ساهم الفكر الماركسي و منذ بروزه في بلورة و تجسيد الاتجاهات التاريخانية في الفكر الفلسفي المعاصر بدرجة كبيرة جدا , صحيح انه قامت منذ زمان باكر و ربما قبل ظهور الماركسية نفسها بعض الافكار و الاتجاهات الفلسفية الخاطئة مثل التولتارية و النظرة الغائية للتاريخ و غيرها من الافكار التي حاولت أن تصور ان عملية تطور التاريخ في اتجاهات معينة هي بالضرورة عملية حتمية مرتبطة بمجموع عمليات محددة و معروفة سلفا لكن يبقي تأثير الماركسية كفلسفة هو الأبرز في هذا المجال .
أن أهمية هذا الموضوع – موضوع التاريخانية - ينبع من كونه يمثل احدي نقاط الدخول الاساسية لنقد الفلسفة الماركسية كفلسفة تغيير اجتماعي شاملة تطرح موضوعات الثورة الاجتماعية و التغيير كمقولات حتمية كما تنظر و بذات القدر الي انهيار أسس العالم الرأسمالي و بزوغ فجر الاشتراكية بذات النظرة اليقينية الوثوقية الحالمة التي لا تنيْ تنهار يوما بعد أخر تحت ضربات معاول الواقع الماثل اليوم .
عملت الماركسية و منذ بروزها علي صياغة المفاهيم الاساسية ذات الصلة بعمليات الهدم و البناء – هدم المجتمع الرأسمالي و بناء المجتمع الاشتراكي علي انقاض ذاك المجتمع فهي تنطلق من سلسلة عمليات تاريخية بحتة تحاول قراءة و اعادة قراءة تاريخ نشوء و تطور المجتمع البرجوازي و تبلور الملكية الخاصة من خلال سلسلة عمليات تاريخية معقدة وصولا الي المجتمع البرجوازي و الذي يعتبره كارل ماركس بانه صاحب انجاز تاريخي عظيم حين يصف البرجوازية بانها قد لعبت دورا ثوريا عظيما فهو يقول :
" حيثما كانت للبرجوازية اليد العليا وضعت حدا للعلاقات الاقطاعية البطرياركية , الرعوية فقد مزقت اربا تلك الاواصر الاقطاعية المتعددة التي كانت تقيد الانسان الي اسياده الطبيعيين و لم تبق علي اية رابطة بين الانسان و الانسان سوي المصلحة الذاتية العارية و الدفع نقدا دون رحمة "
كارل ماركس البيان الشيوعي .
هكذا لا يلبث السيد كارل ماركس أن يكيل الشتائم للبرجوازية من بعد ما نسب اليها الفضل الكبير في احداث تحول جذري كبير في التاريخ في الانتقال بالعلاقات الاقطاعية الي طور جديد من اطوار التطور
ما يهمنا هنا و بالذات هو أن كارل ماركس قد صاغ مفاهيميه الئيسية عن نشوء المجتمع البرجوازي من خلال عملية قراءة و اعادة قراءة للتاريخ استندت بشكل اساسي علي نظرية مؤداها أن البرجوازية الرأسمالية قد أدت غرضها المحتوم وفق سياق التاريخ نفسه و سرعان ما ستدفن تحت ركامتناقضاتها فالمصانع و المعامل بجرها اليها الوف العمال الذين كانوا منعزلين خلقت الشروط التي يمكن فيها للبرولتاريا ان تشكل تلك القوة التي لا تقهر ابدا و لم يلبث ماركس أن صاغ عبارته المشهورة :
" أن ما تنتجه البرجواية اذن و قبل كل شيء هو حفارو قبرها "
و بدا هنا كارل ماركس كما لو انه يضع الجملة الختامية في خطاب نعي البرجوازية كما قيل و ما بد واضحا ايضا و قبل كل شيء هنا ان السيد كارل ماركس حاول استشراف المستقبل من خلال منهج تاريخاني بحت يزعم قائله و كما قال الفيلسوف الالماني ( كارل بوبر ) الي أنه كان يقف دوما و هو ينظر الي تيار المار و يقول لنفسه :
لقد كنت اعرف دوما أن النهر سوف يمر من هنا !
و لكن و بمنتهي البراءة لماذا ظلت تلك المقولات مؤجلة التحقق الي الان في الواقع الاقتصادي و السياسي و لماذا خاب فأل توقعات السيد ماركس العظيمة ؟
يتص3ور الكثيرون من فلاسفة ما بعد الحداثة ان الماركسية كنسق ايدولوجي مغلق قد صارت الي ما صارت اليه لاجل عوامل كثيرة من بينها و اهمها أن الماركسية قد تحولت الي عقيدة جامدة علي يد كل من لينين و ستالين و بالتالي انقطعت الماركسية نفسها عن العلم
ان كارل ماركس نفسه لم يكن يوصف بانه ماركسي من خلال عمله المفتوح فهو كان يقوم بعملية نقدية للمجتمع الرأسمالي و لم يزعم قط بانه قد صاغ مشروعا نهائيا و مقولات مطلقة و مع ذلك فقد أظهر سياق التطور التاريخي من بعد ماركس نفسه كثير من المعضلات المتصلة باصل المفاهيم الاساسية للفكر الماركس .....يتبع
|