لا شك أن للحكايات سحرها الخاص يا طارق
ومن تلك الحكايات حكايتك هذه
حكاية الغانية الأجنبية التي فتنت الخليل و وهبتنا كل هذا الألق
وعن أصلها و منشأها تقول الروايات أنها من أصل يوناني، و منهم من يقول أنها أبنة شاعر إيطالي، و قد ذهب الأستاذ أحمد حسن ( الجقر ) إلى القول بأنها من أب أيطالي و أم أثيوبية (تاني جاب سيرة اثيوبيا) نشأت تلك الغانية في دور الحي الأفرنجي عندما قام اللورد ( كتشنر ) بوضع مخططه الجديد لخلق مدينة على النمط الأوربي في الخرطوم، فقامت فيها نهضة عمرانية واسعة أدت إلى تحديد و تقسيم معالمها إلى يومنا هذا .. وما كان لتلك الفتاة أن تشقى لولا أن رآها الخليل ذلك الفتى النوبي الأسمر الطويل المعروف في أواسط الخرطوم بغنائه العذب و باعه الطويل في الأدب و السياسة و جلساته وسط رفاقه في ( دار فوز ) يقول عن أصل الحكاية الأستاذ حسن نجيلة ( رآها الخليل المفتون بالجمال المأخوذ بسحره، و تربصنا بطريقها أكثر من مرة نتأمل هذا الجمال الفاتن و نسبح الله الخالق المبدع و نتبعها بأنظارنا .. و نعود مرة أخرى بل مرات و مرات .. ) و في جلسة سمر في ( دار فوز ) أمسك الفنان العبقري بعوده و أخذ يدندن :
بين جناين الشاطئ ... و بين قصور الروم
حي زهرة روما ... و ابكي يا مغروم
سرعان ما إنتشرت الأغنية أنتشار النار في الهشيم .. توافد الناس من كل الجهات لرؤية ( زهرة روما ) ملهمة الخليل ، و بمرور الوقت و أنتشار ذيوع الأغنية تعزر على الفتاة السير في الطريق إذ تجد نفسها محاصرة بالناس من جميع الجهات، و منهم من كان يتعمد الغناء بصوت مسموع في حضورها .. و توقفت على ذلك عن عادتها اليومية في السير مساء بين الجنائن المشهورة وسط أحياء الجاليات الأجنبية و حتى المحطة الوسطى، و ليس ذلك فحسب بل أصبحت من عادة الوافدين على الخرطوم من الولايات الأخرى الحج لمنزل ( زهرة روما ) على أمل رؤيتها ضمن المعالم الأخرى البارزة في عاصمة البلاد.
تبدأ القصيدة بقول الخليل ( بين جناين الشاطئ ) و ترد في روايات أخرى بنفس الطريقة التي كتبتها بها أنت يا طارق ( فوق جناين الشاطئ ) و لكني أتفق مع الرواية الأولى التي وردت في تحقيق الأديب الراحل ( على المك ) لديوان الخليل، لأن أصل الحكاية هو سير الفتاة في تلك المنطقة بين جنائن الشاطئ و بين بيوت الجاليات الأجنبية التي وصفها الشاعر ب ( قصور الروم ) .. و تتوالى أوصاف الخليل فهو يصفها تارة بالهلال الذي تجمع حوله الناس، و يصف شعرها المعقود بعناقيد العنب و تارة أخرى يصف جيدها الطويل بزجاجة الروم ( و هو نوع من الخمر) مروراً بوصفه قوامها اللادن حتى يصف طلتها فيقول ( خلي جات متبوعة .. الصافية كالدينار ) و هو هنا ربما يخاطب صديقه الأستاذ ( حسن نجيلة ) الذي حكى عن مراقبتهم للفتاة، و في وصفه لها كالدينار أشارة إلى جمال أو ندرة ( الدينار ) العملة المتداولة في تلك السنوات، إلى أن نأتي إلى قوله ( موضة آخر موضة ) و في ذلك معنى بديع غير ما تحتويه الكلمة من بلاغة أدبية، ففي قوله ( موضة آخر موضة ) أشارة إلى خروجها إلى الشارع وهي ترتدي الزي الأفرنجي الذي كان محصورا على الأجنبيات فقط و غير مسموح به لدى النساء السودانيات، و هي عادة قد فُتن بها الأدباء السودانيين خلال تلك الحقبه، مثل قول سيد عبد العزيز و هو يصف بعض الفتيات المسيحيات و قد عشق إحداهن ( أشبه بربات الخدور .. الأنبرجن في يوم حبور ) و يقال في العادة لمن لا يرتدين التوب السوداني ( ماشة موضة ) و هو تعبير شائع لدينا حتى الأن .. و في قوله الآخر ( آخر موضة ) إشارة كذلك إلى إتباعها آخر صيحات الموضة مما يدل على أناقتها، و يكمل ( هيفا غير زنار ) و ( الزنار ) هو الحزام الذي ترتديه الفتاة في وسطها لتزيد من جمالها وهي بما حباه الله بها من جمال لم تلجأ لإستخدامه، و يرجع إلى الجناس مرة أخرى فيقول ( روضة داخل روضة ) واصفاً الفتاة لما تتميز به من جمال بالروضة التي تتمشى داخل روضة حقيقية تتغنى فيها العصافير، إلى أن يأتي إلى وصف جبينها الأبيض ( شوف جبينها الهل .. ضو فوقه فنار ) الذي بدا و كأنه قد أضئ بمصباح أدى إلى إنارة بقية الشارع فيقول ( منه هل الشارع .. منه بق و نار )
وفي نهاية القصيدة يصف الخليل خروج الفتاة إلى الشارع فيقول ( طالعة ما بتتقابل زي لهيب النار .. تحرق البتهابل و البعيد في نار ) و يعني بذلك أنها لغرورها لا يستطيع أحدا الإقتراب منها و كأنها لهيب من النار من دنا منه أحترق .. و من بعد عنها كذلك بنار الشوق أحترق
يقال أن زهرة روما أحبت أن تكافئ الخليل لما كتبه فيها من مفردات رقيقة و لكن الخليل رفض و أمتنع بحجة أن الخلق السوداني القويم ينهى عن ذلك
تلك حكايات تمنينا أن نعايشها يا صديقي لما لها من سحر و روعة، فما بين زهرة روما .. و ما بين كلمات الخليل لا عليك سوى التحية و البكاء على طريقة الخليل نفسه فلنحي زهرة روما ..و
لنحي ذكرى تلك ألأيام ..
|