الأغبش
 
افتراضي

في منتصف التسعينات ونحن نتجه شمالاً في موسم الهجرة الي الجامعة بقطار كريمة .. رويدا رويدا تقل الحركة في الممرات ويتلاشى مع تهادي القطار توجس الناس من بعضهم البعض ..فتسمع همساً هنا وهناك ممن جمعهم القدر في (جيرة مؤقتة) ... كانت سوهندا تلك البراءة التي تمشي علي قدمين .. طفلة لم تتجاوز السادسة أو السابعة تنضح حيويةً وإشراقا ..بادرت بكسر حواجز الصمت بين ثلاثتنا وأسرتها .. بادرناها بأسئلة تقليدية فكانت اجاباتها مدخل لدهشة لم تنتهي حتي اليوم ..لم نشعر معها يطول الرحلة المعتاد فقد طافت بنا في عوالم أحلامها وأمانيها لمستقبلها الذي تراه وتخطط له بوعي ندر ان تجده حتي عند الكبار .. سحرتنا بحسن بيانها وإنتقائها لعباراتها بمهارة العالم بأسرار اللغة ..كانت تتحدث بعفوية وثقة .. لم تزدها نظرات الاعجاب وعبارات الثناء منا إلا تواضعاً ... وعندما وصلنا أعطتنا اسم الحي الذي تقطن ومعه قطعة حلوى قالت (خلوها للذكري) ......
لم نلتقيها بعدها ولا اعلم الآن أين وصلت بها الأحلام ...

نتيجتان خرجت بهما من حكمة تلك الطفلة ... الأولي أن ابناءنا هم صنائع أيدينا ..فنحن التربة التي تنغرس فيها جذورهم تمتص منها ما تتقوى به علي النمو .. فكيف ما كان رحيقنا كانت أزهارهم ...
الثانية أن هذه الحياة علي قصرها وقلة مصادفاتها تجمعك احيانا بأناس اقل ما تصفهم به انهم ليلة قدر خير من الف شخص .. إن عبرت لحظتهم ولم تمد حبال الوصل لمواعيد فرح أخري خسرت كثيراً ...



الأغبش غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-02-2009, 11:39 AM   #[55]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

كتب عزيز أرنتي
اقتباس:
لا أدري إن كان الموضوع في نفس سياق البوست ...... أخشى أن إنحرف قليلا
قرأت وأنا في الصف الخامس الإبتدائي مقالة الأديب معاوية محمد نور ومنئذ لم تفارق مخيلتي وفرضت نفسها علي حتى الآن ولا أدري سببا بعينه لذلك إليك المقالة ودايرك بما لديكم من ملكات أدبية تشريحها .
لا ياعزيز ...لم تبتعد عن سياق البوست البتّة...
رفد معاوية حريٌّ به أن يجمِّل كل السوح والفضاءات...
رحم الله والدي ...كم كان يحتفي بكتابات معاوية!
هذا الأديب الذي ولد فى ذات العام الذي ولد فيه يوسف مصطفى التنى وقبل عام واحد من مولد محمد احمد المحجوب والنجانى يوسف يشير وقبل ثمانية أعوام من مولد جمال محمد احمد وتسعة أعوام من مولد محمد المهدى المجذوب واثنى عشر عاما من مولد عبد الله الطيب !...
كل هذه الأسماء لعبت أدوار مهمة فى تاريخ الحركة الأدبية والفكرية والسياسية فى السودان.
كنت أرى أثر الدموع في عيني والدي كلما (أعاد) قراءة عدد قديم من مجلة القلم حيث يكتب أحدهم عن حال أديبنا معاوية وقد غاب عنه العقل وأستبد به ال(جنون) من بعد أن رفد الحركة الأدبية في مصر والسودان بالعديد من الكتابات الراقية...
لعلك ياعزيز توقظ فيَّ رغبة دفينة لتناول (رفد) هذا الأديب الجميل!
...
..
.
ما تفضلت به ياعزيز عن معاوية...هي أستجاشة خواطر عميقة يتلمس القارئ فيها غوص في عواهن علم النفس من بعد التسليم بجمال اللغة وأناقة السرد وامتاع السياق...
اقتباس:
هذا النوع من الفن القصصي ليس مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الإجتماعي ولا إستجاشة الإحساس والعطف القوي على الخلائق ? وليس الإحساس والتفكير عند شخص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح وإتجاه الوعي ? وهو لذلك الجانب الغامض في تسلسل الإحساسات وإضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص واحد من الأشخاص ? كما أنه يصور ما يثيره شئ تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعي الخواطر وقفز الخيال وتموجات الصور الفكرية
نواصل بحول الله



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-02-2009, 05:45 AM   #[56]
عزيز أرنتى
:: كــاتب جديـــد ::
الصورة الرمزية عزيز أرنتى
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ;133355
.
ما تفضلت به ياعزيز عن معاوية...هي أستجاشة خواطر عميقة يتلمس القارئ فيها غوص في عواهن علم النفس من بعد التسليم بجمال اللغة وأناقة السرد وامتاع السياق...

نواصل بحول الله
[align=center]
أستاذي عادل عسوم

مقدمة جميلة كانت متوقعة منك والقادم من حديثك سيكون مثيرا وأجمل
أنا متلهف لسماع الباقي ...... ولا تنس أنني ما زلت ذاك الطفل بالصف الخامس
مع إحترامي وكامل تقديري[/align]



عزيز أرنتى غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-02-2009, 06:58 PM   #[57]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

اقتباس:
فتح مذكرته التي يدون فيها خواطره وأسماء الموضوعات التي يود الكتابة عنها فقرأ فيها أسماء هذه الموضوعات :
(1) حماسة شاعر مصري (2) هكذا نحن
(3) حرفة الكتابـــــــــــــة (4) الأولاد الأشقياء في الليل
(5) إحساس بالمكان
ووقف عند هذا الموضوع الأخير يديم النظر فيه ويفكر متى كتبه ? إستجاش إحساسه بالمكان ? وأستولى عليه شعور قوي لتدوين ما يحسه تجاه هذا المكان .
ويبقى المكان بوتقة (عتيقة) لصهر مد المشاعر والأحاسيس على الدوام ياعزيز...
كم من شخوص ومواقف تظل ترتهن لأمكنة في حياتنا!
لمدن...
لقرى...
لبيوت...
لزوايا وحيطان...
ولسوح وفضاءات ياعزيز...
...
..
.
وهاهو مبدعنا معاوية محمد نور يحتفي بمكان!
هي أترجّة أحسبه قد أودعها كل أحاسيسه ومشاعره...
أشهد بأنها قد شكلت منّي سوحا مديدة من وجداني الأدبي ياعزيز!
ولا أخال الكثيرين الاّ ويشاركوني ذات الأحساس!
لنقرأها...
بل لنسمعها ...
بل لنراها حراكا ماثلا أما أعيننا ياعزيز!!
في الخرطوم .. خواطر وذكريات محزونة
الوقت ليل . والكون ساج نائم . فما تسمع نأمة ولا ترى حركة ، ولا تحس سوى الركود والإغفاء ، والسكون الشامل ، والظلام الصافي ، والهدأة الناعسة . ولقد تحس الحين بعد الحين حركة ضئيلة أو تسمع صوتا خافتا فيزداد إحساسك بذلك الصمت ويشتد تقديرك لذلك السكون ، ويأخذك ذلك السحر ، وتستولي على نفسك تلك الهدأة ويغمرك ذلك الصفاء . فتروح في عالم الأحلام والذكريات وتدلف إلى عوالم الفكر والعواطف المشجيات . وقد خيل إلي أن الحياة قد وقفت فجأة ، وأن الوجود قد أخلد إلى نومة هادئة ، ويعديني ذلك الشجو والسهوم فلا أستطيع أنا الآخر حركة أو قياما ، أظل أتبع حركة الماء الدافق أمامي حينا ، وحركة ما يجري في خواطري وأحاسيسي حينا آخر ، وأنا جالس على أحد المقاعد على ضفاف النيل الأزرق في مدينة الخرطوم . والنيل ينساب في مشيته هادئا كأنه صفحة المرآة المجلوة وعلى يميني في النهر بضع سفن بخارية وأمامي الخرطوم بحري وجزيرة توتي وعلى شمالي مدينة أمدرمان ، يخيم عليها الصمت ويكسوها ثوبا رقيقا ، ويخيل إلي أن ذلك الشجر الحاني بعضه على بعض والذي يظلل شارع الشاطئ ، وذلك النهر الهادئ بما فيه من قنطرة وأمامه من مدينة وجزيرة وما فوقه من سماء تحسبها لشدة زرقتها وانكفائها على حدود النيل أن السماء نيل وأن النيل سماء ، وأن الكل صورة يمكن أخذها ووضعها في إطار للتأمل فيها واستلهام الوحي منها ! .. وخطرت سفينة من تلك السفن المرصوصة ، فحسبت لأول وهلة أنها لاشك طامسة أثر ذلك الجمال ، عابثة بذلك الهدوء الصامت متلفة لتلك الصورة الرائعة ، ولكنها لم تصنع شيئا من ذلك بل أعطت الصورة لونا ، وزادتها حياة وبشرا ، وما يخيل للرائي أنها سفينة تعبر نهرا ، وإنما كأنها قلم يرسم خطا على صفحة أو كأنها شهاب يشق عنان السماء في إتئاد وسرعة ! عجبا لمنظر النيل ليلا ! .. ليس بعده جمالا ولا جلال ، وما يفوقه منظر مما رأيت سحرا وروعة ، وما تستجيش الخواطر ولا يصفو الذهن ولا يتألف الفكر ولا تكثر الذكريات وتغمر النفس فيضا وحنينا مثلما تفيض النفس في حضرة النيل ، ويحن القلب ، ويحلو في كل ذلك الشجو والحنين .
ظللت الساعات وأنا مأخوذ بسحر ذلك المنظر ، في شبه صلاة روحية ، وخشوع فكري ، وجلالة تغمر النفس ، وتخلع على الحياة شعرا ، وتحيطها بالأطياف والأرواح ، وتملأها بأسرار النفوس وخفاياها ! وبالقدرة منظر كمنظر النيل على ابتعاث روافدها وزخر جميع تياراتها من حنين إلى المجهول ، وشجو إلى الماضي ، وتطلع إلى المستقبل المنظور !
لم يظهر لي النيل في تلك الليلة كالشيئ السائل المائي ، وإنما هو بالتماسك أشبه وإلى مادة كالزئبق أقرب فما تشهد شيئا من العنف أو من الإندفاق الظاهر ، وإنما تشاهد العمق البعيد متشحا بثوب الهدوء والسطحية البارزة وتشاهد العدو السريع ولا تلمح شيئا من آثاره ومظاهره ، ولقد تسمع الوسوسة من حين لآخر بين نباتات المياه كأنما أشتدت بها الوحشة ، وكثر عليها الصمت والسكون ! ولكن العالم غاف ، وللعالم حرمة عندها ، فتنطلق في صوت خافت ، وتهمس بدلا من أن تفصح ويعود الماء إلى سكونه ووحشته الجميلة والعين لا تفتأ تنظر إليه ولا تتعب من ذلك ولا تحس إعياءً ولا فتورا . ولقد يقع حجر في النهر وسط ذلك السكون فيكون للصوت الذي يحدثه موسيقية لا تعثر عليها عند أعاظم أرباب الموسيقى والفنون ! وأسأل أحيانا ، من أين يا ترى تأتي هذه المياه وإلى أين هي ذاهبة ؟ أهي لا تفتر من هذه الحركة الدائمة والدائرة التي تنتهي لتبتديء وتبتديء لتنتهي . إلى أين أيتها المياه ومن أين ؟ ألا تفترين ؟ ألا تسخطين ؟ ألا تنتابك عوامل الضجر والسأم ؟ فألمحها تسخر بي وتشفق علي ، وعلى شفتيها إبتسام ، وفي نفسها مرارة وهي تهمس خوفا من أن تسمع (( هكذا ، هكذا ، لقد نفذ القضاء ، أليس من الحماقة والضيق التأفف مما لابد منه ولا محيد عنه ، ونحن أبناء الحياة ولا شيء هنالك غيرها ، أليس من الخير أن نتحملها ونكون عند ظنها ولا نفتر عنها ؟ بل نحياها في أناة ورضاء وابتسام وادع مرير ، ذلك أحجى وأحكم لو كنتم تعلمون )) . وكذلك تذهب المياه معززة حديثها بالإبتئاس والإصطخاب ، ونسيانها للشعور بالنفس ، وهزئها بشعور الملال والإعياء ! .. والماء في جريه ووسوسته الدائمة يتخطى المدن والبلدان راكضا وادعا ، يمثل فلسفة الحياة وكيف يجب أن يكون إحتمالها والتغلب على شعور الملال ودواعي الإعياء والسخط .
ويأتي النيل الأبيض من الناحية الأخرى وهو أكثر زبدا وصخبا من النيل الأزرق ، قد ترى موجه المزبد وآذيه المصطفق يتكسر في عنف وشدة على الشاطئ حتى إذا ألتقى بالنيل الأزرق عند الخرطوم شد من أزره وأخذ يساعده وتكاتف الإثنان معا في مرحلة الحياة التي ليس لها أول ولا آخر ، وهكذا يسيران وقد صارا نيلا واحدا وقلت وحشتهما وزاد أنسهما ، فتلمح نجواهما وشعورهما بالرضاء الوادع ، والحكمة الهادئة ، وهما يندلفان في سير سريع ما سار الزمن وبقيت الحياة .. !
وهذا الجمال ما شأنه ؟ هذا الجمال الساهي الوادع الذي تستمرئه النفس لأول نظرة ويفرح له اللب ، وتجزل الروح ، ماله يميل بذهني إلى خواطر محزونة ، وصور مشجية ؟
هذه السفن التي تنبسط أمامي أجلها في خوف ولعل السبب موت خال لي غريقا في سفينة بخارية في النيل الأزرق . و (( توتي)) منبسطة هي الأخرى أمامي ، مالها تثير في نفسي شجوا حزينا ، وما لشجوها الكئيب الذي لم يبق له إلا أن يدمع ، وما هذه الوحشية المخيفة ، وما لرمالها الناصعة تبعث في نفسي شعور الأسى والذكريات الأليمة ؟ وإنني لأذكر توتي وأذكر أياما لي بها ، وأذكر زرعها وأذكر مجدها ، و أذكر تلك الخضرة ملء العين والبصر نهارا ، وهي الجلال والأطياف والخوف ليلا . وأذكر - ويا لشدة ما أذكر - أذكر أبي وأذكر بيت أبي ، أذكر ذلك البيت القائم وسط الزرع وحيدا لا أخ له ، كالشارة الموسومة وسط ذلك الزرع الحافل ! . أين كل ذلك اليوم ؟ لقد مات أبي واضمحل الزرع وتهدم البيت وما بقي منه سوى الجدران والتراب ، وصار مأوى حيوانات ضارية ، تسكنه الهوام ويعمره الخراب الماثل للعيان .
وهذا الشارع الجميل المنسق على ضفاف النيل الأزرق ماذا يترك في نفسي من إحساس ؟ لا تزال صورته التي رأيتها وأنا طفل بأمدرمان مرسومة أمام ناظري وهي صورة فيها من الحنين والشوق والقدم ما لا سبيل إلى وصفه . على أن ما يعني العالم بخواطر حالم مثلي ؟ وهؤلاء بعض الناس يتحدثون في شغب وقد خرجوا من دور السينما ، وربما كانت هنالك حفلة راقصة ! وفي البحر حيتان ، وفي الشجر أطيار نائمة ، وغير هؤلاء وأولئك من أعمال متباينة ، وحالات مختلفة . ماذا يعني كل هذا التناقض سوى طريق الحياة وشمولها وعدم معرفتها للسهولة ، بل هي الشدة وهي القوة الغازية ! تلك هي أمدرمان وادعة نائمة ، ومن يدري ما بداخلها من المتناقضات ومختلف مظاهر الحركة والسكون ، وشتى مظاهر العاطفة والشجون ! وإنني لأذكر النيل الأبيض وسفرتي فيه وأنا ما زلت صبيا حدثا ، كيف نسيت نفسي في مرح وبساطة وأنا على السفين ! كلها ذكريات قوية واضحة ، تتسلل إلى ذاكرتي من حيث لا أشعر أنني في حاجة إلى (بروست) آخر ليصف كل ما يجري في وعيي المستتر في تلك اللحظة من الزمان . إنها لتملأ مجلدا ضخما ولا تفنى ! وإنني لأذكر ليالي المدرسة ، وسماعي لذلك البوري الذي يهز كياني هزا ، ويلعج نفسي ويذكرها بمن مات من أهلي وأحبابي ! ولا أدري أي علاقة لذلك الصوت وتلك الذكريات المحزونة ، فلربما لأن خالي كان ضابطا ، وأن ذلك البوري يضرب لعشاء الضابط ، وخالي قد مات ! . وأنظر إلى يميني فأذكر ضواحي الخرطوم وأذكر بري بنوع خاص ، لا أذكر بري اليوم وإنما أذكر بري التي لم أرها بل سمعت عنها ، وأصغيت إلى أناشيد الفتيات وأغانيهن في مدحها ( بري الطراوة والزول حلاوة ) إن ذكر هذه الجملة ليمثل أمامي صورا من الماضي قوية ، حية كأشد ما تكون حياة وقوة ! يا لصور الماضي ويا لشجوه وحنينه ! أذكر شوقي إلى الماضي ، وأذكر حنيني إلى المجهول ، وأذكر شعور الإغتباط والجمال الفني الذي أشرف عليه عند مشاهدتي النيل في تلك الليلة ، فأقول يا للعجب ! أتراني أود أن أعيش الماضي والحاضر والمستقبل في ساعة واحدة ! يا لنهم الحياة ، وطبع الإنسان ، وعطش العواطف !
فأنا الآن أذكر كل هذا ، أذكر الليلة القمراء بأمدرمان وأنا صبي ألعب ، وأذكر مكاني من الخرطوم وجمالها الساهي ، وصفائها الصامت ، ورونقها وأحلامها وصمتها وما يحيط بها من ضوضاء ، وما يتصل بأسمها من أسماء تاريخية ، وهالات وحروب ، وأذكر الحيتان في قعر النيل ، وأذكر الشجر في وقفته الكئيبة ، ووحشته الدامعة ، وأذكر عوالم أخرها شهدتها أو قرأت عنها .. وأذكر أبي وأذكر أختي التي فارقت هذه الحياة ، وأذكر هؤلاء الراقصين القاصفين ، وأذكر الجمال الماثل لعيني ، وأذكر غير هؤلاء أشياء كثيرة لا صلة بينها ولا قرابة عندها .. ! فأسأل نفسي ماذا تعني كل هذه الأشياء ؟ وليس من مجيب .. سوى أننا في هذه الحياة وسنظل فيها إلى أبد الآبدين ، لا نعرف عنها شيئا يرتاح إليه الضمير ، ويسكن عنده الخاطر . وإذا أنا في هذه الخواطر المسائية أشعر برعشة في جسمي ، وأحس بدمعة في عيني .. فما أدري أهذه الدمعة شعور بجذل الحياة ، أم هي بكاء عليها ؟ غير أنني أعرف أنني أذهب وأعمل بعد ذلك كما يذهب أناس كل يوم ويعملون .
المصدر : السياسة الإسبوعية - العدد 246 - 22 نوفمبر سنة 1930 م



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-02-2009, 07:57 PM   #[58]
عبد العظيم الطاهر
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عكــود مشاهدة المشاركة
[align=justify]عادل الوضئ،

سلامات ياخي وألف شكر على المواقف والشخوص.


أيام المَحَل والقحط، نزل العرب بسعيّتهم في أطراف القرى الممتدّة على النيل . . وكانوا يعانون من شظف العيش ويجابدون من أجل الحياة. الوالد (رحمة الله عليه) كان إماماً وكان يحس بمسؤوليته أمام ما حلّ بهم. كاتب إبراهيم (أخي الأكبر) أن يرسل كسوة تسترهم، وقد كان إبراهيم وقتها يعمل في الخطوط السعودية بجدّة. فعل إبراهيم ما أُمر به.
عند نزوله البلد في إجازته السنوية، يحكي إبراهيم، وبعد قضاء واجب الزيارات والمراحمات، ناداه الوالد وسأله:
- إنت يا أبراهيم دحين طلعت على العرب الفوق ديل شفت حالهم وسلّمت عليهم شي؟
- لا والله يا بوي، ماني دايرهم يحسّوا بفضل الله وفضلي عليهم.
أبراهيم يقول أنّه قال كده عشان يقنع الوالد فقط، لكنه في حقيقة الأمر لم يفكّر في زيارتهم وهو يعلم تماماً قوّة منطق الوالد عندما يقتنع بأمر ما، لا بدّ أنّه مقنعك أنت أيضاً.
أطرق الوالد إلى الأرض وحكّ رأسه بكلتا يديه (تلك علامة الإستعداد للضربة القاضية، وعندما يفعل ذلك، أعلم أنّك مهزومٌ مهزوم)، رفع رأسه وقال:
- يا إبراهيم يا ولدي، العرب ديل بيك وبلاك الله رازقهم وعايشهم . . لكن إنت بلاهم ما بتدخل الجنّة. دحين إنت المحتاجلهم، ما هم المحتاجينلك.

درع إبراهيم جلاّبيتّه فوراً وتوجّه لا فوق.

وقد كتب إبراهيم مرثيّة طويلة بعد وفاته (كنت قد أنزلتها هنا وفي البركل) يقول مطلعها:


[align=center]خمسة سنين كتار من دونو يا باذر
وخمسة سنين كتار أيامه تنجرجر
النسّام صنف والضل يطاردو الحر
لا الخمّار يقوم لا الموية تروي الجر

خمسة سنين صبر قادرنّو سلوى وسبحي
زاد نقص الجميع حزّ الرباط فوق جرحي
حتحتنا الزمان خايف نقوم بي صفحي
سنبرتو ويضيع أثر الإمام من نصحي

يا حليل الحنين من ريقو يدّي رفيقو
زاهد في الرّطب ساعة قلب دفّيقو
يا حليل الركز وكت البصبرو يضيقو
يا بخت البروهو وشربوا من إبريقو

أبوي مهر المسيري الدّاخرو للما جات
وابوي بربيت جوامعا كلّو صبّابات
أبوي سترة فقير مقنع فقيريات
وشمّر قلبو نور "النجم" و"الذاريات"

مع فرخ الأسود "قلع النحل" بشّت لو
"طيبة" مع "التّميد" في الخلوة فرهد فضلو
مو هامّو الوصل كل "القرير" من طفلو
قام "للعجمي" قاسم "ودصلاح" من أكلو

لاهو المن تلد بالخوف تقرضو جناها
لا اللامن حبت لا جاتو لا شمّاها
عطفو من الرسول الحنّو فيهو نباهة
كان أدّب عدل والفلحة من مولاها

بشّيت للصغير لامن يبغّز عودو
شدّيت للمريض لامن يطيب مورودو
ردّيت للبغيب لامن يصد بي صيدو
خبّيت للفقير لامن يجود موجودو

دلّاي للكتاب دلاي قرير أم نيلة
رفّاع للوقع فيها ونضمتو قليلة
رفّاع للقدح تمّ البشاشة بليلة
والبركة بتكيل فوق النجيضة قليلة

أبوي خدم الوطن برقا طمر سيتيت
وسنتين لام حجاب سنتين مع اب سوميت
فات البندر اشتاق لي خلا المسكيت
وطاف بي دينو دار خرتيت جبال فرتيت[/align]

ويقول في مقطع آخر يشير إلى الحادثة أعلاه:
قال أكسو العريب بالتقدرو ومتيسّر
أنا بكسي العِلم والدين صعيبو بفسّر

إلى أن يقول فيها:
والداب رقبتو مقصّر.

أسأل الله أن لا نكون داب رقيباتنا.

تسلم يا عادل.
[/align]
والله يا اباذر ... ومن حلف له بالله فليصدق ... كان شفت القصيدي دي الشي السوتو فوقي ساعتي القريتا بى هناك ...؟؟ وطبعتها وختيتا عندي ...ماب تصدقني

عادل عسوم ...ايا اللخو ... كيفنك ...؟
قصة عماد دي وجعتني وجع شديد بالحيل والله يا عادل ...لكين من قت لي مات الله يرحمه ويحسن اليه ...خلاس ... انتا عارفني ...بيتني القوى يا عادل



التوقيع: [align=center]


يـا عـروب الحِلَّه الغادي
ويـا أدروب أنا ليكا بنادي
ويا الطمبـورن غـرد شـادي
ويا الساكنين في جنوب الوادي
خلوا أرواحـنا التبقى أيادي
نكتل الـدابي الدخـل العشه
هل في طريقه ............... ؟
[/align]
عبد العظيم الطاهر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-02-2009, 12:37 PM   #[59]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العظيم الطاهر مشاهدة المشاركة
والله يا اباذر ... ومن حلف له بالله فليصدق ... كان شفت القصيدي دي الشي السوتو فوقي ساعتي القريتا بى هناك ...؟؟ وطبعتها وختيتا عندي ...ماب تصدقني

عادل عسوم ...ايا اللخو ... كيفنك ...؟
قصة عماد دي وجعتني وجع شديد بالحيل والله يا عادل ...لكين من قت لي مات الله يرحمه ويحسن اليه ...خلاس ... انتا عارفني ...بيتني القوى يا عادل
الليلي يوما كييييفن سعيد الجابك بي جاي ياود الطاهر
نخجيك نحنا عارفنّو ياعبدو اخوي ...وانا كت داير أدس موت عماد الله يرحمو علّي الناس قالو لي الزويل كراعو بي جاي تقيلي تب ...يجيبو الشديد القوي
عكود ماعندك عبور نضبحا لي عبدو دة ؟

حبابك عشرة بلا كشرة ياصاحبي



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-02-2009, 08:19 AM   #[60]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

اقتباس:
فذكر أنه وهو طفل صغير لم يتجاوز الرابعة من العمر، كان قد أخذه والده الى بيت زوجته الثانية لكي يلتحق بالخلوة ? وبقى زمناً في ذلك المكان ? كانت أعجب الظواهر العقلية عنده أنه حالما يستيقظ من النوم مبكراً على صياح الديك يذكر أهله وبيته ? لكن شيئاً واحدا أعجب له وظل يعجب له طيلة إقامته هناك وهو أنه خيل إليه أن عنده مفتاحاً سحرياً يعرض أمامه السوق التي كانت تقع بالقرب من بيتهم في كل حركتها وصخبها وحيويتها ولم يبق له كي يصدق خياله إلا أن يشتري من ذلك البائع أو يضرب ذلك الرجل !! فلما كبر قليلا ظن في نفسه أن هذه الظاهرة غريبة فيه وأنه يجدر به أن يسأل الناس إذا كانوا يحسون ويتخيلون مثلما يحس ويتخيل ? ولكنه لم يفعل ولعل شيئا من الإشفاق على نفسه والخوف من الضحك عليه منعه من السؤال 0
أمر هذه الروح التي تملؤ فينا الأهاب لعجيب ياعزيز!
لاغرو أنها من روح الله الخالق المتعال...
اقترن الأمر بطفولة بريئة نأت عن جريان القلم وانعقاد التكليف فما فتئت الصفحة بيضاء ناصعة لاشية فيها...
بالطبع العديد منا تكتنفه ذات اللحظات ياعزيز...
أحسبها بقية باقية لأستعلاء النفس وارتقاء الى سمت من سموات النبوة أذ تتناقص المسافات اقترابا الى سوح الله الواسع الحليم ...
فلأن كان مردُّ ذاك الأستعلاء وال(خبُّ) الى الله لِمن كبُر وجرى عليه القلم مرهون بأطر للنفس الى سوح الوضاءة والطهر والأيمان ...فانه في حال معاوية (الطفل) استصحاب لنقاء الصفحات التي لم يسودها بعدُ حبر المعصية واعتوار النفس...
ولعني ياعزيز أذكر شيئا من ذلك خلال سني دراستي في الأبتدائية والمتوسط بل وفي بعض مواقف خلال مرحلة البكالوريوس ...
كنت أقرأ الصفحات من الكتاب... لأراها جلية -في خيالي- وقت أدائي للأختبار فانقل الأجابة كاملة غير منقوصة...أقسم بالله على ذلك دونما تزكية للنفس!
وهي حالة أيقن أنها تعتري العديد من الناس...
أما معاوية ياعزيز ...فقد أجاد كالعهد به في وصف ما يكتفه من حراك...
أذ الأجواء التي أحاطت به حينها قد اكتنفتها أنسام الوضاءة والخير والجمال!...
شوقه لأمه وهو في بيت أبيه الآخر...
فضاءات الخلوة وزخم القرآن وأهله...
حب أبيه الذي لاتخطئه العين وهو يأتي به الى حيث الخلوة وبيته الآخر...
هدأة وسكون في طبع الطفل تعينه على الأستعلاء الوجداني ...
ألم أقل لك ياعزيز بأنها:
اقتباس:
أستجاشة خواطر عميقة يتلمس القارئ فيها غوص في عواهن علم النفس من بعد التسليم بجمال اللغة وأناقة السرد وامتاع السياق...
نواصل بحول الله



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 03:21 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.